النفساني يجابه الرضي


الباحث والاكاديمي اللبناني المعروف الدكتور علي زيعور ،وعبر هذه المقالة المنشورة في جريدة السفير اللبنانية، يعرض لأحد كتب النابلسي مستعرضا" أعماله في مجال المدرسة النفسية العربية والصدمة النفسية

تعج المجتمعات العربية اليوم بضحايا الصدمات والحروب. وخاصة ضحايا العدوان الاسرائيلي والاسرى المعذبين في سجونه وفي معتقلاته المتماهية مع العنف النازي بممارسات شديدة العنصرية. وهؤلاء المصدومون يصابون بضعف فعاليتهم وينعكس سوء توافقهم وتوترهم على عائلاتهم ومجتمعهم. هنا تدخل علوم النفس ،في مدرستها العربية، معترك النضال. فوضع الحدود لمعاناة المصدومين ومحيطهم كفاح داعم لمجابهة الرضي.

الدكتور محمد احمد النابلسي ،الامين العام للاتحاد العربي للعلوم النفسية، يتحكم في موضوع "العلاج النفسي للاسرى وضحايا العدوان" (وهو عنوان كتابه الصادر عن مركز الدراسات النفسية ط1 2001). ثم ان المؤلف يميز ذلك الموضوع  داخل نطاق علوم النفس ،عند العرب، تلك التي استضافت منذ الثمانينيات فرعا" جديدا" هو "علم نفس الصدمة".

وهكذا فان ميدان رعاية الاسرى وضحايا العدوان هو ميدان تكافح فيه الصحة النفسية ،او العلاج النفسي للصدمة وما بعد الصدمة في الشخصية، من اجل ان يستعيد المصدوم قدرته على التحكم بذاته وسيطرته على مشكلاته وأفعاله وانفعالاته.

هكذا تراكمت ،على يد الطبيب الدكتور النابلسي، الدراسات النفسية الميدانية مؤطرة ضمن نظرية في الصدمة النفسية ، ومن ثم في الاشفاء والتشخيص، بل وايضا" في الوقاية. وصارت لدينا في الميدان كتب عديدة للنابلسي منها: الامراض النفسية وعلاجها-دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية (الجامعة 1985) والصدمة النفسية-علم نفس الحروب والكوارث (بيروت 1992)... ونذكر ايضا" كتاب جرثومة العنف للدكتور عدنان حب الله في المجال.

في هذا الكتاب يبدأ النابلسي التشخيص بوصف يوميات الاسرى في المعتقلات الاسرائيلية. فنقرأ رواية العذاب عند بضعة اسرى (واسيرات ايضا"). ثم نقرأ وصفا" لفظائع التعذيب التدميري الذي يطبقه الاسرائيليون طلبا" لتفكيك شخصية الاسير العربي وتعطيل دماغه والغاء كل مقاومة او دفاع عن الذات عنده...

هنا يتذكر العربي ما فعله الفرنسيون من جرائم بحق الانسان الجزائري وبحق الشعوب التي استعمروها ( راجع قول محمد عبده في الاستعمار الفرنسي لبعض الأمم الاسلامية). والأهم هو ان ابرز ما برع فيه اليهود ، في مجال تعذيب ضحايا عدوانيتهم و وحشيتهم التلمودية، كان ممثلا" بتقنيات هي الغرفة الصامتة وتقنية الرجرجة المؤذية نفسيا" وبدنيا".

وكان علم النفس قد تعرض لاساءات استخدام متكررة فكان من اشهر العلوم التي طورت تقنيات التعذيب الهادفة الى تفكيك الجهاز النفسي واحداث هلوسات وتهيؤات هذيانية. غير ان الطب النفسي لم يتوان عن تقديم العون ،واسس الطب النفسي العسكري والعلاج النفسي الجماعي للضحايا وعلم النفس العسكري. مع مساهمته في الحد من اضرار الحرب النفسية.

لا أعرف مستوى الخبرة النفسية التي توفرها الجيوش العربية للمقاتل. لدعمه في ردع التوسع الاسرائيلي واستئصال امله في الانغراس والاستمرار. ان الاسرائيلي ،على غرار ما فعله الصليبيون، يبقى ببقاء حاجته لابقاء مواطنيه خائفين على مصيرهم، ويتوقعون هجوم عدو لهم. الى جانب حاجتهم الى عدو يستعملونه كعامل تحفيزي، ثمة ايضا" حاجتهم الى الضربة الاسرع والاقسى, الوقائية والمفرهة المانعة لكل تكتل ضدها. لذلك فانه من اللابدي ان تنبت في الوعي العربي ،عند الاعلامي والجمهور والاختصاصي ، ثم عند العلاجيين والمعنيين، وظيفة الطب النفسي و معها دور علم النفس في مواجهة الايحاءات الاسرائيلية.  وهنا يكون التدخل قبل الكارثة واثنائها هادفا" الى استيعاب التهديدات التي تفجر التجارب السابقة والذكريات الأليمة. وايضا" الشائعات التي تفجر القلق والمخاوف لدى الجمهور. كما يتدخل الطب النفسي في فترة ما بعد حصول الصدمة فيعمل على معالجة انعكاسات الكارثة وردود الفعل عليها. ومنها تفجير نوبات امراض نفسية او بدنية كامنة او جديدة.

هذه الاخطار تجعل القطاع المكرس لدراسة الحرب والصدمة النفسية شديد الأهمية. اذ يمهد للتأسيس لأساليب الفحص النفسي الخاصة بعصاب الحرب والاضطربات النفسية المرتبطة بالكارثة. فالعصاب الصدمي ،او الاضطراب الذي يعقب الصدمة عامة، يعرف على انه نتيجة التعرض الى تهديد خارجي (كارثة اصطناعية مثل الحرب او طبيعية مثل الزلازل والفيضانات) او داخلي. اذ ثمة ما يأتي من داخل الجسم فيهدد الحياة والجسد لسبب فعلي او وهمي وسواسي-هجاسي. وهناك ايضا" الصدمة التي تقع على العلائقية (فقدان عزيز والتماهي بالاموات...الخ). واخيرا" نذكر الكارثة التي تهدد التكامل العقلي تهديدا" فعليا" او وسواسيا" مرضيا". مما يستوجب ويستتبع ضرورة التمييز بين القلق والصدمة. فالصدمة موضوع نفساني اعقد من القلق ،ومن عصاب الحرب، ومن مصطلح آخر شديد العمومية هو "الشدة النفسية". اما امراض الحرب التي عرفها اللبنانيون مؤخرا" ،والتي تضم مؤشرات الصدمة الباثولوجية، فاعتقد ان الدكتور م.أ.النابلسي قد نجح في تشخيصها وبالتالي في طرح الحلول العلاجية لها. وما المقصود بذلك ،على ما رأى، سوى ارساء هيكلية برنامج وقائي واستراتيجية تدعم جمهورنا في وجه كوارثنا العربية المقبلة التي يشكل توقعها تهديدا" ذي اثر صدمي.

ويعتمد مؤلف كتاب "العلاج النفسي للاسرى وضحايا العدوان" على منهجية ابستمولوجية في نقده للتصنيف الاميركي للصدمة النفسية ويعارض على هذا الاساس خلط هذا التصنيف ما بين القلق والصدمة. وهوخلط غير جائز برأي النابلسي. وعليه فان دعوته لارساء استراتيجية عربية تقوم على ضرورة نقد التصنيفات الاجنبية واخضاعها لمراجعة نقدية على صعيدي التشخيص والعلاج قبل نقلها الى العيادة والمجتمع العربيين. فهذا النقل يفقد كل صلاحية ان هو تم بصورة نقلية لاتراعي خصائص الذات العربية في موقفها من الحياة والموت والتعامل مع الزمان والمكان والآخر. وهذه الدعوة هي المفارقة التي تميز اعمال م.أ.النابلسي عن كافة الاعمال العربية الاخرى في مجال الصدمة. وتزداد الحاجة الى هذا النقد المنهجي لاساليب التعامل مع الصدمة عندما يكون المصدوم طفلا". فللطفل تبعية اشمل للمحيط ولاجوائه. مما يجعل تاثره بهما مضاعفا" ويجعل تجاوز هذا التأثير مؤذيا".