وطنـــــــي
محــاضرة في إطار نساء وطني/ أضغط هنا لموقع وطنــي

 

العلاج النفس الأسري وتياراته.

أ.د. محمد أحمد النابلسي.
الأمين العام للإتحاد العربي للعلوم النفسية

المقدمة

            يولد الطفل ناقص النمو ويعتمد على أمه في تأمين استمرارية حياته. فيكون اعتماديا على أمه التي تكون رابطته مع الحياة ومع البيئة المحيطة به. ثم تنتقل هذه الاعتمادية إلى المحيط الأسري وإلى البدلاء. بحيث تختلف أشكال الاعتمادية وتتطور دون أن تختفي أو تزول. إذ تنتقل إلى المجتمع الواسع في مرحلة النضج. حيث احد تعريفات الإنسان إنه حيوان اجتماعي. فإذا ما نظرنا للاضطراب النفسي وجدنا أثر البيئة في هذا الاضطراب. إلا أن أثر البيئة هذا يتضاعف في حالة الطفل لأنه أكثر اعمادية من البالغ. فلو نحن راجعنا ظواهر الاضطرابات النفسية عند الطفل لرأينا أن الفشل الدراسي أو اكتئاب الطفل وغيرته وانخفاض شهيته كلها ظواهر تشير إلى خلل الاتصال داخل الأسرة. وهو ما نسميه باضطرابات التواصل الأسري. لذلك كان من الطبيعي أن يسعى المعالجون إلى إصلاح الخلل المحتمل في هذا الجهاز في سياق سعيهم لعلاج اضطرابات الطفل.
ونظرا لانتشار هذا التيار العلاجي ، المتوجه للأسرى كوحدة علاجية ، وفعاليته رأينا أن نقدم في هذه المقالة لمحة عن العلاج الأسري بتياراته المختلفة.

1-       العلاج النفسي الأسري- المقدمات.

     تتنوع تيارات هذا العلاج وتختلف باختلاف منطلقاتها النظرية . إذ لا توجد مدرسة علاجية متخصصة بالأسرة. بل يوجد ميل للتوجه إلى الأسرة بوصفها وحدة علاجية قابلة لإصلاح أخطاء خلل العلاقات بداخلها. ولبلوغ هذا الهدف يعمد كل تيار لاعتماد منطلقه النظري الخاص للوصول إلى هذا الهدف. حتى نرى بين هذه التيارات من يعتمد منطلقات التحليل النفسي أو السلوكية أو العلاج المعرفي أو غيرها من المدارس والتيارات العلاجية. مع اتفاق الجميع على هدف تحسين العلاقات بين أفراد الأسرة.
وتوجيه العلاج نحو الأسرة كوحدة علاجية يجب ألا يؤدي إلى تجاهل العوامل الفردية الشخصية فالعلاج الأسري ينظر إلى هذه العوامل بصفتها نتاج يسهم فيه الجهاز العلائقي الأسري. وهذا الجهاز لا يتأثر فقط بالعلاقات بين أعضاء الأسرة بل أيضا بالعلاقات بين الأسرة وبقية الأسر والتجمعات الاجتماعية والمجتمع ككل.
ولتحقيق هدف إصلاح أخطاء التواصل بين أفراد الأسرة يعتمد هذا العلاج على توجيه جهوده نحو تعديل الأنظمة النفسية الوظيفية داخل الأسرة. وذلك بهدف تحسين إمكانيات وأساليب وقنوات الاتصال بين أفراد هذه الأسرة. بما يقتضي تحديد معوقات هذا الاتصال ومساعدة الأسرة على تجاوز هذه المعوقات. فإذ ما تم تحديد صعوبات الاتصال داخل جهاز أسري ما أمكن للمعالج أن يضع تشخيصه وأن يحدد خطوات العلاج الداعمة لهدفه في مواجهة معوقات الاتصال في هذه الأسرة وهذا العلاج غالبا ما يستدعي إصلاح أنماط علائقية خاطئة معتمدة لدى الأسرة وإبدالها بأنماط أكثر صحة وملاءمة لمميزات الجهاز الأٍسري وخصائصه.
وعلى الرغم من الحداثة النسبية لهذا الفرع العلاجي فإنه استطاع أن يخطو خطوات واسعة مستندا إلى تراث المنطلقات النظرية الموظفة في الفرع. ومن أهم تطورات البحوث فيه التوصل إلى تحديد أنماط أسرية مهددة لأفراد الأسرة بالإصابة باضطرابت معينة.

2-       الإنماط الأسرية المهددة.

     عن طريق المتابعة ورصد الظواهر الإمراضية في الأسر تمكن المعالجون الأسريون من تحديد أنماط أسرية مهددة. بحيث تتنامى احتمالات الإصابة بالاضطراب النفسي في أجواء هذه الأسر. ولعل أوائل الأنماط المهددة التي حددها العلاج الأسري هي التالية.

1-    وجود مريض نفسي في الأسرة: ويزداد تهديد هذا النمط عندما تكون  الوالدة هي المريضة وذلك أن وجود مريض نفسي في الأسرة يدخل تعديلات أساسية على الجهاز العلائقي داخل هذه الأسرة. خصوصا عندما يأتي المرض بعد فترة من استقرار الأسرة وتحديدها لنمط علائقي خاص بها يربط بين أفرادها ويوزع عليهم المسؤوليات . وكان الباحث الإنجليزي أنطوني قد درس أثر إصابة أحد الوالدين باضطراب عقلي على أبنائهم. فوجد أن غالبية الأطفال يتأثرون بالمرض وبالأفكار المرضية الناجمة عنه. ولكنه وجد أيضا أن بعض الأطفال يملكون قدرة ملفتة على المقاومة وعلى الاستغناء عن اعتماديتهم على الوالد المريض. ومع ذلك فإنه يخرج من دراسته بالسؤال ما إذا كان هؤلاء الأطفال يقاومون حتى النهاية أم أنهم يعودون ويخضعون للأفكار المرضية مع مرور الوقت وتزايد الضغوط عليهم.

2-    الخلافات الأسرية: وبخاصة منها تلك الخلافات بين الأبوين. حيث يميل الأطفال للاعتقاد بأنهم هم أسباب أي خلاف يقع بين والديهم. مع ما يرافق هذا الإحساس من مشاعر الذنب وعدم الاستقرار. ويزداد تهديد هذا النمط مع زيادة حدة الخلافات. التي تصل لأن تدفع بالطفل إلى انشطار العاطفي بين الأب والأم. وفي الحالات التي تصل إلى الطلاق يصل هذا الانشطار إلى دفع الطفل لوضعية الاختيار بين أمه وأبيه. وفي هذه الوضعية قمة الانشطار التي تنعكس على التوازن النفسي للطفل بما يفتح باب الظواهر النفسية المرضية لتنعكس على سلوك الطفل وشخصيته.

3-    اكتظاظ بيت الأسرة: وهو يصاحب زيادة الإنجاب. حيث زيادة عدد الأطفال في أسرة ما يقلل من إمكانيات الرعاية الوالدية لهم. بما يستشعره الطفل على أنه حرمان أو تقصير أو تفضيل. ويزداد تهديد هذا النمط عندما تكون هذه المشاعر مستندة إلى حقيقة واقعة ومدعمة بشواهد تبرر شعور أحد الأطفال بالإهمال وآخر بالغيرة وآخر بالحرمان ألخ من مشاعر المؤثرة على استشعار الطفل لانخفاض درجة القبول الوالدي قبول الأمة خاصة بما تحمله هذه المشاعر من أذية لشخصية الطفل ومن انعكاسات على شخصيته المستقبلية.

4-    العادات الأسرية السيئة: تلجأ بعض الأسر إلى التكتم على اضطرابها العلائقي عبر إقامة نوع من التواطوء في علاقات أفراد الأسرة ببعضهم البعض . ويمكن لهذا التكتم أن يتخذ أشكالا مختلفة باختلاف الحالات. لذلك نكتفي بتعداد بعض العادات السرية كأمثلة على أثر مثل هذه العادات في تعكير التوازن الأسري. ومن هذه العادات.

1-    التعطيل الإرادي للاتصال: كان تقضي الأسرة معظم وقتها في مشاهدة التلفاز متذرعة بهذه المشاهدة لتلافي أي اتصال يمكنه أن يستتبع طرح المواضيع الشائكة. التي يفضل كل فرد التعامل معها على طريقته بمعزل عن باقي أفراد الأٍسرة.

2-    التهرب من المسؤولية: بعض الأمهات يتركن مسؤولية رعاية  أطفالهن إلى الجدة أو إلى الخادمة ليخففن من هذه المسؤولية. فتكون النتيجة شبه انعدام للاتصال بين هؤلاء الأطفال وبين أهلهم  ( الأم خاصة).

3-    الانتقادات المتواصلة: تمتاز بعض الأسر بملكية بؤرة ناقدة أحد أفرادها الكثيف الانتقادات مما يحول بقية أفرادها إلى الدفاع عن النفس عبر انتقادات مضادة أو عبر مواقف نبذة سلبية. هي عبارة عن انتقاد ورفض صامتين.

5-     اضطراب السلطة الأبوية: وهي تصاحب حالات غياب الأب عن الأسرة سواء بسبب الطلاق أو الهجرة أو الموت أو غيرها. بحيث تضطر الأم لأن تلعب دورا مزدوجا غالبا ما ينتهي بالفشل .

3-      الأم الرديئة:

     يرىالمحلل النفساني ديفيد وينيكوت أنه لا وجود لذلك الشيء المسمى بالرضيع. لأننا لا نستطيع  الكلام عن الرضيع دون الكلام عن الرعاية التي يتلقاها من أمه.
فالعلاقة أم
/ طفل تعود في جذورها إلى عهد الجنين/ الحمل حين يتأثر الجنين بالتوازن النفسي والجسدي لأمه الحامل. كما يكتسب بعض صفاته الخلقية في سياق نموه داخل رحمها. وتأتي صدمة الولادة لتكون بحسب المحلل أوتو رانك وفرويد نفسه، أولى تجارب القلق التي يواجها الإنسان. وإن كان ينتكوت يؤكد على أن الجهاز العصبي للوليد يكون أضعف من أن يمكن الوليد من وعي فراق جسد الأم. وهو يعوض هذا الفراق بالرعاية التي تقدمها له الأم لتأمين استمرارية حياته وتعويضه نواقص تجهيزه وتعينه على إكمال نموه. حيث تكون الأم وسيلته الوحيدة للاتصال بالعالم الخارجي. وهو الاتصال الذي يعتبر حجر الأساس في بناء أنا الطفل وشخصيته. حيث بناء هذا الانا يحتاج لإحساس الطفل الدائم بالوجود وهي وظيفة الأم المرضعة. لذلك يؤكد الباحثون ومنهم تيتران على أن إهمال الأم في هذه المرحلة من شأنه تهديد تكامل أنا الطفل التي لا تزال قيد التكوين.
في مرحلة لاحقة تبدأ محاولات الطفل للاتصال بالعالم الخارجي. فهو من خلال زحفة يبدأ بتكوين مفهوم ثنائي البعد عن العالم الخارجي. ويتطور هذا المفهوم إلى ثلاثي البعد عندما يصل الطفل إلى مرحلة السير على قدميه ( 15- 18 شهرا) ومع هذا التطور تبدأ محاولات الطفل لتحديد موقع جسده في الفضاء المحيط به مما يعني بداية تكون مفهوم صورة الجسم لديه. وعلاقة الطفل بأمه هي الموجه الرئيسي لكافة هذه المراحل. فإذا ما اضطربت هذه العلاقة لسبب أو لآخر انعكس ذلك بإعاقة نمو وتكوين الأنا عند الطفل. هذه الإعاقة التي يعتبرها المحلل جاك لاكان مسؤولة عن اضطراب مرحلة المرآة ومنبعا للذهان عند الأطفال ومهما يكن فإن الأم المقصر في تأمين تطور علاقة طفلها بالعالم الخارجي وتكوينه لصورة جسمه المتكاملة هي أم رديئة  دون شك، ونحن لانعدم مصادفة  مثل هذه الأم في حالات كثيرة منها عدم الاستعداد للأمومة والخلاف مع الزوج وتفضيل طفل آخر والرغبة طفل من جنس آخر أو وفق مواصفات مختلفة عن مواصفات الطفل الواقعية. ألخ
وبالنظر لاتفاق الباحثين على مختلف مشاربهم، على أهمية دور الأم فإن الحديث عن الأمهات الرديئات أصبح متداولا بحري ومن أهم أنماط الأم الرديئة أكثرها انتشار نذكر التالية:

-     الأم الخانقة: وهي الأم التي تبالغ في العناية بطفلها وهي مبالغة قد تتسبب في تأخر اكتسابه للمهارات المعتادة في عمره. كما أنها تؤدي إلى تردد الطفل وإصابته بالمخاوف وانخفاض تقديره لذاته ولقدراته.

-     الأم السيكوسوماتية: حيث تشير بعض الدراسات السيكوسوماتية التحليلية خصوصا إلى وجود نمط أمهات خاص بكل مرض من الأمراض السيوكوسوماتية حيث يتحدث هؤلاء الباحثون عن الأم المتسببة بإصابة أبنها بالربو أو بالقرحة ألخ محددين أنماط سلوك كل من هذه الأمهات على حدة.

-     الأم الفصامية: هنالك ميل لدى دراسي الفصام الشيزوفرانيا من زاوية نفسية اجتماعية للحديث عن نمط خاص بأم المريض الفصامي.

-     الأم  المذوبة: وهي الأم التي تستحوذ على طفلها عبر علاقة لاشعورية تعويضية تدفها إلى ربط طفلها بها لغاية تذويبه ودفعه إلى تبني أحاسيسها والحفاظ على حالة ذوبانية في العلاقة بينهما.

-         الأم المريضة نفسيا: سبقت الإشارة لها.

-         الأم المهملة: وتختلف عواقب الأهمال وآثاره على الطفل باختلاف نوعية الإهمال والمستوى الذي يطاله هذا الإهمال

4-      تيارات العلاج الأسري:

          العلاج الأسري ليس طريقة علاجية محددة بقدر ما هو تعبير لغوي يهدف إلى تحديد الحقل الذي يمارس فيه العلاج ويتوجه إليه الأسرة بهدف تعديله والتدخل لجعله أكثر ملائمة للأفراد الذين يعيشون في إطار الأسرة. وبهذا نكون قد أكدنا مرة أخرى على اختلاف المنطلقات النظرية للعلاج. بحيث يمكن القول أن لكل نظرية علاجية تطبيقاتها الخاصة في مجال العلاج الأسري. ومع هذا التأكيد لا بد من ملاحظة اختلاف تناول معالجين أسريين لهذا النوع  من العلاج مع انتمائهم إلى مدرسة علاجية واحدة. وهذا الاختلاف ينجم  عن اختلاف طريقة كل هؤلاء المعالجين في تناول الأسرة كوحدة علاجية، ويمكن تصنيف أساليب هذا التناول على النحو التالي:

-     العلاج الأسري الجمعي: وهو أسلوب التوجه لكافة أفراد الأسرة بالعلاج عن طريق جمعهم وإقامة الحوار في ما بينهم وصولا إلى تشخيص اضطراب التواصل بينهم ومن ثم العمل على إصلاحه في جلسات جمعية أيضا.

-     التعاون الأٍسري: وهو أٍسلوب يعتمد على طلب تعاون الأسرة في علاج المريض عن طريق تحديد السلوك والتصرفات المناسبة لتفاعل أفراد الأسرة مع المريض.

-     العلاج الأسري السلوكي: وهو أسلوب يعتمد على تعديل سلوك الأسرة عن طريق استبعاد التصرفات غير المطابقة الصحية وإبدالها بأخرى مناسبة ومن خلال جلسات يعقدها المعالج مع أفراد الأسرة في غياب المريض.

-     العلاج الأسري المحوري: وهو أسلوب يعتمد مبدأ تدريب أحد أفراد الأسرة للقيام بدور المعالج النفسي في إطار أسرته. ويجري تدريب أفراد من أسر مختلفة بصورة جمعية في محاولة لتبادل الخبرات في ما بينهم.

-     العلاج الأسري المتخصص: ونقصد به تلك التيارات المتخصصة في العلاج الأسري التي أرست قواعدها الخاصة في التعامل مع أسر المرضى ومع الأسر التي تعاني من صعوبات تواصلية بين أفرادها. ومن هذه التيارات ذلك المنبثق عن مدرسة بالو آلتو.  والطريقة المسماة باسم صاحبها وهي طريقة هيللينغر أو العلاج الأسري المنظومي انظر هذا الملف.

5-      عصاب الأسرة.
كان لتركيز الاهتمام على الأسرة بصفتها وحدة علاجية مستهدفة، الفضل في الملاحظة احتمال انتشار العوارض العصابية لدى أفراد أسرة ما. واختلفت الآراء في تحديد وتشخيص هذه العصابات الأسرية إذ اعتبر بعضهم أن الأمر ينطلق من عصاب فردي يقوم الشخص بتعميمه على الأسرة وعلى المحيط الأقرب منه. وبمعنى آخر فإن هذه الفئة من الباحثين تنظر للعصاب الأسري على أنه نوع من العدوى العصابية. وانتقال العصاب بالعدوى ليس مجرد فرضية وإذ تشير الدراسات إلى انتشار الهيستيريا على شكل وباء جمعي في حالات معينة. مثل الخوف من الشائعات المنتشرة أثناء الحروب والأوبئة وغيرها من الوضعيات ذات التهديد الجماعي هذا في حين يلاحظ باحثون آخرون أن المظاهر العصبية تختفي لدى أفراد الأسرة لمجرد خروجهم من دائرتها القريبة وهي ملاحظة دفعتهم لطرح فرضية التواطؤ العصابي. وبمعنى أن الفرد في الأسرة العصابية يتبنى سلوك العصابي في علاقته بأفراد الأسرة تهربا من الصدام معهم وخروجه من المعادلة الأٍسرية المبنية على تبادل أدوار وتنازلات ذات طابع عصابي تواطوئي أما الفئة الثالثة من الباحثين فهي تربط بين هيكلية الأسرة وتوزيع الأدوار في إطارها وبين الطابع العصابي. فإذا ما أحسنت الأسرة توزيع الأدوار في هيكليتها بشكل صحي وداعم لقدرات  أفرادها على تقدير الذات تكون هذه الأسرة متوازنة، أما إذا فشلت في ذلك لغاية التأثير على تقدير أفرادها لذواتهم  يحس الفرد أنه أكثر تقديرا واحتراما خارج أسرته منه في داخلها فإن هذه الأسرة تتحول إلى العصابية.
وينتمي المحلل ريختر إلى هذه الفئة الثالثة. وهو عرض لآرائه في كتاب له بعنوان التحليل النفسي للأسرة وفيه يتحدث عن عصاب أسري خاص بالأسرة التي تضم مريضا مشخصا بين أفرادها ويلاحظ عوارض عصابية محددة لدى أفراد هذه الأسر. حتى أن بعضهم يستغل الضغط الناجم عن وجود المريض في الأٍسرة ليتخفف من ضغوطاته الشخصية فيقول. أنه هو المريض ولست أنا كما يلاحظ ريختر في هذه الأسر ما يسميه بمبدأ الأوعية الشعرية فإذا ما تقدم المريض نحو الشفاء فإن أحد أفراد الأسر يسير في الاتجاه المعاكس نحو المرض. وبذلك تحافظ الأسرة على توازناتها المرضية ويتفق بول واتزلاويك مع ريختر حول هذه النقطة فيطلق على هذه التبادلية في دور المرض تسمية السيلان الأسري.
ونعود إلى ريختر الذي يقدم وصفا عياديا لثلاثة أنواع من المعطيات الأسرية هي التالية.

1-    عصاب القلق الأسري: حيث تصنع الأسرة عالما مغلقا خاص بها حتى يتحول منزل الأسرة إلى نوع من المصح أو المأوى. ويصبح أفرادها بحاجة لتأكيد مشاعر الأمان والتوازن والصحة فقط داخل المنزل. لأنهم لا يشعرون بالأمان خارجه. ويبالغ بعضهم بالانعزال عن العالم الخارجي لدرجة أن بعضهم  لا يقرأ الصحف  أو يستمع  إلى نشرات الأخبار حفاظا على الانغلاق الأسري ومثل هذا الجهاز الأسري لا يكتمل إلا بانتزاع  جوانب هامة من حرية أفراده ومبدأ هذه الأسرة هو لكي نعيش بأمان يجب أن نعيش في خفاء ويشير ريختر إلى زيادة هذا النوع من العصاب في الأسر الغربية.

2-    عصاب البارانويا الأسري: وهذه الأسرة لا تهرب من العالم الخارجي ومن المجتمع بل هي تحولهما إلى أسطورة عائلية، إذ نجد في هذه الأسرة أنواعا وأجواء مختلفة من التفاهم على منطلقات نظيرة منطقية. مما يحول عدوانية أفرادها نحو الخارج. وتمارس هذه الأسرة عدوانيتها بتوجيه اتهامات وإدانات للاأخلاقية المجتمع وكأن الأخلاقية احتكار لهذه الأسرة ولا وجود للأخلاقية خارج منزل الأسرة وهي قناعة لدى أفرادها حتى أننا نصادف حالات هذاء بارونويا داخل هذه الأسرة.

3-    عصاب الهيستيريا الأسري: في نطاق هذه الأسرة يلعب الأفراد أدوارا هزلية في مابينهم كما يمكن أن يجتمع أفراد هذه الأسرة ليلعبوا أدوارا هزلية مع العالم الخارجي ومن عادات هذه الأسرة أن يعرب أفرادها عن مواقفهم ويعبروا عن عواطفهم دون أن يسألوا ما ذا كانوا مسؤولين عن مواقفهم أم لا. وهذا النمط الأسري يخلق لنفسه عالما شبيها بأفلام الكرتون وهذا النمط يتسع في الغرب مع تنامي الطبقة الوسطى فيه وهو يطغى على الأسر التي تتعاطى مهنا فنية استعراضية. وهذا ويضيف واتزلاويك عصابا أسريا رابعا إلى هذه الأشكال العصابية الثلاثة، حيث يتكلم عن عصاب الأسرة الطبائعي.

4-    العصاب الأسري الطبائعي: ويعرفه واتزلاويك على النحو الآتي: في هذه الحالة تلجأ الأسرة إلى تنمية نمط سلوكي خاص بها، مستندة إلى أفكارها وتصوراتها الخاصة، وتعتمده وتتجنب العالم الخارجي ، الذي تعتبره مجنونا للحفاظ على لحمتها والتصاق أفرادها بها لكن مراجعة موضوعية حيادية لسلوك هذه الأسرة يبين لنا عدم واقعية سلوكها وبالتالي مرضية جهازها.

 خلاصة:

      على الرغم من التغيرات العميقة التي طالب هيكلية الأسرة فإنها لا تزال محتفظة بدورها الوظيفي كنواة لمختلف الخلايا الاجتماعية وبغض النظر عن تطور وسائل الاتصال والانفتاح على العالم الخارجي فإن الثوابت الوظيفية لدور الأسرة لا تزال على حالها وهي غير قابلة للمساس أقله على المستوى المنظور. إذ تبقى الشحنات النرجسية الصادرة عن الأم باتجاه وليدها هي المقررة لمدى قدرته علىلا استيعاب العالم الخارجي عبر استيعابه  لموقع جسده في هذا العالم. كذلك تبقى رؤية الأسرة لعالم ما بعد الموت مسيطرة على لا شعور أفرادها. وتقترن هذه السيطرة بسيطرة سلسلة من الأساطير العائلية البحتة فإذا  ما أردنا الحديث عن التغير اللاحق بالأجهزة  الأٍسرية فإننا نتكلم عن صعوبة استمرار الأسرة بلعب هذه الأدوار. وبعيدا عن الدخول في جدل الحقوق والحداثة نرد قارءنا إلى العالم النفساني جون بوولبي الذي يؤكد على حاجة الأسرة لدور أمومي مركزي ومدعم للسلطة الوالدية حيث تعرضت آراء لانتقادات عنيفة في الستينات لكنها عادت لتسود ابتداء من الثمانينات حين أدرك الغرب هشاشة الجيل المربي على طريقة سبوك التربية الحديثة.

 

العلاج الأسري المنظومي

     لم يحظ معالج نفسي في السنوات الأخيرة في محيط الناطقين بالألمانية في عمله باهتمام كبير مثلما حظي بيرت هيللنجر. وعلى الرغم من أنه هو نفسه لا يعمل مع الأسرة، فإنه كان محط اهتمام المعالجين الأسريين بشكل خاص وأثار الخلافات والخصومات حوله. فقد حدث تجاهه استقطاب إلى أتباع متحمسين وخصوم أشداء.
ومن الطبيعي أن يعوق هذا الاستقطاب المناقشة الموضوعية  والعادلة، لأن المريض معرض باستمرار لخطر أن يحسب في صف أحد هذين الحزبين. ومع  ذلك نريد أن نحاول، إذ أن ظاهرة هيللنجر في رأينا
(ونحن لا نقصده بالذات كشخص وإنما نقصد منهجه وردود أفعال المعالجين والزملاء) ذات أهمية كبيرة ودلالة خاصة بالنسبة لحقل العلاج النفسي.
     وإن إحدى الصعوبات التي تواجهنا عند مناقشة العلاج النفسي بصورة عامة هي أن أغلب الأوصاف لما يقوم به أو يحجم عنه المعالجون أو المعالجات، والمعالجون المرضى أو المعالجات مختلط مع تفسيرات هذه الظواهر الموصوفة وتقييماتها. وهناك صعوبة أخرى تتمثل في أن العلاج النفسي يمس دائما مجالات ومنظومات مختلفة: المتعالج الفرد، شريكه في الحياة، أو أسرته، المسرح النفسي، المجتمع.... الخ. وخلط هذه المجالات أقرب إلى أن يكون القاعدة من أن يشكل استثناء وهذا ينطبق أيضا على المناقشات الدائرة حول هيللنجر.
    ومن هنا سنسعى، قدر الإمكان إلى إبقاء الأوصاف والتفسيرات والتقييمات وكذلك المستويات المختلفة للمنظومة منفصلة عن بعضها بعضها. ولنبدأ بما يقوم به أو بصياغة أفضل بما يرتبه هيللنجر و زبائنه ومعالجوه مع بعضهم بعضا.

 المنهج:

     يعمل هيللنجر مع معالجين منفردين ضمن المجموعة، ويقوم أحد الأسس المهمة عنده على جعل المعالج المريض يقوم بتنسيق أو ترتيب أسرته الأصلية. حيث يمثل أفراد المجموعة أوضاع أعضاء الأسرة. وبنوع من الاستعارة المكانية يتضح بهذا من من منظور المعالج في الأسرة هو القريب أو البعيد وممن أو من هو الذي كان كذلك، ومن يهتم بمن أو من يلجأ لمن. وهذا الأسلوب لم يتم اتجاه على يد هيللنجر ، فهو راسخ منذ عقود في المعالجة والتأهيل ويعتبر مفيدا بشكل عام، أما الكيفية التي  يعمل بها هيللنجر مع مثل هذه الترتيبات والتشكيلات الأسرية فتختلف عن طرق الأجراء الراسخة:
أنه يعزو لأنماط محددة منشأة مرضيا، ويطرح بعد ذلك تشكيلة الحل أي يعيد ترتيب أعضاء الأسرة أو ممثليهم أو يغير الصورة حيث ينشأ تنسيق محدد من قبله للعلاقات الأسرية الداخلية التي تشكل في رأيه حل المشكلة, وغالبا ما يواجه المعالج بعدئذ أيضا، بأن عليه أن يغير بعض الجوانب المحددة من حياته إذا أراد الحصول على فرصة لتحقيق حياة غنية. أن أقواله دامغة، ولا يفسح المجال للنقاش معه، غير أنه لا يحاول الإقناع أيضا تقبل هذا أو دعه هكذا يمكن وصف موقفه. غير أنه في موقفه تجاه المجموعة لا يبدو متحررا فيما يتعلق بتقبل تدخلاته أو رفضه، فكثيرا ما يفسر الرفض لرؤاه كعلامة على عدم الرغبة في التعاون من جانب زبونه وعلى ما يبدوا فإن سلوكه كمدير جلسة لا يهدف إلى إثارة مناقشات متخصصة . وهذا يؤدي إلى تصرف أولئك الأفراد من المجموعة الذين يتقبلون سلطة هيللنجر، بصورة فعالة في الجلسة  التي تنظم للمجموعة الأسرية.
      ولو صدقنا التقارير التي لا بد من أخذها بجدية التي يقدمها الزبائن المعالجون فقد تمكن هؤلاء من الحصول على خبرات مهمة في مثل هذه المجموعات بالنسبة لهم ولحياتهم اللاحقة وطوروا أفكارا جديدة وأخيرا قاموا بتعديلات مهمة في أسلوب حياتهم. ومن هنا نستطيع في هذه الحالات وصف أسلوب هيللنجر بأنه مفيد علاجيا ولكن لا بد من نعميم هذه الفائدة فهو على الأقل لم يختبر تجريبيا بالمناهج الصارمة غير أن هذا ينطبق أيضا على أغلب مناهج العلاج النفسي

الزبائن المعالجون.

     في رأينا أن كون الجزء الأكبر من الزبائن هم أنفسهم معالجون نفسيون وعاملون في حقل الخدمة الاجتماعية، أمر ذو أهمية كبيرة بالنسبة لظاهرة هيللنجر.
وهذا يمكن أن يفسر إلى حد كبير الخلافات التي يثيرها هو أسلوب علاجه فعلاقة المعالج بالمريض المعالج محددة بشكل تكميلي. إنها تقوم على الاتفاق على أن أحدهما طبقا لتحديد دوره الاجتماعي لديه كفاءة لا يملكها الآخر، ويتبع سلوك المعالج تجاه قواعد نوعية وتقنية خاصة توجهها أهداف علاجية محددة، ومهما يفعل المعالج فإن تدخلاته من الناحية العلاجية تعد مفيدة أو ضارة بصورة تزيد أو تنقص.
ويختلف الوضع في المواجهة بين المعالجين، أي في العلاقة بين المعالج والمعالج فهنا يشترط التجانس في الأدوار في الحالة المثالية، أي أن كليهما وفقا لدورهما الاجتماعي المحدد لديه كفاءة يمتلكها الآخر أيضا.
وفي ورش عمل هيللنجر يتم خلط السياقين علاقة المعالج بالمعالج مع بعضهما بعضا، ويرفض بيرت هللينجر المناقشات النظرية حول أسلوبه. ويمكن وصف هذا من منظور المراقب الخارجي بأنه يحدد دوره وعلاقته بالمشاركين في ورشات عمله بشكل واضح على شكل علاقة تكميلية بين المعالج والمعالج، بين عارف وغير عارف، وفي ظل هذه الظروف ، أي في إطار تحديد تكميلي غير متجانس للعلاقة يصبح من غير المقبول منطقيا بل يصبح من وجهة النظر العلاجية أمرا غير مسؤول علاجيا الدخول معه في مناقشة علمية متخصصة الأسرار تبقى عظيمة وتؤثر لا من خلال إزاحة الستار عنها ولكن من خلال وجودها.
    أما لماذا يتقبل الكثير من الزملاء المعالجين مثل هذا العرض غير المتجانس للعلاقة، بل لماذا يعسون إليه، كما يستنتج من الإقبال الشديد على عروضه الكبيرة  فتلك مسألة أخرى تماما
 النظرية:
      إذا ما أراد المرء  ألا يتهمه بأن الصدفة وحدها تقوده، فلا بد من أن تكون لهيللنجر على الرغم من نفيه القاطع نظرية ما. حتى ولو لم يكن ذلك بالمعنى العلمي الضيق أو على الأقل أن لديه رؤية خاصة للعالم ، يوجه من خلالها تصرفاته، وفي تقديرنا أنه ليست له نظرية معيارية صريحة حول الأسرة وعلاقة الفرد بإسرته فحسب، بل أنه له أيضا نظرية علاجية وبشكل خاص نظرية معرفية كذلك. والتفاعل بين هذه النظريات هو الذي يحدد عند هيللنجر كما هي الحال لدى المعالجين والظواهر التي يزيحها جانبا، وأي تصرف يقوم به أو يتركه، وإلى أي مدى يرى اقتناعاته مشروعة بوصفها مطابقة للحقيقة.
ويتجه اهتمام هيللنجر إلى الديناميات الثلاث المذكورة في المقابلة السابقة إلى التماهي أو التوحد الشعوري واللاشعوري لأعضاء الأسرة مع أشخاص غير محترمين في واقع الأسرة وماضيها ومثل هذه الدينامية يمكن أن ترد باستمرار في محيط الأسٍر وأن توصف وأحيانا يمكن ربطها بنشوء المشكلات والأعرض.
غير أن تصور وتقييم هذه الدينامية على اعتبار أنها هي الدينامية الوحيد المهمة، يبدو وفق خبراتنا العلاجية ووفق المراجع العلمية أمرا غير صحيح.
        ولكن بغض النظر عن القيمة التي يمكن أن يضيفها المرء على هذا النمط، فإن نموذج بيرت هيللنجر أو ما يقوله عنه يشكل القطب المضاد للآراء  السائدة في الوقت الراهن في حقل العلاج الأسري، وخصوصاً في حقل المعالجة المنظومية النسقية بالشكل الذي طورت به منذ بداية الثمانينات. فهيللنجر يقدم دعاوى بشكل معياري : كيف ينبغي على المعالج أن ينظم حياته وعلاقاته، لتحقيق سعادته والتخلص من مشكلاته أن لا يملك تصورا واضحا لأسباب المرض فحسب، بل والصحة أيضا، وعلى العكس من ذلك فالنظرية المنظومية الحديثة والمعالجة المنظومية بالشكل الذي نمثله نحن لا تتوجه بقوة إلى الينبغيات بقدر ما تتوجه إلى تحديد الإمكانات أي أنه على الرغم من أن المعالج يمكنه، ويجب عليه إذا أراد أن تقوم أحكامه على أساس متين أن يقدم معطيات ، بل يصنعها  لتحديد التشكيلات الأسرية وأنماط التواصل التي ترفع من احتمال تكون الأعراض ولكن ليس أي النظم أو التنسيقات سواء أكانت تنسيقات الحب أم الكره هي التي ترتبط بالخلو من المشكلات أو من الأعراض وهذا يمكن فهمه قياسا على المجال الطبي العضوي، إذ يمكن الكلام عما يضر بالرئة ولكن لا يمكن الكلام عما ينبغي عمله لضمان رئة سليمة.
وفي حين يمثل المعالج فيما يسمى بشكل عام المعالجة الأسرية المنظومية وللأسف يحمل الكتاب المشهور حول مبدأ هيللنجر عنوان سعادة مزدوجة المعالجة المنظومية لبيرت هيللنجر وهذا يؤدي إلى التشتت والارتباك حول المقصود في الواقع بالمعالجة المنظومية في حين أنه يمثل موقفا غير معايري إلى حد كبير لأنه لا يتصور أنه يعرف بالفعل كيف يكون على المعالج أو أسرته أن ينظما حياتهما، فإن بيرت هيللنجر يمثل الطرف المضاد فهو يعرف كيف يعيش الإنسان بصورة صحيحة.
وتبعا لعدم معرفته وهي الحل الصحيح بالنسبة للمريض وأسرته يقصر المعالج الأسري المنظومي مسؤوليته على الخطاب لا على المضمون وبكلمات أخرى: تستند خبرته وكفاءته إلى الإجراءات التي يمكن للأفراد أو الأسر بمساعدتها أو يجدوا الحلول، وليس على الحل الملموس نفسه ولهذا نتائج حتمية بالنسبة العلاقة بين المعالج المريض: فعدم التجانس بينهم أقل، والمعالج أقل إدعاء بإنه هو العارف وكذلك تبدوا المقدمات النظرية المعرفية مضادة للمقدمات التي يستند إليها منهج  هيللنجر في العلاج ففي السنوات العشر الأخيرة ثتبت في المجال العلاجي الأسري نظريات تكوينه أساسية ووفق هذه النظريات يكون كل فرد صورته الخاصة المميزة  على الواقع. ولا تتوافر حقيقة موضوعية محددة وثابتة، وإنما هناك عدد من الحقائق الذاتية الكثيرة بعدد الناس، وعلى العكس من ذلك يطرح هيللنجر نموذجا معرفيا يصفه بأنه ظواهري يفترض فكرة إمكان التوصل المباشر لحقيقة موضوعية ويبدو أنه ينحدر من تراث صوفي. وهنا تتجلى المعرفة وراء إدراك المفصح عنه، وتنشأ كمشاركة في حقيقة عليا. وهذا النموذج الصوفي للمعرفة له في كثير من ثقافات وأديان العالم تراث طويل، ولا نريد هنا أ، نستبيح لأنفسنا التشكيك في مثل هذا الفهم للحقيقة، ولكن يمكن أن نؤكد أنه لا يصلح أن يكون أساسا للخطاب العلمي مع ملاحظة أن هيللنجر نفسه لا يدعي هذا أيضا.
ولو اتخذنا الفرضيات الأولية التكوينية كأساس ننطلق منه، لا تضح لنا لماذا ينجح المعالج الذي يلحأ لمثل هذه النماذج المعيارية والتقاليد الصوفية كما يمثلها هيللنجر. فعندما يتوجه المريض إلى معالجة ويأخذ عنه بناءاته عن الواقع ومعاييره وقيمه، وفسوف تختلف الحال بالنسبة لحياته اللاحقة ويعتبر ذلك نوعا من الشفاء. ولكن هذا لا يفيد شيئا عما إذا كانت هذه التصورات، مثل تصورات هيللنجر عن تنسيقات الحب، مثلا، ستصمد بالمعنى العلمي الدقيق، إذ أن المهم هو هل الرؤى التي يمثلها  المعالج والأفكار التي يطلقها ستشكل فرقا بالنسبة للمريض وتمكنه من تعديل سلوكه وتفكيره وأحساسه أم لا وإذن فالأمر لا يتعلق بشكل عام بالحقيقة التي يؤمن بها المعالج، وإنما بالفائدة بالنسبة للمريض وهذا يتعلق من ناحية أخرى بصورة حاسمة بالسلطة التي يمنحها المريض للمعالج. وهذا بدوره ينطبق بشكل عام جدا وعي دور المعالج النفسي فالظاهر أن هذا المعالج كثيرا ما يقوم في عصرنا الراهن بدور الكاهن فيجسد الشخصية التي تهب المعنى وتمنح الهداية .

 موقف المعالج:

     مع كل هذه الفروق في المنهج وتشكيل العلاقة بين المعالج والمريض والنظرية، فهناك تطابقات في أسلوب التدخل والتأثير والموقف العلاجي بين هيللنجر والمعالجين الأسريين المنظومين أو النسقيين، وتتمثل هذه التطابقات في عدم إلقاء مسؤولية الذنب عن مصير المريض بشكل أحادي الجانب على الأبوين. ولكن هذا من وجهة النظر المنظومية نوع من التبسيط ، وهو يثبت عدم فائدته الكبيرة علاجيا بالنسبة للمريض للأسباب التي أشار إليها هيللنجر في الحوار الذي أجرى معه: فعلاقة الأطفال بآبائهم علاقة تتسم بالازدواجية دائما تقريبا حتى لو كان الوالدان محدودين أو ضعفاء والتحيز ضد الأبوين يوقظ بصورة دائمة تقريبا الولاء لهم، حيث أن المريض سيعاين صراع ولاء بين المعالج والأبوين، غير أنه لا بد من استكمال هذا بالقول أن التحيز الأحادي الجانب للأبوين يمكن أن يقود إلى آثار غير منتجة مشابه. وعندما يعمل المرء مع أسر كاملة، فإن الحياد تجاه الأشخاص أو اتجاه الجوانب المختلفة للصراعات يشكل أحد شروط الضرورية لتعاون فعال طويل الأمد بين الأسرة والمعالج. ولا بد من فصل مجالات الضبط الاجتماعي والقضاء الجنائي عن مجالات المعالجة وهنا أيضا لا بد من موافقة هيللنجر من منظور منظومي.
فالمعالجون يتخلون عن إمكانات عملهم كمعالجين ، عندما يقومون بدور القضاة أو المنقذين أو المحكمين وما شابه ذلك كما في حالة التعسف في إساءة الاستخدام والعنف وينبغي عدم الثقة بالمعالجين الذي يؤولون الأمور تأويلا أخلاقيا أي الذين يحصرون اهتمامهم العلاجي في التفريق الصحيح بين قيم الخير والشر ، فغالبا ما يتستر طموح شخصي للسلطة خلف الإهابة بالقيم العليا. وهنا تظهر صعوبة أخرى تتعلق بتصنيف هيللنجر : فعلى الرغم من أنه ينادي بمعايير واضحة، إلا أنه لا يؤول أخلاقيا. أنه لا يظهر نفسه في صورة مبشر أو منقذ أو مساعد، وإنما ينبه إلى أن في النهاية لا يعنيه أن يتبع المريض نصائحه أو لا يتبعها. أنه يترك لهم مسؤولية مصيرهم وهذا يطابق إلى حد كبير موقف المعالجين  النفسيين المنظومين وحيادهم تجاه التغيير أو عدم التغيير.

القيم:

      لا يمكن بطبيعة الحال الحكم بموضوعية عن كون القيم التي يمثلها هيللنجر محافظة أو حتى رجعية، إذ أن ذلك يتحدد من خلال منظور المراقب وتقييمه. وعلى كل حال فهو يستخدم لغة لا تخلو من نبرة العاطفية في لغة رجال الدين القسس، إنها تعود إلى مصطلحات أصبحت عتيقة منذ مدة طويلة مثل عشيرة، ألخ وتوحي بالارتباط بالدم والأرض، وينسجم مع ذلك أنه يستشهد بنظم أو إنساق وقيم طبيعية، تقع خارج مجال الاختيار الإداري للفرد كما فيما يتعلق بدور المرأة التي عليها اتباع الرجل وتقييم هذه النظم أو المعطيات الطبيعية باعتبارها خيرة وصحيحية ولا يجوز التشكك فيها. ولا بد أن يترك للحالات الفردية الحكم فيما إذا كان تبنى مثل هذا النوع من الرؤى يقود إلى نتائج تقديمه أو إلى نتائج رجعية. وهنا أيضا لا بد من التمييز بين التأثيرات العلاجية والمعتقدات السياسية, فالخيرة العلاجية تعلم أن محاولة تغيير شيء ما في الأسرة مثلا غالبا ما تكون في الواقع شرطا لأن يبقى كل شيء كما هو بالعكس . أما على المستوى الاجتماعي السياسي فإن تأييد الوضع الراهن له بالتأكيد تأثير محافظ.

المستوى السياسي:

      يحتمل أن يكون الإقبال الشديد على هيللنجر في الدوائر العلاجية على صلة بكوننا نعيش في زمن فقدت فيه القصص العظيمة والنظريات والحقائق الشاملة كالماركسية والتحليل النفسي والتنوير من قوة إشعاعها، مثل شعار : ما بعد الحداثة. حيث أن على كل فرد أن يتعايش مع فكرة أن النظريات لم تعد تقدم له حقائق جاهزة مقبولة وشاملة، يستطيع التوجه من خلالها من حياته، وحيث تختفي سلطة النظريات، يمكن لسلطة الأشخاص أن تقدم من جديد نوعا من اليقين أو الاطمئنان للسلوك الشخصي. وليس هناك اتجاه علاجي خاص معركة تفكيك الحقائق القديمة مثل العلاج الأسري، الأمر الذي يتجلى ضمن أشياء أخرى في أن النظرية المنظومية والتكونية تقدمان الأنماط الأساسية الموجهة.

وهذا ما يفسح فقط مجالا شاسعا لتطوير المناهج العلاجية غير التقليدية من جديد، وإنما وهذا هو الوجه الأخر للعملة سلم المسؤولية للمعالج الفرد لاختيار نموذجه النظري والعملي، وهذا يمثل هو مستوى من المسؤولية إلى شخصية رائدة، ويبدو أن لنا من الأمور المشكوك فيها أن يكون هذا الاتجاه العام مقتصرا على الحقل العلاجي، وربما يتضح من خلال ظاهرة هيللنجر أن هذا الاتجاه أقرب لأن يكون تعبيرا عن تطور اجتماعي عام نحو البحث عن أنواع جديد من الأمان واليقين والحقائق والانتماء إلى نظم عليا، وكل هذا يفعم نفوسنا بالقلق. وإلقاء مسؤوليته على هيللنجر يعني إننا نبالغ في تقدير قوة تأثيره.

 ولا بد من معارضة تصريحات هيللنجر ، خصوصا حول المقاومة في العهد النازي، وذلك لأسباب منظومية نظرية خالصة فإذا كان يريد أن يشير من خلال أسفه على مناضلي المقاومة بإنه في إطار منظومات اجتماعية معقدة لا يمكن للفعل الهادف الموجه أن يقود إلا إلى نجاح محدود، فإنه على حق في هذا . ولكن في تلك المنظومات الوقت نفسه يتعذر التنبؤ بسلوكها والسيطرة عليه حيث يمكن حتى لنشاطات فرد واحد في اللحظة المناسبة بالدرجة الكافية من الخروج على المجموع أو بتعبير آخر مع التشجع على عدم التوافق مع النظام الأعلى الموهوم يمكنها أن تثير حركات شعبية وانقلابات مثل أثر الفراشة المشهور لنظرية الفوضى إلا أن الصعوبة تكمن بشكل عام في إيجاد طريق وسط بين جنون العظمة وجنون الدونية أو الضآلة لأن كليهما أن تكون له عواقب وخيمة.

عودة للرئيسية