وطنـــــــي
محــاضرة في إطار نساء وطني/ أضغط هنا لموقع وطنــي

 

الـــدور الإجتماعي للمرأة في بيــئة العمل
الإشكاليـــات والمعوقـات

 

الدكتور محمد احمد النابلسي

الأمين العام للإتحاد العربي للعلوم النفسية

 

      يشهد المجتمع المعاصر إعترافاً متنامياً بحاجة المجتمع للمرأة وبروزها في مجال الأعمال وفي ميادين عديدة بعضها مشترك مع الرجل وبعضها يكاد يكون مميزاً للمرأة. وهذا الإعتراف دعم حركة المطالبة بحقوق المرأة. التي تنطلق من مباديء بعيدة عن المعايشة الإنسانية للمرأة. ذلك أن حقوق المرأة إنما هي تكريس لواقع معيش وليست موضوع تنافس أو تصنيف. ذلك أن ممارسة المرأة لحقوقها الإنسانية ومنها حق العمل ليست مجال معارك بل هي مجال إعتراف تفرضه الممارسة وثبوت الفعالية.
من هنا كانت ضرورة التركيز على الخصاصئص النفسية والبيولوجية المحددة لدور المرأة وقدراتها في الفعل الإجتماعي وفي مجال العمل وكذلك تبيان الحاجات الإجتماعية وأدوار العمل التي تلبيها المرأة بإمتياز. وسيتناول بحثنا المحاور التالية:

 

1-           المرأة العاملــة وإيجابيات مشاركتها في الحراك الإجتماعي.

            إن خروج المرأة العربية إلى ميدان العمل ظاهرة جديدة على المجتمع.  رغم كون المرأة تمثل نصف المجتمع وهي التي تقع عليها أساسا مهمة تربية النشء فقد ظلت بعيدة عن ميدان العمل والإنتاج أجيالا طويلة. تقنع بتربية الصغار والإشراف على مجتمعها الصغير. ثم ما لبث الأمر أن تغير بحيث استطاعت في النهاية أن تتصل بالمجتمع الكبير الذي كانت معزولة عنه بحيث يقتصر إتصالها به على وساطة الرجل. وهو وضع يكرس تبعية المرأة. وعندما أخذت فرصتها في التعليم في الثلاثين سنة الأخيرة، طرحت الحاجة الى التعديل في مستوى علاقتها بالمجتمع. فاندفعت نحو العمل ومارست  شتى الوظائف وأثبتت جدارتها كمنافسة في هذه المجالات.
إن مسألة خروج المرأة للعمل مرتبطة مباشرة برغبة الإستقلال المادي عند المرأة حيث يقصر المجتمع أمر توفير الحياة وكسب الرزق على عاتق الرجل. ويكرس تبعية مالية للرجل سعت المرأة للخلاص منها كخطوة على طريق إختيار مستقبل أفضل وأكثر أماناً. إلا أن المسألة المالية ليست الدافع الوحيد لخروج المرأة الى ميدان العمل فخروج المرأة  الى هذا لا يعنيها وحدها ولا تنعكس نتائجه عليها بمفردها إنما تنعكس على بيئتها المباشرة والأوسع. فالمرأة لا تعيش بمعزل عن المجتمع.
فما هي إذاً دوافع المرأة نحو العمل وهي قد استسلمت أزماناً طويلة للراحة والعزلة. وهل حققت المرأة الإشباعات التي دفعتها للعمل، وما هي النتائج التي ترتبت على خروجها للعمل على كل من جماعة الأسرة والعمل؟.
         هذا وتشير الأبحاث النفسية الإجتماعية الى فعالية وتميز مشاركة المرأة في العمل. بما يتناقض والفكرة التقليدية القائلة بأن الإنجاب هو العمل الإبتكاري الوحيد للمرأة. حيث بينت هذه الدراسات أن عمل المرأة يستتبع تحسين لياقتها النفسية – الإجتماعية. وفي ما يلي عرض لنتائج تفاعل المرأة العاملة مع بيئتها وفق هذه الدراسات ونبدأ ب:

1- إيجابيات مشاركة المرأة في مجال العمل: من إيجابيات مشاركة المرأة في مجال العمل تشير الدراسات الى:

-         تحقيق المرأة لمكانة إيجابية تسهل تفاعلها مع الرجل في نشاطات العمل والمواقف الخاصة.

-         تمكنت المرأة العاملة من تعديل نظرة الرجل لها كجنس خاص فحولتها الى شراكة متكاملة في العمل بقبول الرجل التام لهذا الدور.

-         تمكنت المرأة من البروز في حل نوعيات خاصة من المشاكل التي تعترض سير العمل الذي تشارك فيه.

-         تعمد المرأة لتكوين جماعتها الخاصة في العمل بما يدعم وضعها فيه. في حين يهمل الرجال تكوين مثل هذه الجماعات.

-         تمكنت المرأة من تغيير دوافع الإختيارات في مجال العمل. حيث إنفتاح المرأة على القيم الجديدة يجعلها أقدر على قبول إختيارات غير تقليدية.

-         يساعد العمل المرأة على التعبير الأفضل عن ذاتها بصورة تلقائية. مما ساعد على تحفيز دوافع العمل لديها. مع رفع مستوى تكيف الرجل معه كزميلة عمل وكزوجة.

-         يؤدي عمل المرأة الى تحسين مستوى تقديرها الموضوعي للآخر وذلك بدعم تجربتها في التعاطي مع الآخر من خلال عملها.

     ويكتمل هذا العرض لدور العمل في تحسين اللياقة النفسية – الإجتماعية للمرأة بإستعراض نتائج دراسات تناولت موقف الرجل من النساء العاملات وتقبله لفكرة عمل الزوجة.

2-  موقف الرجل من النساء العاملات: حيث نعدد الآراء والمواقف التالية:

-         ميل الرجل لإحترام جهود المرأة في العمل مدعوماً بكفاءتها في تحمل المسؤوليات والمشاركة المتكاملة في العمل. وفي هذا تراجع للفكرة التي تحصر نشاط المرأة في المنزل.

-         ترطيب المرأة العاملة لأجواء العمل. حيث ميل المرأة لطرح مواضيع إنسانية عامة في مقابل تركيز الرجل على ظروف العمل وتراتبيته والأجور.

-         تنامي حالات قبول المرأة من زميلها في العمل كشريكة معاناة داخل العمل وخارجه. حيث يصرح بعض الرجال عن راحة مميزة يجدونها لدى زميلات العمل كأخوات يمكنهن مناقشة المشاكل معهن إنطلاقاً من فعاليتهن في العمل وقدرتهن على إثبات فعالية تنزع عنهن صفة المرأة كجنس وتوسعها الى المرأة كإنسان.

-         تنامي تقدير الرجل للمسؤولية الإضافية التي يكبدها العمل للمرأة إضافة الى دورها التقليدي في المنزل.

-         يقرر الرجل أن سلوكه في العمل بات أكثر تهذيباً بسبب وجود النساء في مكان العمل. وهو سلوك ينعكس على علاقة الرجل بزوجته وبنساء عائلته عموماً.

-         يجمع الرجال على إعتيادهم أجواء العمل المختلط وقناعته بأن هذا الإختلاط هو الجو الطبيعي للعمل.

            مما تقدم يتضح لنا أن بحث المرأة عن دورها الإجتماعي وتفعيله يرتبط بخصائص البيئة والمجتمع الذي تعيش فيه. مما يضعها أمام إشكالية الحفاظ على وضعها ومميزاتها كإمرأة ( الأنثوي) وبين سعيها لتحقيق النجاحات بين الرجال ( الذكوري). وهذه الثنائية تمتد الى كافة الأدوار الأنثوية. حيث تطرح الإشكاليات التالية:

3- أثر خروج المرأة للعمل على رعاية الأطفال.

         إن عمل المرأة يستتبع غيابها عن المنزل وتناقص الوقت الذي تخصصه لرعاية الأسرة والأبناء. مما يدعم فرضية أن أطفال الأم العاملة يختلفون عن أطفال الأم غير المشتغلة. وذلك بافتراض نقص الوقت إضافة الى أن المشتغلة تختلف عن الأخرى في اتجاهاتها نحو تربية الطفل وفي تدريبها على ذلك.
إلا أن بحوثاً عديدة تعارض هذه الفرضية. وبخاصة منها البحوث التي استخدمت فيها المقاييس ( لوائح أسئلة مطروحة للإجابة عليها) الخاصة بتربية الطفل والخبرة لم تجد فروقا بين مجموعتي الأمهات ( العاملات وغير العاملات). من بين تلك البحوث بحث بيترسون الذي لم يجد فروقا  في العلاقات بين الأم والابن بالنسبة للمجموعتين الأمهات العاملات وغير العاملات ولو أن مثل هذه البحوث ينبغي تقييمها في ضوء قابلية المقاييس لضروب الخداع في الإجابات عليها. حيث يمكن للعاملات اللجوء الى أجوبة خادعة تعويضية. كما قد يحدث الخداع أيضا بين الأمهات غير العاملات دفاعاً عن خيارهن بالبقاء في المنزل.
وتناولت بحوث أخرى مشاعر القلق والذنب الذي ينتاب الأمهات العاملات. حيث لاحظت الباحثة كليجر أن المفحوصات قررن أنهن يملن للتعويض عن غيابهن بالمحاولة الشديدة ليكن أمهات صالحات. كما بينت الباحثة فيشر أن كثيراً من الأمهات العاملات يحاولن بشدة أن يثبتن لأنفسهن ولأقاربهن أنهن لم يهملن أطفالهن وأنهن يقضين معهن ساعات فعلية أكثر مما تقضيه في المتوسط ربات البيوت.
     في المقابل فإن دراسات عديدة تبين وجود فروق ملحوظة بين الأمهات العاملات وغير العاملات فيما يتعلق بالنظام وإن كانت نتائج هذه البحوث غير متطابقة. فقد بين كل من لويل وبورشينال أن بيوت الأمهات العاملات تميل الأم إلى تفضيل فرض نظم حاسمة مع تشجيع أطفالها على الاستقلال. كما بين هوفمان أن إتجاه الأم العاملة نحو النظام يتوقف على اتجاهها نحو العمل فالأمهات العاملات اللائي يستمتعن بعملهن كن أقل شدة في فرض النظام وإستخدام وسائل السيطرة والسلطة مع أطفالهن بالمقارنة مع الأمهات غير العاملات.
ونعرض في ما يلي لنتائج بحث أجري في بيئة عربية بهذا الخصوص. وهو بحث للدكتورة بثينة قنديل للمقارنة بين أبناء الأمهات العاملات وغير العاملات من حيث بعض نواحي شخصيتهن وقد انتهت إلى النتائج التالية:

1-                   تكيف أبناء المشتغلات يقل كلما زاد غياب الأم اليومي عن خمس ساعات.

2-                   للمستوى الاقتصادي والاجتماعي أثره على تكيف الأبناء عندما تكون الأم عاملة وكلما ارتفع المستوى كان التكيف أفضل.

3-                   درجة تعليم الأم ليس له أثر في تكيف الأبناء إذا قارنا بين أبناء الأمهات العاملات اللائي نلن تعليما متوسطا وتعليما عاليا، ولكن الأثر واضح عندما نقارن بين الأمهات المتعلمات واللائي لم ينلن أي قسط من التعليم . أي أن تأثير تعليم الأم على البناء لا يتضح إلا عندما تتباين المستويات التعليمية للأمهات تباينا شديدا.

4-                   لم يظهر البحث أن لنوع الأم البديلة تأثيرا على تكيف الأبناء فلا يوجد فرق بين الأطفال الذين كانوا يتركون في رعاية الأقارب وأولئك الذين كانوا يتركون في رعاية الخدم.

5-                   أبناء العاملات أكثر طموحا من غيرهم.

4- أثر خروج المرأة للعمل على علاقتها بزوجها:

         من الطبيعي توقع حدوث تغيير في العلاقات الزوجية للمرأة العاملة وخاصة في البيئة العربية حيث تزيد متطلبات الزوج ومسؤوليات الأسرة على المرأة. بما يفسر تعدد البحوث التي تتناول مسألة تقييم مستويات التوافق الزوجي لدى الزوجات العاملات. وفي هذا المجال تميل البحوث الأميركية وتلك التي تعتمد المقاييس ( أسئلة وأجوبة) إجمالاً الى إعتبار عمل المرأة عنصراً داعماً للتوافق الزوجي أو أقله أنه غير مؤثر سلبياً على العلاقة الزوجية.
والواقع أن عمل المرأة كعنصر مؤثر على الزواج يرتبط بموقف الزوج وموافقته على عمل زوجته. حيث أجرت إحدى عيادات الإستشارات الزوجية بحثاً قسمت فيه الأزواج الى ثلاثة مجموعات:

المجموعة الأولى: وعددها اثنتان وثلاثون من الأزواج والزوجات حيث لا يوافق الأزواج على اشتغال زوجاتهن اللائي يعملن بالفعل.

المجموعة الثانية: ثلاث وأربعون مجموعة من الأزواج فيها يوافق الزوج على اشتغال زوجته التي تشتغل بالفعل،

المجموعة الثالثة: تكونت من تسع وخمسين زوجين وفيها الزوجة لا تعمل خارج المنزل.

وقد تماثلت المجموعات الثلاث في عدة متغيرات بما فيها عدد الأطفال واحتوت المجموعات على أزواج لديهم أطفال وأزواج ليس لديهم أطفال.

وبينت نتائج البحث أن هناك صراعا أكبر في الأٍسر التي لا يوافق فيها الزوج على عمل المزوجة بالنسبة لباقي الأسر. وإن كانت دلالة الفرق ليست واضحة. وقد بدا فرق واضح بالنسبة للبنود المتعلقة بميزانية الأسرة. وقد تأكد من هذا البحث أيضا اتفاق رأي الأزواج الذين لا يوافقون على عمل زوجاتهم من حيث معارضتهم الصريحة للموضوع. 
أما دراسة ناي سنة 1959 فقد خلصت الى النتائج التالية:

 - أن المناقشات كانت أكثر حدوثا بين الزوجات والأزواج في الأٍسر التي تعمل فيها المرأة. فكانت النسبة بين العاملات 15% وبين غير العاملات 8%

- ارتفعت نسبة العاملات اللائي طلبن الطلاق في وقت ما بالنسبة لغير المشتغلات فقد بلغت النسبة العاملات طالبات الطلاق نسبة 60% وإنخفضت النسبة لدى غير العاملات الى 47%.

- أن التوافق الزوجي لدى النساء العاملات المتعلمات أعلى بدرجة طفيفة منها لدى غير المتعلمات. وهذا يعود برأي الباحثة الى

أن السيدات من المستوى الاجتماعي والاقتصادي الأعلى يحصلن على شعور أكبر بالرضا من عملهن. بما يدعم قدرتهن على تقديم مساعدات إضافية للمنزل وبهذا يخففن إلى أبعد درجة ممكنة الأعباء الأسرية.

مما تقدم يتبين لنا أن الآراء حول أثر عمل المرأة على العلاقة الزوجية ليست متفقة مع بعضها. وأن بعض هذه البحوث تؤكد وجود آثار إيجابية والبعض الآخر ينفي وجود هذه الآثار الإيجابية. كما تبين أيضا وجود عوامل تتدخل في مدى التوافق الزواجي منها درجة ثقافة المرأة المشتغلة.

5- أثر خروج المرأة للعمل على تغيير القيم السائدة في الأسرة.

         تتفق غالبية الدراسات على ميل المرأة غير العاملة الى القبول بالسلطة التقليدية حيث يسيطر الرجل. على عكس ميل النساء العاملات نحو المساواة مع الرجل. وذلك بغض النظر عن مفهوم السلطة في البيئة السابقة للزواج.

بمعنى آخر هناك فروق بين الأزواج حين تعمل الزوجة أو لا تعمل. وذلك على صعيد التأثير النسبي للزوج والزوجة في وضع قرارات الأسرة. أما بالنسبة لأداء الأعمال المنزلية المعروف تقليديا أنها من اختصاص الأم. فقد بينت الدراسات المقارنة أن أزواج العاملات يكونون أنشط وأكثر تقبلاً في القيام ببعض أعمال المنزل من أزواج غير العاملات. وهذا ما بينته دراسة بلود وهامبلن على سبيل المثال. كما بينت بينت نتائج دراسة نولان وتاتل أن أطفال الأمهات العاملات يقومون بأعمال منزلية أكثر من أطفال الأمهات غير العاملات.
في الخلاصة تؤكد البحوث على أن عمل المرأة قد أحدث تعديلاً وتغييراً في القيم التي يعتنقها أفراد الأسرة. فعندما تعمل المرأة فإن الزوج يساهم في العمل المنزلي مسجلاً خروجاً عن مفهوم دوره التقليدي. كما أن الأطفال يتحملون المسؤولية وكل هذا يحدث نتيجة لتعدد أدوار المرأة واستحداث دور جديد تقوم به الا وهو العمل خارج المنزل. مما يخفف عنها عبء الأعمال المنزلية.
إن موضوع خروج المرأة العربية إلى ميدان العمل يحتاج الى دراسات تختلف من بلد عربي لآخر وعليها أن تأخذ في الحسبان البيئة الإجتماعية والمستوى التعليمي والمادي وميادين العمل المتاحة والإحتياجات الخاصة للأسرة وعدد افرادها وغيرها من العوامل. وسنعطي بعض الأمثلة المستمدة من تجربتنا في المجتمعين الكويتي والقطري وهما أقرب الى المجتمع الإمارتي من البحوث المتوافرة وهي في غالبيتها مصرية.

2-           العقد النفسية لدى المرأة وسبل تجاوزها

         الحديث عن خروج المرأة الى سوق العمل هو حديث عن أزمة تكيف تواجهها المرأة العربية في وجه نظرة تقليدية معارضة لعمل المرأة. فإذا ما نظرنا الى الصعوبات التي إعترضت عمل المرأة الأوروبية ،رغم الإنفتاح الإجتماعي الأوروبي، أدركنا حجم الصعوبات التي تعترض عمل المرأة العربية. ومن هذه المشاكل ما عرف بابناء الجدات ( تربية الجدة للولد بسبب إنشغال أمه) وبالأسر المهملة وغيرها من المشاكل...
وعليه فإن المرأة العربية تحتاج الى مراجعة ومعرفة للمعوقات النفسية التي قد تصعب مهمتها من حيث التكيف مع وضعية المرأة العاملة. بما في هذه الوضعية من صراعات داخل الأسرة وفي إطار العمل وفي الإطار الإجتماعي الأوسع. لذلك وجدنا من الضروري مناقشة المعوقات النفسية التالية مع التوعية لضرورة تجاوزها من قبل المرأة العربية العاملة:

-         العقــد النفسيــة التقليدية

-          الميول النرجسية لدى المرأة.

-         السلبية الأنثوية.

 

1-      العقــد النفسيــة التقليدية

تعريف العقـدة النفسية: العقـدة النفسية هي مجموعة من الذكريات الطفولية والتصورات التي تعود الى عهد الطفولة والتي تؤثر على سلوك الشخص وتصرفاته وردود فعله وقدرته على التكيف مع الأزمات التي تعترضه.
من أهم العقد النفسية المؤثرة في موضوعنا نناقش العقد التالية:
عقدة الكترا: هي المعادل الأنثوي لعقدة اوديب لدى الولد. وهي تشير الى التعلق الجنسي الطابع للفتاة بوالدها ومن ثم التسامي بهذا التعلق وتحويله بعد حل المشكلة الأوديبية/ الكترا. وهي تختلف عنها لدى الولد من حيث عدم تضمنها كراهية احد الوالدين. وهذه العقدة تؤثر بعمق على المرأة وعلى خياراتها المستقبلية مثل الزواج والإختيارات الأخرى من دراسة وعمل وبيئة محيطة وصداقات وغيرها. إذ تميل المرأة لمعاملة كل ذكر له موقع سلطة على أنه مواز للأب. بحيث ترى في زوجها صورة مطابقة ومنافية لأبوها وقس عليه. وهذه العقدة تتبدى على صعيد نرجسية المرأة التي سنناقشها لاحقاً.
عقدة الخصاء: يطرحها التحليل النفسي على أنها نوع من الحسد لدى الفتاة لعدم ملكيتها لتعبير تشريحي عن أنوثتها كما لدى الصبي. ويفسر الكثير من الباحثين حقيقة أن نرجسية المرأة أقوى من نرجسية الرجل على أساس خيبتها تجاه إحساسها بنقص جهازها الجنسي الذي تعبر عنه بواسطة طلب التعويضات لاستيائها من حب الذات. وهذا الفرض يفسر لنا سبب اتجاه النرجسية نحو الانخفاض عند الأمومة فمن خلال امتلاك المرأة للطفل تشعر بتعويض عن الأضرار السابقة كما تستطيع أن تصرف قدرتها على الحب الآخرين وبخاصة لطفلها. وفي هذا الصدد ترى دويتش أن تقوية أو الاحتفاظ بالنرجسية التي قويت في المراهقة إنما ينتج من الصراع بين الميول الجنسية المحددة وذلك الجزء من الأنا الذي يعبر عن غريزة حفظ الذات. وطالما أن الميول الجنسية المحددة للمرأة موجهة نحو أهداف تكون خطيرة على الذات، فإن الذات تدافع عن نفسها وتقوي طمأنينتها الداخلية بواسطة المبالغة في حبها للذات الذي يظهر في مظاهرات النرجسية وهو ما سنناقشه في الفقرة التالية.
عقدة الدونيـة: وهي تحوي مجموعة الذكريات والتصورات والتصرفات التي تعكس محاولة الخلاص من شعور راسخ بالدونية. وغالباً ما تعاني المرأة العربية من شعور دونية ذي علاقة برغبة أهلها بإنجاب ذكر عوضاً عنها. كما نجد علائم هذه الدونية في ذكريات طفولية تسجل تمييز وتفضيل الأهل للذكور على الإناث... الخ من تصورات تدعم الشعور بالدونية. وهي تتسبب بجروح نرجسية تدفع المرأة للتعلق بالنرجسية والبحث عن شحنات جديدة لها. كما أنها تدعم السلوك السلبي لدى المرأة.
عقدة جوكاست: وهي عقدة مقحمة في التحليل النفسي وتشير الى تعلق الأم الشبقي بابنها. وهي تتخذ بعد حلها شكل عمل الأم الزائد على حماية الإبن وخاصة من النساء الأخريات وخصوصاً الزوجة ( غقدة الحماة).
عقدة ديان: إن عدم قدرة المرأة على تخطي عقدة الكترا تؤثر على نضجها الجنسي بما يتيح لنرجسيتها هيمنة مطلقة على شخصيتها وسلوكها. مما يفتح الباب أمام النرجسية الثانوية. بحيث تبحث الفتاة عن فتاة مثلها كي تصب نرجسيتها عليها. ويصعب على الفتاة في هذه الحالة التخلي عن حبها لأبيها ( لذلك تحاول تمثيل دوره واضعة نفسها مكانه) مما يحول دون تطورها الجنسي والإجتماعي بصورة طبيعية.

    2- الميول النرجسية لدى المرأة.

          في ظل الظروف طبيعية فإن الفتاة المراهقة تتم أعمالها بنجاح وأهمها السيطرة على الميول الغريزية ووضعها في علاقة منسجمة مع مطالب العالم الخارجي والأنا. إلا أنه وحتى في أحسن الأحوال فإن هذه الوظيفية للمراهقة تتم في مجال محدد. وعلى ذلك فإن فترة نهاية المراهقة هي فترة نسبية إفتراضية. كما أن المرحلة التي تمثلها تختلف من فرد لآخر. وأن الكثير من ملامح المراهقة وآثارها يمكنه أن يستمر حتى سنوات النضج وبصفة خاصة بالنسبة للمرأة.
والمرأة تدين بالكثير من الملامح الهامة في حياتها السيكولوجية إلى العمليات المرتبطة بالكف. وهي عمليات شائعة في سن المراهقة. بل أنها تعتبر مظاهر سوية لهذه المرحلة من الحياة. ومن نتائج تدعيم المرأة لحياتها الداخلية هي شبقيتها الخاصة. فالشبقية التي هي امتداد مباشر لأحلام اليقظة الشديدة. وهي تشتق قوتها من القوة الغريزية المتخكمة في اللاشعور. ونتيجة لعملية التسامي هذه فإن جنسية المرأة أكثر روحية ورومانسية من تلك الخاصة بالرجل.
وتعتبر هذه الشحنات النرجسية من الضرورات الهامة للمراهقة. إذ أنها تحمى أنا الصغير من مشاعر الضعف أثناء جهاده للسيطرة على الواقع. كما أنها تحمي من التشتت في تحقيق الذات. وعلى هذا فهي تمد الجنسية بالقدرة على ملاحظة الذات التي هي ميزة في هذه المرحلة من الحياة.
وترى دويتش أن امتداد فعالية الوظائف النرجسية الى ما بعد المراهقة هو سمة خاصة وميزة للأنوثة. وتعريف فرويد للنرجسية يربطها بمرحلة الطفولة المبكرة للأنا حين يتخذ اللبيدو الطاقة الانفعالية من الأنا كموضوع له.
فخلال حياة الفرد يبقى الأنا هو المخزن الكبير لهذه الطاقة النرجسية. ومنه ترسل الانفعالات تجاه الموضوعات الخارجية. حيث يرتبط دعم الخلق بالقيم الإيجابية للنرجسية. فكلما ساهمت النرجسية في إرساء سلامة الذات واحترامها كان الخلق قويا. ويعتقد فرويد أن الجاذبية الأنثوية تشتق من حب الفتاة لنفسها. حيث يؤكد الباحثون على بحث الأنثى عن القبول والإعجاب. وهذا يفسر لنا سبب اتجاه النرجسية نحو الانخفاض مع تحول المرأة الى أم. فمن خلال امتلاك المرأة للطفل تشعر بالقدرة على تصريف نرجسيتها بتوجيهها نحو الآخرين بدءاً من طفلها الذي تصب عليه شحناتها النرجسية عبر إهتمامها به ورعايتها له.         
في هذا الصدد ترى دويتش أن دعم أو الاحتفاظ بالنرجسية التي قويت في المراهقة إنما ينتج من الصراع بين الميول الجنسية المحددة وذلك الجزء من الأنا الذي يعبر عن غريزة حفظ الذات. وطالما أن الميول الجنسية المحددة للمرأة موجهة نحو أهداف خطيرة على الذات، فإن الذات تدافع عن نفسها وتقوي طمأنينتها الداخلية بواسطة المبالغة في حبها لنفسها. الذي يظهر عبر المظاهرات النرجسية.
ويرى فرويد أن المرأة الأنثوية لا تحب بقدر ما تترك نفسها تحب فالحب الأنثوي هدف المرأة الأنثوية هو نرجسي مازوشي.
وبعض النرجسيات يبالغن في تقدير موضوعاتهن. وطريقتهن النرجسية في جعل الرجل سعيدا يمكن أن يعبر عنها في التالي إنه رائع وأنا جزء منه وهذا النمط من النساء يعتبر الشريك المثالي للرجل.
إن المرأة النرجسية لديها الحاجة إلى أن تحب فهي تكون طيعة في المعاملة مرنة في أي مجال إذا ما شعرت بأنها محبوبة. هذا النمط من النساء إذا ما كوفئن فإنهن يظهرن القدرة في الابتكار والإنتاج ودون أن يدخلن في صراعات تنافسية. إنهن يتطلبن الحب والرغبة العارمة فهن يجدن في هذا تعويض مشبع لتنازلهن عن اتجاهاتهن الإيجابية. وهن أيضا على استعداد لترك تحصيلهن دون الشعور بأنهن مضحيات كما أنهن يبتهجن لتحصيل زملائهن. وهن أيضا في حاجة ملحة للحماية إذا مارسن نشاطا موجها نحو الخارج ولكنهن مستقلات تماما في التفكير والمشاعر المتعلقة بحياتهن الداخلية أي نشاط موجه نحو الداخل.
وتختلف آثار النرجسية بين النساء، فقد تعمل على إثراء أو إفقار حياتهن النفسية. ففي بعض الحالات تؤدي إلى وظيفة مفيدة وتشكل صحة نفسية، وفي حالات أخرى فهي عرض مرضي خطير.

- السلبية الأنثوية:

           من سمات الأنوثة الميل الشديد تجاه السلبية مع شدة في المازوشية. فإذا استخدمنا اصطلاح النشاط الموجه نحو الداخل كبديل لاصطلاح الاتجاه نحو السلبية فإن اصطلاح السلبية الأنثوية يكتسب مضمونا أكثر حيوية. كما أن كلا من عدم النشاط والفراغ وعدم الحركة كلها تبعد عن مضمونها. إن اصطلاح النشاط الموجه للداخل يشير إلى وظيفة، ويعبر عن شيء إيجابي ويرضي النساء اللاتي طالما شعرن أن اصطلاح السلبية الأنثوية له مضمون يحط من شأنهن. ونستطيع هنا أن نقول عن المازوشية الأنثوية إنها تتبع نفس الممر مثل نشاط موجه للداخل. ومع التشبيه يمكن القول إن نشاط المرأة للداخل يوازي نشاط الرجل الموجه نحو الخارج. كما أن مازوشيتها موازية للعدوان الذكري  المصاحب للنشاط وبخاصة في نهاية المراهقة.
إن المازوشية الأنثوية تخلو من القسوة والدافع الهدام والمعاناة والألم التي تظهر بها المازوشية نفسها في الانحرافات والأمراض النفسية. ولقد بينت دراسات الباحثين في الأجناس والجنس، أن الذكر وجهازه التناسلي يقوم بالدور الإيجابي أما الد