وطنـــــــي
محــاضرة في إطار نساء وطني/ أضغط هنا لموقع وطنــي

 

الـــدور الإجتماعي للمرأة في بيــئة العمل
الإشكاليـــات والمعوقـات

 

الدكتور محمد احمد النابلسي

الأمين العام للإتحاد العربي للعلوم النفسية

 

      يشهد المجتمع المعاصر إعترافاً متنامياً بحاجة المجتمع للمرأة وبروزها في مجال الأعمال وفي ميادين عديدة بعضها مشترك مع الرجل وبعضها يكاد يكون مميزاً للمرأة. وهذا الإعتراف دعم حركة المطالبة بحقوق المرأة. التي تنطلق من مباديء بعيدة عن المعايشة الإنسانية للمرأة. ذلك أن حقوق المرأة إنما هي تكريس لواقع معيش وليست موضوع تنافس أو تصنيف. ذلك أن ممارسة المرأة لحقوقها الإنسانية ومنها حق العمل ليست مجال معارك بل هي مجال إعتراف تفرضه الممارسة وثبوت الفعالية.
من هنا كانت ضرورة التركيز على الخصاصئص النفسية والبيولوجية المحددة لدور المرأة وقدراتها في الفعل الإجتماعي وفي مجال العمل وكذلك تبيان الحاجات الإجتماعية وأدوار العمل التي تلبيها المرأة بإمتياز. وسيتناول بحثنا المحاور التالية:

 

1-           المرأة العاملــة وإيجابيات مشاركتها في الحراك الإجتماعي.

            إن خروج المرأة العربية إلى ميدان العمل ظاهرة جديدة على المجتمع.  رغم كون المرأة تمثل نصف المجتمع وهي التي تقع عليها أساسا مهمة تربية النشء فقد ظلت بعيدة عن ميدان العمل والإنتاج أجيالا طويلة. تقنع بتربية الصغار والإشراف على مجتمعها الصغير. ثم ما لبث الأمر أن تغير بحيث استطاعت في النهاية أن تتصل بالمجتمع الكبير الذي كانت معزولة عنه بحيث يقتصر إتصالها به على وساطة الرجل. وهو وضع يكرس تبعية المرأة. وعندما أخذت فرصتها في التعليم في الثلاثين سنة الأخيرة، طرحت الحاجة الى التعديل في مستوى علاقتها بالمجتمع. فاندفعت نحو العمل ومارست  شتى الوظائف وأثبتت جدارتها كمنافسة في هذه المجالات.
إن مسألة خروج المرأة للعمل مرتبطة مباشرة برغبة الإستقلال المادي عند المرأة حيث يقصر المجتمع أمر توفير الحياة وكسب الرزق على عاتق الرجل. ويكرس تبعية مالية للرجل سعت المرأة للخلاص منها كخطوة على طريق إختيار مستقبل أفضل وأكثر أماناً. إلا أن المسألة المالية ليست الدافع الوحيد لخروج المرأة الى ميدان العمل فخروج المرأة  الى هذا لا يعنيها وحدها ولا تنعكس نتائجه عليها بمفردها إنما تنعكس على بيئتها المباشرة والأوسع. فالمرأة لا تعيش بمعزل عن المجتمع.
فما هي إذاً دوافع المرأة نحو العمل وهي قد استسلمت أزماناً طويلة للراحة والعزلة. وهل حققت المرأة الإشباعات التي دفعتها للعمل، وما هي النتائج التي ترتبت على خروجها للعمل على كل من جماعة الأسرة والعمل؟.
         هذا وتشير الأبحاث النفسية الإجتماعية الى فعالية وتميز مشاركة المرأة في العمل. بما يتناقض والفكرة التقليدية القائلة بأن الإنجاب هو العمل الإبتكاري الوحيد للمرأة. حيث بينت هذه الدراسات أن عمل المرأة يستتبع تحسين لياقتها النفسية الإجتماعية. وفي ما يلي عرض لنتائج تفاعل المرأة العاملة مع بيئتها وفق هذه الدراسات ونبدأ ب:

1- إيجابيات مشاركة المرأة في مجال العمل: من إيجابيات مشاركة المرأة في مجال العمل تشير الدراسات الى:

-         تحقيق المرأة لمكانة إيجابية تسهل تفاعلها مع الرجل في نشاطات العمل والمواقف الخاصة.

-         تمكنت المرأة العاملة من تعديل نظرة الرجل لها كجنس خاص فحولتها الى شراكة متكاملة في العمل بقبول الرجل التام لهذا الدور.

-         تمكنت المرأة من البروز في حل نوعيات خاصة من المشاكل التي تعترض سير العمل الذي تشارك فيه.

-         تعمد المرأة لتكوين جماعتها الخاصة في العمل بما يدعم وضعها فيه. في حين يهمل الرجال تكوين مثل هذه الجماعات.

-         تمكنت المرأة من تغيير دوافع الإختيارات في مجال العمل. حيث إنفتاح المرأة على القيم الجديدة يجعلها أقدر على قبول إختيارات غير تقليدية.

-         يساعد العمل المرأة على التعبير الأفضل عن ذاتها بصورة تلقائية. مما ساعد على تحفيز دوافع العمل لديها. مع رفع مستوى تكيف الرجل معه كزميلة عمل وكزوجة.

-         يؤدي عمل المرأة الى تحسين مستوى تقديرها الموضوعي للآخر وذلك بدعم تجربتها في التعاطي مع الآخر من خلال عملها.

     ويكتمل هذا العرض لدور العمل في تحسين اللياقة النفسية الإجتماعية للمرأة بإستعراض نتائج دراسات تناولت موقف الرجل من النساء العاملات وتقبله لفكرة عمل الزوجة.

2-  موقف الرجل من النساء العاملات: حيث نعدد الآراء والمواقف التالية:

-         ميل الرجل لإحترام جهود المرأة في العمل مدعوماً بكفاءتها في تحمل المسؤوليات والمشاركة المتكاملة في العمل. وفي هذا تراجع للفكرة التي تحصر نشاط المرأة في المنزل.

-         ترطيب المرأة العاملة لأجواء العمل. حيث ميل المرأة لطرح مواضيع إنسانية عامة في مقابل تركيز الرجل على ظروف العمل وتراتبيته والأجور.

-         تنامي حالات قبول المرأة من زميلها في العمل كشريكة معاناة داخل العمل وخارجه. حيث يصرح بعض الرجال عن راحة مميزة يجدونها لدى زميلات العمل كأخوات يمكنهن مناقشة المشاكل معهن إنطلاقاً من فعاليتهن في العمل وقدرتهن على إثبات فعالية تنزع عنهن صفة المرأة كجنس وتوسعها الى المرأة كإنسان.

-         تنامي تقدير الرجل للمسؤولية الإضافية التي يكبدها العمل للمرأة إضافة الى دورها التقليدي في المنزل.

-         يقرر الرجل أن سلوكه في العمل بات أكثر تهذيباً بسبب وجود النساء في مكان العمل. وهو سلوك ينعكس على علاقة الرجل بزوجته وبنساء عائلته عموماً.

-         يجمع الرجال على إعتيادهم أجواء العمل المختلط وقناعته بأن هذا الإختلاط هو الجو الطبيعي للعمل.

            مما تقدم يتضح لنا أن بحث المرأة عن دورها الإجتماعي وتفعيله يرتبط بخصائص البيئة والمجتمع الذي تعيش فيه. مما يضعها أمام إشكالية الحفاظ على وضعها ومميزاتها كإمرأة ( الأنثوي) وبين سعيها لتحقيق النجاحات بين الرجال ( الذكوري). وهذه الثنائية تمتد الى كافة الأدوار الأنثوية. حيث تطرح الإشكاليات التالية:

3- أثر خروج المرأة للعمل على رعاية الأطفال.

         إن عمل المرأة يستتبع غيابها عن المنزل وتناقص الوقت الذي تخصصه لرعاية الأسرة والأبناء. مما يدعم فرضية أن أطفال الأم العاملة يختلفون عن أطفال الأم غير المشتغلة. وذلك بافتراض نقص الوقت إضافة الى أن المشتغلة تختلف عن الأخرى في اتجاهاتها نحو تربية الطفل وفي تدريبها على ذلك.
إلا أن بحوثاً عديدة تعارض هذه الفرضية. وبخاصة منها البحوث التي استخدمت فيها المقاييس ( لوائح أسئلة مطروحة للإجابة عليها) الخاصة بتربية الطفل والخبرة لم تجد فروقا بين مجموعتي الأمهات ( العاملات وغير العاملات). من بين تلك البحوث بحث بيترسون الذي لم يجد فروقا  في العلاقات بين الأم والابن بالنسبة للمجموعتين الأمهات العاملات وغير العاملات ولو أن مثل هذه البحوث ينبغي تقييمها في ضوء قابلية المقاييس لضروب الخداع في الإجابات عليها. حيث يمكن للعاملات اللجوء الى أجوبة خادعة تعويضية. كما قد يحدث الخداع أيضا بين الأمهات غير العاملات دفاعاً عن خيارهن بالبقاء في المنزل.
وتناولت بحوث أخرى مشاعر القلق والذنب الذي ينتاب الأمهات العاملات. حيث لاحظت الباحثة كليجر أن المفحوصات قررن أنهن يملن للتعويض عن غيابهن بالمحاولة الشديدة ليكن أمهات صالحات. كما بينت الباحثة فيشر أن كثيراً من الأمهات العاملات يحاولن بشدة أن يثبتن لأنفسهن ولأقاربهن أنهن لم يهملن أطفالهن وأنهن يقضين معهن ساعات فعلية أكثر مما تقضيه في المتوسط ربات البيوت.
     في المقابل فإن دراسات عديدة تبين وجود فروق ملحوظة بين الأمهات العاملات وغير العاملات فيما يتعلق بالنظام وإن كانت نتائج هذه البحوث غير متطابقة. فقد بين كل من لويل وبورشينال أن بيوت الأمهات العاملات تميل الأم إلى تفضيل فرض نظم حاسمة مع تشجيع أطفالها على الاستقلال. كما بين هوفمان أن إتجاه الأم العاملة نحو النظام يتوقف على اتجاهها نحو العمل فالأمهات العاملات اللائي يستمتعن بعملهن كن أقل شدة في فرض النظام وإستخدام وسائل السيطرة والسلطة مع أطفالهن بالمقارنة مع الأمهات غير العاملات.
ونعرض في ما يلي لنتائج بحث أجري في بيئة عربية بهذا الخصوص. وهو بحث للدكتورة بثينة قنديل للمقارنة بين أبناء الأمهات العاملات وغير العاملات من حيث بعض نواحي شخصيتهن وقد انتهت إلى النتائج التالية:

1-                   تكيف أبناء المشتغلات يقل كلما زاد غياب الأم اليومي عن خمس ساعات.

2-                   للمستوى الاقتصادي والاجتماعي أثره على تكيف الأبناء عندما تكون الأم عاملة وكلما ارتفع المستوى كان التكيف أفضل.

3-                   درجة تعليم الأم ليس له أثر في تكيف الأبناء إذا قارنا بين أبناء الأمهات العاملات اللائي نلن تعليما متوسطا وتعليما عاليا، ولكن الأثر واضح عندما نقارن بين الأمهات المتعلمات واللائي لم ينلن أي قسط من التعليم . أي أن تأثير تعليم الأم على البناء لا يتضح إلا عندما تتباين المستويات التعليمية للأمهات تباينا شديدا.

4-                   لم يظهر البحث أن لنوع الأم البديلة تأثيرا على تكيف الأبناء فلا يوجد فرق بين الأطفال الذين كانوا يتركون في رعاية الأقارب وأولئك الذين كانوا يتركون في رعاية الخدم.

5-                   أبناء العاملات أكثر طموحا من غيرهم.

4- أثر خروج المرأة للعمل على علاقتها بزوجها:

         من الطبيعي توقع حدوث تغيير في العلاقات الزوجية للمرأة العاملة وخاصة في البيئة العربية حيث تزيد متطلبات الزوج ومسؤوليات الأسرة على المرأة. بما يفسر تعدد البحوث التي تتناول مسألة تقييم مستويات التوافق الزوجي لدى الزوجات العاملات. وفي هذا المجال تميل البحوث الأميركية وتلك التي تعتمد المقاييس ( أسئلة وأجوبة) إجمالاً الى إعتبار عمل المرأة عنصراً داعماً للتوافق الزوجي أو أقله أنه غير مؤثر سلبياً على العلاقة الزوجية.
والواقع أن عمل المرأة كعنصر مؤثر على الزواج يرتبط بموقف الزوج وموافقته على عمل زوجته. حيث أجرت إحدى عيادات الإستشارات الزوجية بحثاً قسمت فيه الأزواج الى ثلاثة مجموعات:

المجموعة الأولى: وعددها اثنتان وثلاثون من الأزواج والزوجات حيث لا يوافق الأزواج على اشتغال زوجاتهن اللائي يعملن بالفعل.

المجموعة الثانية: ثلاث وأربعون مجموعة من الأزواج فيها يوافق الزوج على اشتغال زوجته التي تشتغل بالفعل،

المجموعة الثالثة: تكونت من تسع وخمسين زوجين وفيها الزوجة لا تعمل خارج المنزل.

وقد تماثلت المجموعات الثلاث في عدة متغيرات بما فيها عدد الأطفال واحتوت المجموعات على أزواج لديهم أطفال وأزواج ليس لديهم أطفال.

وبينت نتائج البحث أن هناك صراعا أكبر في الأٍسر التي لا يوافق فيها الزوج على عمل المزوجة بالنسبة لباقي الأسر. وإن كانت دلالة الفرق ليست واضحة. وقد بدا فرق واضح بالنسبة للبنود المتعلقة بميزانية الأسرة. وقد تأكد من هذا البحث أيضا اتفاق رأي الأزواج الذين لا يوافقون على عمل زوجاتهم من حيث معارضتهم الصريحة للموضوع. 
أما دراسة ناي سنة 1959 فقد خلصت الى النتائج التالية:

 - أن المناقشات كانت أكثر حدوثا بين الزوجات والأزواج في الأٍسر التي تعمل فيها المرأة. فكانت النسبة بين العاملات 15% وبين غير العاملات 8%

- ارتفعت نسبة العاملات اللائي طلبن الطلاق في وقت ما بالنسبة لغير المشتغلات فقد بلغت النسبة العاملات طالبات الطلاق نسبة 60% وإنخفضت النسبة لدى غير العاملات الى 47%.

- أن التوافق الزوجي لدى النساء العاملات المتعلمات أعلى بدرجة طفيفة منها لدى غير المتعلمات. وهذا يعود برأي الباحثة الى

أن السيدات من المستوى الاجتماعي والاقتصادي الأعلى يحصلن على شعور أكبر بالرضا من عملهن. بما يدعم قدرتهن على تقديم مساعدات إضافية للمنزل وبهذا يخففن إلى أبعد درجة ممكنة الأعباء الأسرية.

مما تقدم يتبين لنا أن الآراء حول أثر عمل المرأة على العلاقة الزوجية ليست متفقة مع بعضها. وأن بعض هذه البحوث تؤكد وجود آثار إيجابية والبعض الآخر ينفي وجود هذه الآثار الإيجابية. كما تبين أيضا وجود عوامل تتدخل في مدى التوافق الزواجي منها درجة ثقافة المرأة المشتغلة.

5- أثر خروج المرأة للعمل على تغيير القيم السائدة في الأسرة.

         تتفق غالبية الدراسات على ميل المرأة غير العاملة الى القبول بالسلطة التقليدية حيث يسيطر الرجل. على عكس ميل النساء العاملات نحو المساواة مع الرجل. وذلك بغض النظر عن مفهوم السلطة في البيئة السابقة للزواج.

بمعنى آخر هناك فروق بين الأزواج حين تعمل الزوجة أو لا تعمل. وذلك على صعيد التأثير النسبي للزوج والزوجة في وضع قرارات الأسرة. أما بالنسبة لأداء الأعمال المنزلية المعروف تقليديا أنها من اختصاص الأم. فقد بينت الدراسات المقارنة أن أزواج العاملات يكونون أنشط وأكثر تقبلاً في القيام ببعض أعمال المنزل من أزواج غير العاملات. وهذا ما بينته دراسة بلود وهامبلن على سبيل المثال. كما بينت بينت نتائج دراسة نولان وتاتل أن أطفال الأمهات العاملات يقومون بأعمال منزلية أكثر من أطفال الأمهات غير العاملات.
في الخلاصة تؤكد البحوث على أن عمل المرأة قد أحدث تعديلاً وتغييراً في القيم التي يعتنقها أفراد الأسرة. فعندما تعمل المرأة فإن الزوج يساهم في العمل المنزلي مسجلاً خروجاً عن مفهوم دوره التقليدي. كما أن الأطفال يتحملون المسؤولية وكل هذا يحدث نتيجة لتعدد أدوار المرأة واستحداث دور جديد تقوم به الا وهو العمل خارج المنزل. مما يخفف عنها عبء الأعمال المنزلية.
إن موضوع خروج المرأة العربية إلى ميدان العمل يحتاج الى دراسات تختلف من بلد عربي لآخر وعليها أن تأخذ في الحسبان البيئة الإجتماعية والمستوى التعليمي والمادي وميادين العمل المتاحة والإحتياجات الخاصة للأسرة وعدد افرادها وغيرها من العوامل. وسنعطي بعض الأمثلة المستمدة من تجربتنا في المجتمعين الكويتي والقطري وهما أقرب الى المجتمع الإمارتي من البحوث المتوافرة وهي في غالبيتها مصرية.

2-           العقد النفسية لدى المرأة وسبل تجاوزها

         الحديث عن خروج المرأة الى سوق العمل هو حديث عن أزمة تكيف تواجهها المرأة العربية في وجه نظرة تقليدية معارضة لعمل المرأة. فإذا ما نظرنا الى الصعوبات التي إعترضت عمل المرأة الأوروبية ،رغم الإنفتاح الإجتماعي الأوروبي، أدركنا حجم الصعوبات التي تعترض عمل المرأة العربية. ومن هذه المشاكل ما عرف بابناء الجدات ( تربية الجدة للولد بسبب إنشغال أمه) وبالأسر المهملة وغيرها من المشاكل...
وعليه فإن المرأة العربية تحتاج الى مراجعة ومعرفة للمعوقات النفسية التي قد تصعب مهمتها من حيث التكيف مع وضعية المرأة العاملة. بما في هذه الوضعية من صراعات داخل الأسرة وفي إطار العمل وفي الإطار الإجتماعي الأوسع. لذلك وجدنا من الضروري مناقشة المعوقات النفسية التالية مع التوعية لضرورة تجاوزها من قبل المرأة العربية العاملة:

-         العقــد النفسيــة التقليدية

-          الميول النرجسية لدى المرأة.

-         السلبية الأنثوية.

 

1-      العقــد النفسيــة التقليدية

تعريف العقـدة النفسية: العقـدة النفسية هي مجموعة من الذكريات الطفولية والتصورات التي تعود الى عهد الطفولة والتي تؤثر على سلوك الشخص وتصرفاته وردود فعله وقدرته على التكيف مع الأزمات التي تعترضه.
من أهم العقد النفسية المؤثرة في موضوعنا نناقش العقد التالية:
عقدة الكترا: هي المعادل الأنثوي لعقدة اوديب لدى الولد. وهي تشير الى التعلق الجنسي الطابع للفتاة بوالدها ومن ثم التسامي بهذا التعلق وتحويله بعد حل المشكلة الأوديبية/ الكترا. وهي تختلف عنها لدى الولد من حيث عدم تضمنها كراهية احد الوالدين. وهذه العقدة تؤثر بعمق على المرأة وعلى خياراتها المستقبلية مثل الزواج والإختيارات الأخرى من دراسة وعمل وبيئة محيطة وصداقات وغيرها. إذ تميل المرأة لمعاملة كل ذكر له موقع سلطة على أنه مواز للأب. بحيث ترى في زوجها صورة مطابقة ومنافية لأبوها وقس عليه. وهذه العقدة تتبدى على صعيد نرجسية المرأة التي سنناقشها لاحقاً.
عقدة الخصاء: يطرحها التحليل النفسي على أنها نوع من الحسد لدى الفتاة لعدم ملكيتها لتعبير تشريحي عن أنوثتها كما لدى الصبي. ويفسر الكثير من الباحثين حقيقة أن نرجسية المرأة أقوى من نرجسية الرجل على أساس خيبتها تجاه إحساسها بنقص جهازها الجنسي الذي تعبر عنه بواسطة طلب التعويضات لاستيائها من حب الذات. وهذا الفرض يفسر لنا سبب اتجاه النرجسية نحو الانخفاض عند الأمومة فمن خلال امتلاك المرأة للطفل تشعر بتعويض عن الأضرار السابقة كما تستطيع أن تصرف قدرتها على الحب الآخرين وبخاصة لطفلها. وفي هذا الصدد ترى دويتش أن تقوية أو الاحتفاظ بالنرجسية التي قويت في المراهقة إنما ينتج من الصراع بين الميول الجنسية المحددة وذلك الجزء من الأنا الذي يعبر عن غريزة حفظ الذات. وطالما أن الميول الجنسية المحددة للمرأة موجهة نحو أهداف تكون خطيرة على الذات، فإن الذات تدافع عن نفسها وتقوي طمأنينتها الداخلية بواسطة المبالغة في حبها للذات الذي يظهر في مظاهرات النرجسية وهو ما سنناقشه في الفقرة التالية.
عقدة الدونيـة: وهي تحوي مجموعة الذكريات والتصورات والتصرفات التي تعكس محاولة الخلاص من شعور راسخ بالدونية. وغالباً ما تعاني المرأة العربية من شعور دونية ذي علاقة برغبة أهلها بإنجاب ذكر عوضاً عنها. كما نجد علائم هذه الدونية في ذكريات طفولية تسجل تمييز وتفضيل الأهل للذكور على الإناث... الخ من تصورات تدعم الشعور بالدونية. وهي تتسبب بجروح نرجسية تدفع المرأة للتعلق بالنرجسية والبحث عن شحنات جديدة لها. كما أنها تدعم السلوك السلبي لدى المرأة.
عقدة جوكاست: وهي عقدة مقحمة في التحليل النفسي وتشير الى تعلق الأم الشبقي بابنها. وهي تتخذ بعد حلها شكل عمل الأم الزائد على حماية الإبن وخاصة من النساء الأخريات وخصوصاً الزوجة ( غقدة الحماة).
عقدة ديان: إن عدم قدرة المرأة على تخطي عقدة الكترا تؤثر على نضجها الجنسي بما يتيح لنرجسيتها هيمنة مطلقة على شخصيتها وسلوكها. مما يفتح الباب أمام النرجسية الثانوية. بحيث تبحث الفتاة عن فتاة مثلها كي تصب نرجسيتها عليها. ويصعب على الفتاة في هذه الحالة التخلي عن حبها لأبيها ( لذلك تحاول تمثيل دوره واضعة نفسها مكانه) مما يحول دون تطورها الجنسي والإجتماعي بصورة طبيعية.

    2- الميول النرجسية لدى المرأة.

          في ظل الظروف طبيعية فإن الفتاة المراهقة تتم أعمالها بنجاح وأهمها السيطرة على الميول الغريزية ووضعها في علاقة منسجمة مع مطالب العالم الخارجي والأنا. إلا أنه وحتى في أحسن الأحوال فإن هذه الوظيفية للمراهقة تتم في مجال محدد. وعلى ذلك فإن فترة نهاية المراهقة هي فترة نسبية إفتراضية. كما أن المرحلة التي تمثلها تختلف من فرد لآخر. وأن الكثير من ملامح المراهقة وآثارها يمكنه أن يستمر حتى سنوات النضج وبصفة خاصة بالنسبة للمرأة.
والمرأة تدين بالكثير من الملامح الهامة في حياتها السيكولوجية إلى العمليات المرتبطة بالكف. وهي عمليات شائعة في سن المراهقة. بل أنها تعتبر مظاهر سوية لهذه المرحلة من الحياة. ومن نتائج تدعيم المرأة لحياتها الداخلية هي شبقيتها الخاصة. فالشبقية التي هي امتداد مباشر لأحلام اليقظة الشديدة. وهي تشتق قوتها من القوة الغريزية المتخكمة في اللاشعور. ونتيجة لعملية التسامي هذه فإن جنسية المرأة أكثر روحية ورومانسية من تلك الخاصة بالرجل.
وتعتبر هذه الشحنات النرجسية من الضرورات الهامة للمراهقة. إذ أنها تحمى أنا الصغير من مشاعر الضعف أثناء جهاده للسيطرة على الواقع. كما أنها تحمي من التشتت في تحقيق الذات. وعلى هذا فهي تمد الجنسية بالقدرة على ملاحظة الذات التي هي ميزة في هذه المرحلة من الحياة.
وترى دويتش أن امتداد فعالية الوظائف النرجسية الى ما بعد المراهقة هو سمة خاصة وميزة للأنوثة. وتعريف فرويد للنرجسية يربطها بمرحلة الطفولة المبكرة للأنا حين يتخذ اللبيدو الطاقة الانفعالية من الأنا كموضوع له.
فخلال حياة الفرد يبقى الأنا هو المخزن الكبير لهذه الطاقة النرجسية. ومنه ترسل الانفعالات تجاه الموضوعات الخارجية. حيث يرتبط دعم الخلق بالقيم الإيجابية للنرجسية. فكلما ساهمت النرجسية في إرساء سلامة الذات واحترامها كان الخلق قويا. ويعتقد فرويد أن الجاذبية الأنثوية تشتق من حب الفتاة لنفسها. حيث يؤكد الباحثون على بحث الأنثى عن القبول والإعجاب. وهذا يفسر لنا سبب اتجاه النرجسية نحو الانخفاض مع تحول المرأة الى أم. فمن خلال امتلاك المرأة للطفل تشعر بالقدرة على تصريف نرجسيتها بتوجيهها نحو الآخرين بدءاً من طفلها الذي تصب عليه شحناتها النرجسية عبر إهتمامها به ورعايتها له.         
في هذا الصدد ترى دويتش أن دعم أو الاحتفاظ بالنرجسية التي قويت في المراهقة إنما ينتج من الصراع بين الميول الجنسية المحددة وذلك الجزء من الأنا الذي يعبر عن غريزة حفظ الذات. وطالما أن الميول الجنسية المحددة للمرأة موجهة نحو أهداف خطيرة على الذات، فإن الذات تدافع عن نفسها وتقوي طمأنينتها الداخلية بواسطة المبالغة في حبها لنفسها. الذي يظهر عبر المظاهرات النرجسية.
ويرى فرويد أن المرأة الأنثوية لا تحب بقدر ما تترك نفسها تحب فالحب الأنثوي هدف المرأة الأنثوية هو نرجسي مازوشي.
وبعض النرجسيات يبالغن في تقدير موضوعاتهن. وطريقتهن النرجسية في جعل الرجل سعيدا يمكن أن يعبر عنها في التالي إنه رائع وأنا جزء منه وهذا النمط من النساء يعتبر الشريك المثالي للرجل.
إن المرأة النرجسية لديها الحاجة إلى أن تحب فهي تكون طيعة في المعاملة مرنة في أي مجال إذا ما شعرت بأنها محبوبة. هذا النمط من النساء إذا ما كوفئن فإنهن يظهرن القدرة في الابتكار والإنتاج ودون أن يدخلن في صراعات تنافسية. إنهن يتطلبن الحب والرغبة العارمة فهن يجدن في هذا تعويض مشبع لتنازلهن عن اتجاهاتهن الإيجابية. وهن أيضا على استعداد لترك تحصيلهن دون الشعور بأنهن مضحيات كما أنهن يبتهجن لتحصيل زملائهن. وهن أيضا في حاجة ملحة للحماية إذا مارسن نشاطا موجها نحو الخارج ولكنهن مستقلات تماما في التفكير والمشاعر المتعلقة بحياتهن الداخلية أي نشاط موجه نحو الداخل.
وتختلف آثار النرجسية بين النساء، فقد تعمل على إثراء أو إفقار حياتهن النفسية. ففي بعض الحالات تؤدي إلى وظيفة مفيدة وتشكل صحة نفسية، وفي حالات أخرى فهي عرض مرضي خطير.

- السلبية الأنثوية:

           من سمات الأنوثة الميل الشديد تجاه السلبية مع شدة في المازوشية. فإذا استخدمنا اصطلاح النشاط الموجه نحو الداخل كبديل لاصطلاح الاتجاه نحو السلبية فإن اصطلاح السلبية الأنثوية يكتسب مضمونا أكثر حيوية. كما أن كلا من عدم النشاط والفراغ وعدم الحركة كلها تبعد عن مضمونها. إن اصطلاح النشاط الموجه للداخل يشير إلى وظيفة، ويعبر عن شيء إيجابي ويرضي النساء اللاتي طالما شعرن أن اصطلاح السلبية الأنثوية له مضمون يحط من شأنهن. ونستطيع هنا أن نقول عن المازوشية الأنثوية إنها تتبع نفس الممر مثل نشاط موجه للداخل. ومع التشبيه يمكن القول إن نشاط المرأة للداخل يوازي نشاط الرجل الموجه نحو الخارج. كما أن مازوشيتها موازية للعدوان الذكري  المصاحب للنشاط وبخاصة في نهاية المراهقة.
إن المازوشية الأنثوية تخلو من القسوة والدافع الهدام والمعاناة والألم التي تظهر بها المازوشية نفسها في الانحرافات والأمراض النفسية. ولقد بينت دراسات الباحثين في الأجناس والجنس، أن الذكر وجهازه التناسلي يقوم بالدور الإيجابي أما الدور السلبي فهو من اختصاص الأنثى، ونادرا ما يعكس هذا الوضع وعلى ذلك فلو كان هناك نشاط أنثوي متعدد مع عنف في الكفاح، فإن هذا يعتبر شذوذ للقاعدة العامة. ومن هنا اعتبرت السلبية الجنسية للأنثى مسألة نموذجية، وإن أي مظاهر أخرى لا جنسية في حياة المرأة تعتبر لاحقة لهذا الأساس وتتشكل بعد وجود. فالمرأة تحت تأثير الأوضاع والظروف الاجتماعية تستطيع القيام بنشاط إيجابي وهذا لا ينقص من أنثويته وليس معنى  كون المرأة أنثى تماما أن تعرض عن كل نشاط اجتماعي وعقلي.
هذا وتتظاهر مظاهر السلبية الأنثوية على صعد عديدة. فمن الناحية البيولوجية فإن وظيفة الخلايا الجنسية تكون البويضة ساكنا نسبيا سلبية استقبالية بينما الحيوان المنوي نشط ومتحرك. كما أن السلوك الجنسي أثناء العملية الجنسية يوضح استمرار هذه التفرقة بين الذكري النشط والأنثوي السلبي. ثم أن تشريح الأعضاء الجنسية يبين أن العضو الذكري أعد للاختراق الإيجابي بينما أعد الأنثوي للاستقبال السلبي. وقد يحدث أن تقوم المرأة بالدور الإيجابي في العملية الجنسية وهذه حقيقة معارضة للقانون الطبيعي غير أنها أشكال ثانوية من السلوك  حتمية  سيكولوجيا بالإضافة إلى حتمية تكوينية ( بيولوجية وراثية  ومن ناحية أخرى فإن اعتراض المرأة على دورها السلبي وميلها لإثبات الذات المتحتم لأسباب سيكولوجية خاصة، قد يلعب دورا في اضطراب السلوك الإيجابي.
وهكذا نجد أن الفسيولوجيا وعلم التشريح يؤكدان على السلبية الأنثوية.
والآن نرى إلى أي حد يعبر هذا الاستعداد البيولوجي العضوي السلبي عن نفسه في الصورة العامة للشخصية الأنثوية. ومن المسلم به أن الأنثوية تتصف بالسلبية ولكن من حيث ارتباطها أو اقتصارها على الوظائف الجنسية، صحيح أنه من وجهة نظر التحليل النفسي أن الجنسية يمتد تأثيرها على جميع مظاهر الحياة ولكن مع ذلك فإن هذه النظرية لم تنكر الحقيقة الخاصة بأن جميع الظواهر النفسية تتأثر بالدين والنظام الاجتماعي والأوضاع الحضارية وما شابه ذلك من عوامل كما تضيف نظرية التحليل النفسي إلى أن هناك بعض القوى النفسية غير الدوافع الجنسية ما يعمل على تشكيل الحياة النفسية. وهو بهذا لا ينكر التفاعل بين هذه القوى.

3-          المعوقات النفسية التي تعترض المرأة العاملة

            يسجل الباحثون النفسيون ميلاً عميقاً لدى المرأة لأن تكون موضع إهتمام وتمييز وهو ما يشيرون له بدور السندريلا .  وهو ميل يتنامى لدى المرأة العاملة بسبب حاجتها للحماية الإضافية في صراعات العمل. ومناقشة دور السندريلا هي مربط الفرس لامكانيات دعم الطب النفسي للمراة العاملة ومشتاركته في حل مشاكلها. لذلك فضلنا ان نعرض للموضوع من خلال مناقشة تفصيلية لكتاب الكاتبة الأمريكية كوليت دولينج  Colette Dowling الذي عرضت فيه لأفكارها حول ما سمَّته:عقدة سندريلا The Cinderella Complex) بعنوانه الفرعي الموضح "خوف المرأة الخفي من الاستقلال Women's Hidden Fear of Independence"، وقبل أن نبسط آراء الكاتبة فيما ذهبت إليه نورد كلمة عن الكاتبة وعن الموضوع
ففي منتصف السبعينات من القرن العشرين كانت كوليت ناجحة ومشهورة وترعى أسرتها المكونة منها ومن ثلاثة أبناء وقد اكتشفت حينذاك اكتشافًا صادمًا وهو الاكتشاف الذي كان ضد آرائها السابقة كلها عن نفسها وعن بنات جنسها وقد ترجمته في قولها : إني وجدت أن ما أريده حقيقة وهو أن أكون موضع رعاية أحد الأشخاص.. إنها ليست مسالة شخص يتحمل عني الأعباء المالية للحياة، بل إنني في حاجة إلى حماية انفعالية طوال الوقت بحيث يمثل لي هذا الشخص منطقة حماية تحميني من العالم الخارجي.. لقد تربيت على أن أتوقع أن هناك شخصًا ما سوف يقوم بالمهام الصعبة بدلاً مني .
وتقول السيدة دولنج أنه عندما كُشفت لها هذه الحقيقة أرادت أن تتأكد ما إذا كانت هذه الرغبة خبيئة في قلوب الملايين من النساء الأخريات أم لا ؟ وقد تأكدت من ذلك وجاء هذا التأكيد نتيجة أربع سنوات من البحث جابت السيدة دولنج خلالها عدداً من الأقاليم والولايات تجرى مقابلات مع نساء من مختلف الفئات والطبقات، خاصة المهنيات منهن ممن يعملن ويدرسن ويعالجن النساء مثل المتخصصات في علم الاجتماع وعلم النفس والعاملات في المجالات الصحية والطبيبات النفسيات، وانتهت من هذه المقابلات إلى أن من قابلتهن من النساء كن يشعرن بنفس المشاعر التي تشعر بها وكن راضيات سعيدات بأن يبقين في منطقة الظل خلف الرجل وأنهن يتجنبن الصفوف الأولى بل أنهن يرتعبن إذا ما أجبرن على التحرك إلى الإمام، على الرغم من أن بعض النساء يصرحن شفاهة بأنهن يرغبن في تقدم الصفوف وتقلد المناصب القيادية وتتساءل الكاتبة لماذا تقف النساء في الوقت الحالي في هذا الموقف الصراعي ؟ وكيف يستطعن أن يخرجن منه لكي يصبحن شخصيات سعيدة منتجة إلى أقصى ما تمكنهن قدراتهن وإمكانياتهن ؟.
أما السبب في دفع النساء إلى هذا الموقف الصراعي كما اكتشفت السيدة دولنج شخصيًا فهو ما سمته عقدة سندريلا وهى نسق من الرغبات والذكريات المكبوتة والاتجاهات غير الواقعية التي أخذت تتكون في الطفولة عند الفتاة وهى طفلة ومحورها أن هناك شخصًا آخر قوي يدعمها ويحميها وهذه القناعة عند البنات - والتي لا يوجد مثيل لها عند البنين - تستمر معهنَّ إلى سن الرشد بمعنى أنهن لا يفطمن عنها ومن ثمَّ فإن هذه الحاجات تكبت وتندفع إلى أعماق الفتيات وتظلُّ معهن في حياتهنَّ الراشدة وتؤدي مختلف أنواع المخاوف الداخلية وألوان من السخط وعدم الرضا .
وفي مقدمة ما يترتب على الحاجات المكبوتة عند النساء من آثار وأكثرها قوة في حياتهن هو الشعور بالدونية، وإن كان شعوراً منكراً وغير معترف به على المستوى الشعوري وتقول السيدة دولنج أن معظم النساء ترسبت في أعماقهن فكرة أنهن غير قادرات على تحمل المسئولية الكاملة عن أنفسهن، وهي قد قابلت كما قلنا نساء من كل الفئات وتقول أنها لمست هذه الفكرة الخبيئة في نفوس من قابلتهن بمن فيهن من يعملن في المهن المرموقة وبعضهن لم يغامرن بالخروج من المنزل والعمل خارجه والبعض غامر ولكنه عاد واحتمى بأحضان الأسرة ، وتؤكد السيدة دولنج أن هذه المشاعر قائمة عند ساكنات المدن وعند من تعمل في قطع الأخشاب في الغابات وعند الأرامل والمطلقات وعند كثير من المتزوجات واللاتي يريد بعضهن أن يحصل على الطلاق ولكنه لا يحصل عليه ، والشيء الوحيد المشترك بين هؤلاء النسوة جميعاً هو أنهن يسلكن على نحو طيب ولكن بدرجة أقل مما يتفق مع قدراتهن الحقيقية بفعل هذه المشاعر الخفية .
وترى السيدة دولنج أن نزعة الاعتماد الشخصي والنفسي عند النساء - وهي الرغبة العميقة في أن يكون الإنسان موضع رعاية الآخرين - هي القوة الرئيسية التي تمسك بالنساء وتبقيهن في مرتبة أدنى وهي (عقدة سندريلا) والتي هي شبكة من الاتجاهات والمخاوف وغير الواقعية التي تجعل جنس النساء في منطقة نصف الضوء ونصف الظلال وتمنعهن من أن يحققوا الاستفادة الكاملة من قدراتهن وإبداعاتهن ومثل سندريلا فإن النساء اليوم لازلن ينتظرن شيئًا ما خارجيًا لكي يحل لهنَّ مشكلاتهن ويحوِّل حياتهن إلى الأفضل .
وتعرف السيدة دولنج أن عقدة سندريلا تمثل صدمة للمرأة التي ليس لديها فكرة عن هذه المشاعر اللاشعورية ، أو المرأة التي لم تتعرض لظروف تكشف لديها هذه المشاعر وتقول السيدة دولنج أنه إذا لم تبين حقيقة هذه المشاعر التي تضمنتها عقدة سندريلا وتعمل على مواجهتها والتغلب عليها فسوف يفوتنا كل شيء فلا نعود نساء ولا نعود قادرات على الحب وعلينا أن نواجه هذا الخوف الموهن لنا عن طريق التحكم في هذا الموقف وتحقيق الإستقلال الحقيقي عقدة سندريلا والاعتراف بها ومواجهتها هو السبيل إلى تحقيق الإستقلال الحقيقي

ثانيًا: كيف تطورت مشكلة الدراسة ( عقدة سندريلا )  :
تبدأ السيدة دولنج كتابها بسرد خبرة شخصية مهمة، وتحكي كيف أنها وجدت نفسها في إحدى المرَّات وهى راقدة وحيدة في منزلها تعانى من أزمة أنفلونزا حادة وتقول : " لقد شعرت بالعزلة القاتلة في الحجرة التي بدت لي واسعة جدًا وقد عزلت نفسي عن أبنائي حتى لا أنقل إليهم العدوى وقد بت أتذكر نفسي عندما كنت طفلة صغيرة ودقيقة التكوين وقليلة الحيلة عرضة للإصابة بكل شيء وكيف كنت أشعر حينذاك بقدر كبير من مشاعر البؤس ليس بسبب الأنفلونزا حينذاك ولكن من الشعور بأنني منعزلة ووحيدة وهائمة ; وقد حدث توقف في مجرى أفكاري ، لقد تحققت أنني وحيدة وبدون أي خداع لنفسي فقد اعترفت لنفسي أنني قضيت فترة طويلة أحاول تجنب بذل الطاقة، إننى أكره أن أكون وحيدة ، أريد أن أعيش مثل الحيوانات الكيسية التي تعتمد على آبائها وأشعر أنني في جلد كائن أخر، وما تبينت أنني أريده حقيقة هو أن أكون آمنة وموضع رعاية الآخرين ولذا فإنني لم أجد شيئًا جديداً ، فإن هذا الشعور جزء مما استشعرته لفترة طويلة.
.. لقد حدث الطلاق بيني وبين زوجي في السبعينات وهو العقد الذي شهدت فيه الحياة الأمريكية تحولاً ثقافيًا يتعلق بالنظر إلى النساء لم يكن من قبل، فقد بدأ المجتمع يتوقع من المرأة أن تهمَّ بالحصول على المادة وحيازة القوة وهى الأمور التي يهتم بها الرجل أساسًا كما بدأ المجتمع يوجه نظر المرأة إلى الاهتمام بالحرية ذلك المفهوم المراوغ من كل جانب فممن نتحرر؟ ومن ماذا نتحرر ولم؟ وكيف نوظف هذه الحرية؟ وما قيمتها وما الثمن المدفوع للحصول عليها؟ والمهم أن المرأة منذ السبعينات وجدت أمامها شعاراً مرفوعًا يقول: (أن الحرية أفضل من الأمن)، ولكن الحرية شيء يسبب الرعب كما أنها تضع أمامنا الإمكانيات والاحتمالات والتي ربما لم نكن قد جهزنا أنفسنا لها بشكل كامل أو بشكل مناسب بعد الترقيات ،المسئوليات، السفر أحيانا بدون رجال معنا يرشدوننا إلى الطريق، الفرصة لعمل أصدقاء لأنفسنا وبطريقتنا وعلى مسئوليتنا الشخصية. "
وتقول السيدة دولنج "أن كل الفرص قد سنحت أمام النساء بسرعة كبيرة ولكن هذه الحرية قد أتت بمطالب جديدة.. فقد نشأنا ووقفنا مختبئات وراء أو تحت رعاية شخص نعتقد أنه قوي حتى نبدأ في اتخاذ قرارات قائمة على قيمنا الخاصة وليس على قيم أزواجنا أو آبائنا أو بعض معلمينا"،"إن الحرية تتطلب أن نصبح أصيلات أمينات وصادقات مع أنفسنا وهذا غالبًا ما يكون صعباً خاصة على النحو الفجائي حيث لا يكون لدينا إلا أن نكون زوجات صالحات أو بنات معطيات أو طالبات مجدات ويحتمل أنه حينما بدأنا عملية الانفصال عن الشخصيات الهامة أو المحورية في حياتنا لكي نقف على أرجلنا اكتشفنا أن القيم التي تعلمناها وظننا أنها قيمنا الخاصة أورثتنا الكثير من الحيرة..!!، إنني لا أعرف حقيقة ما قناعاتي، وما أعتقد في صدقه وفى صحته".
ويمكن أن تكون هذه اللحظة مرعبة وكل شيء كنا نظن أنه مؤكد ظهر أنه ليس كذلك أو تحطم مثل قطعة الصخر اللينة التي تداعت وانهارت تاركة إيانا حائرات وغير متأكدات من قيمة أي شيء وشاعرات بالخوف ، إن هذا الفقدان لابنة الدعم القديمة - المعتقدات التي لم نعد نعتقد في صحتها وسلامتها - يمكن أن يكون العلامة على بداية الحرية الحقيقية. ولكن الحقيقة أننا في هذا الموقف نسارع بالهرولة نحو الوراء وننسحب حيث معتقداتنا الآمنة والمألوفة والمعروفة".
وتتساءل الكاتبة : لماذا عندما يكون لدينا الفرصة للتحرك إلى الأمام فإننا نميل إلى العودة إلى الوراء ؟ وتجيب: لأن النساء لم يتعودن مواجهة الخوف وتجاوزه ; لقد تمَّ تشجيعنا منذ البداية على أن نتجنب أي شيء يخفينا وتعلمنا منذ الصغر أن نفعل فقط الأشياء التي تسمح لنا بأن نشعر بالارتياح والأمن، وعلى هذا فإننا في الحقيقة لم نتدرب على أن نمارس الحرية. بل العكس هو الصحيح فإننا قد تدربنا على ممارسة مقابل الحرية وهو الاعتمادية.

عقدة سندريلا - مدخل لمشكلة الدراسة وتطورها
منشأ العقدة
قد بدأت المشكلة حيث كانت الفتاة آمنة، وحيث كان كل شيء يعمل لحساب راحتها وحمايتها وكان الأب والأم جاهزين دائمًا لتلبية حاجاتها، ولقد استشعرت الفتاة الحاجة إلى الاعتماد وإلى أن تستند إلى شخص ما، وتعود إلى مرحلة الطفولة السعيدة حتى وهي راشدة لأنها المرحلة التي تضمنت استمتاعها بالحنان والرعاية والاهتمام والإعفاء من كل المسئوليات ، وهى المرحلة التي كانت فيها بعيدة عن كل الأذى والألم والخطر، وقد بقيت هذه الحاجات مع الفتاة في سن الرشد مطالبة بالإشباع كجزء من الحاجات غير المشروعة والمقبولة.
وفى الحقيقة أن البنين يخبرون بالحاجة إلى الاعتماد أيضًا كالبنات ولكنَّ الفتيات يجدن تشجيعًا قويًا منذ طفولتهن الباكرة على أن يكنَّ معتمدات إلى درجة أكثر مما هو عند البنين بكثير فكل امرأة تتأمل حياتها جيدًا تعرف أنها لم تتدرب مطلقًا على أن تواجه المتاعب والشعور بعدم الارتياح ، كما أنها لم تُعَوَّد على أن تعتني بنفسها وأن تستقل في سلوكها وأن تُكَوَّن منذ البداية ; وعلى أحسن الأحوال تقول (السيدة دولنج) أنها قد تمارس لعبة الاستقلال بينها وبين نفسها كنوع من الحسد أو التحدي للرجال لأنهم يبدون قادرين على الاكتفاء الذاتي على نحو طبيعي . وكما لاحظت (سيمون دي بوافرار) منذ فترة طويلة أن النساء يقبلن الدور الخاضع لكي يتجنبن الضغوط والتوترات المتضمنة في التعهد أو في الالتزام بالوجود الأصيل، وتعترف السيدة دولنج أنها هربت من الضغوط وأصبح هذا الهرب عادة لديها وتقول أنها ما إن خرجت إلى الحياة حتى استدرجت عائدة إلى الوراء معتمدة على الآخرين فارة من الحرية والمسئولية خارج المنزل مستريحة إلى حياة ربة البيت تقوم بالأعمال المنزلية باستمتاع، وعندما كان يقترح الزوج على الزوجة فكرة الخروج للعمل خارج المنزل، أو عندما يخطر هذا الخاطر على بالها فإنها كانت تشعر بأن هناك شيئا متضمن في الالتزام خارج المنزل، من شأنه أن ينقص من الأنوثة. وتقول بأن هناك احتمالاً قوياً بأن الشك البسيط والذي لم يختبر والمتمثل في فكرة خدش الأنوثة بسبب العمل خارج المنزل قد يلعب دورًا هامًا وإن كان العمل خفيًا في النضال ضد الاستقلالية.
وقد نشرت السيدة دولنج مقالاً في مجلة نيويورك على شكل قصة عنوانها (ما بعد الحرية) ذات عنوان فرعى هو: اعتراف من امرأة مستقلة شرحت فيها مشاعرها، وما إن نشر المقال حتى توالت عليها الرسائل من السيدات وكلها تقول أنك لست وحدك في هذه المشاعر وكانت هذه الرسائل من نساء صغيرات في السن وأخريات كبيرات ومن مهنيات ونساء غير مهنيات إن الصراع بين الرغبة في أن تبقى امرأة مستقلة والرغبة في أن تتعلق بأحد .. يخلق تناقضًا وجدانيًا مرهقًا مستنفذًا للطاقة.
     سيدة في الرابعة والثلاثين وصفت نفسها وكأنها مرتبطة بزوجين; هذه السيدة تربى طفلين لها ثم عادت إلى دراسة القانون، وتشعر بالحيرة والقلق بصدد هذه الرابطة المزدوجة : تربية الأطفال أم بناء حياة مهنية .. إنها خائفة من الاستقلال وعدم الاستقلال في نفس الوقت وقد قررت بعد حصولها على شهادة القانون أن تنخرط في عمل خاص ، وشاركت بالفعل في مشروع مع شريك رجل لا يزيد عنها خبرة كما تقول ولكنها تذكر أنه كان يؤدى العمل بثقة واطمئنان وكان الفرق واضحًا بينهما في الطريقة التي تفاعل بها كل منهما مع مسئولياته في العمل وتختم حديثها بالقول : ( يبدو أنى لازلت معترفة بالجري والاحتماء وراء رجل يحميني.. ما هذه المصيدة السهلة وما هذا الكسل والإعتمادية التي أصبحت عليها)!.
إننا لا نعترف عادة بنفس الوضع الذي كان عند هذه السيدة ولكنه يوجد لدينا جميعًا ويظهر عندما نتوقعه على الأقل وعندما تداعبنا أحلامنا ..
من المحتمل أن تعود رغبة النساء في الخلاص إلى أيام حياة الكهف التي عاشها الإنسان قديمًا وحيث كانت قوة الرجال الجسمية مطلوبة لحماية النساء والأطفال من الوحوش، ولكن هذه الرغبة لم تكن بناءة أو مناسبة، إننا لا نريد أن ننجو أو نتخلص بالاعتماد على الآخرين.
وتقول دولنج أن ردود فعل السيدات على المقال الذي نشر في مجلة نيويورك يظهر أن هناك عددا كبيراً من السيدات يشعرن مثلا بالغضب والحيرة والقلق بشان قضية الاستقلال - الاعتماد- وتتساءل لمَ لمْ يعالج أحد هذا الموضوع من قبل ؟ هل هناك خوف داخلي من الاستقلال عند النساء؟
إن الحاجة إلى تجنب الاستقلال تبدو لي قضية هامة جداً وتقول دولنج : " بل يحتمل أن تكون أكثر القضايا التي تواجه النساء اليوم أهمية "
"
إن الاعتماد النفسي والشخصي أو الرغبة العميقة في أن تكون المرأة موضع رعاية الآخرين هو القوة الأساسية التي تتحكم في النساء اليوم وأنا أسميها عقدة سندريلا تلك الشبكة التي تحوى العديد من الاتجاهات والمخاوف المكبوتة والتي تبقى النساء في منطقة شبه الظل أو شبه الضوء وتمنعهن من الاستخدام الكامل لعقولهن وقدراتهن الإبداعية، ومثل سندريلا تجلس النساء اليوم قابعات ينتظرن شيئًا خارجيًا يغير حياتهن ".
رابعاً: مظاهر المشكلة ( مظاهر العقدة) :
تتجلى عقدة سندريلا في عدة مظاهر يمكن استخلاصها من بين ثنايا الكتاب كالآتي :
1-
فجوة الإنجاز :
تظهر الدراسات باستمرار ارتباط معامل الذكاء بالقدرة على الإنجاز وتقول دولنج أن هذه العلاقة واضحة عند الرجال فقط ولا تبدو كذلك عند النساء، وقد ظهر هذا التباين بين الذكور والإناث بوضوح في دراسة جامعة ستانفورد عن الطفل الموهوب Stanford Gifted Child Study وقد شملت العينة أكثر من 600 طفل وطفلة بلغ معدل ذكائهم أكثر من 135 (وهذا يمثل الـ 1% الأعلى من بين المجموع الكلى للسكان) وقد تم تتبعهم حتى سن الرشد، واتضح أن أعمال الراشدات من النساء كانت غير مميزة وكان ثلثي النساء من ذوات المستوى العبقري من الذكاء (170 أو أكثر) من ربات البيوت أو من العاملات في المكاتب.
وتقول الطبيبة النفسية(الكسندرا سيموندز)- وهى من المهتمات بسيكولوجية المرأة - أن النساء الموهوبات كن راغبات حقًا في التقدم ولكنهن كن يفضلن أن يعملن وراء الرجال ذوى القوة والنفوذ، رافضات كل التقدير لذواتهن أو لتحمل المسئولية عن إسهاماتهن الخاصة، وفي العلاج يتعلقن بماضيهن ويتشبثن بما وقع فيه، بحيث أن كل خطوة نحو الصحة وتأكيد الذات يتم مقاومتها بشكل شعوري أو لا شعوري، وتقول سيموندز بوضوح أن بعض النساء يقررن بشكل واضح لديهن رغبة في أن يتغير هذا الوضع.
وقد لاحظت (جودث برادوك) في كتابها سيكولوجية النساء أن البنات الموهوبات كن أقل ميلاً إلى الالتحاق بالكليات واستكمال درجاتهن الجامعية الأولى بالمقارنة بأقرانهن من الذكور كما كنَّ أقلّ حصولاً على درجات الدكتوراه والاستفادة منها، وكن أقل إنتاجية من الرجال عندما يكون العمل على مستوى درجة الدكتوراه. وتذكر الكاتبة أن النساء بصفة عامة يرتبطن بالأعمال منخفضة الأجر.
وهذه هي عناصر فجوة الإنجاز عند النساء وملخصها أن النساء لا يحصلن على ما يمكنهن الحصول عليه. والذي لم يتم الاعتراف به إلى الآن هو دور المرأة نفسها في الحفاظ والإبقاء على هذه الفجوة فالنساء لا يستبعدن أحد من مجالات النفوذ والقوة.
2-
القلق :
يدل تطبيق اختبارات القلق بمختلف أنواعها على زيادة درجات الإناث عن أقرانهن من الذكور في مقاييس القلق مما يشير إلى أن المرأة أكثر قلقاً من الرجل، ويظهر هذا القلق بوضوح عند التقدم للالتحاق بعمل أو عند الترقية في مجالات العمل أو حتى عند استصدار رخصة قيادة للسيارة. وتقول دولنج: النساء لن يصبحن أحرارًا حتى يتوقفن عن القلق وإننا لن نبدأ في خبرة التغيير الحقيقي في حياتنا، ولن نخبر الانعتاق الحقيقي حتى نتدرب على العمل خلال ألوان القلق أو أن نسيطر على القلق نفسه وأن نخفض تأثيره، وهى عملية كما تقول دولنج أشبه بعملية غسيل المخ.
3-
برود العلاقة الزوجية :
إن المرأة التي تحاول مقاومة مخاوفها عادة ما تجد صعوبة في إنشاء علاقة ايجابية مع الرجل، إنها في هذه الحالة تكون شبه خاضعة لحاجة داخلية مضمونها الشعور بالتفوق وأنها ينبغي أن تكون "مسئولة عن" وفي العلاقة الخاصة تجد نفسها في مشاكل مع الرجل الذي ارتبطت به، ولذلك فإنه بعد شهر العسل يتسم سلوك الزوجة بالبرود والتباعد.
4-
الخوف من تحمل المسئولية :
وقد ظهرت هذه الخاصية بوضوح في ضوء الزيادة الواضحة لأعداد النساء المصابات بالرهاب أو الخواف Phobia وقد أوضحت الطبيبة النفسية (الكسندرا يموندز) من واقع ممارستها في نيويورك سيتي أنه بينما تبدو النساء خائفات من أن يتحكم في حياتهن أحد فإن هؤلاء النسوة كن بالفعل خائفات من أن يتسلمن زمام حياتهن الشخصية ويكن مسئولات عن أنفسهن، وأكثر من ذلك فإنهن يخفن من أن يحددن لأنفسهن اتجاهاً شخصياً; إنهن يخفين الحركة والاكتشاف والاتجاه نحو أي  شيء غير مألوف أو غير معروف لهن إضافة إلى الخوف من العدوان العادي والخوف حتى من السلوك المؤكد للذات .
ويمكن أن نعزو الرهاب أو الخوف المرضي عند المرأة إلى أنها تربت في ظل تنشئة والديه تتسم بالحماية الزائدة، وكما تقول(روث مولتون) - وهى طبيبة نفسية وعضو هيئة تدريس في جامعة كولومبيا وفي نفس الوقت إحدى المحللات النفسيات والتي اهتمت بدراسة سيكولوجية المرأة من الزاوية التحليلية النفسية - " إن الآباء كثيرًا ما يرعبون بناتهن عندما يلقون بأنواع قلقهم الخاصة عليهن، إنهم يقولون لهن أنه يجب عليهن ألاّ يرين رجال غرباء وينبغي عليهن أن يعودوا إلى المنزل مبكراً وأن يحذرن أن يضعن أنفسهن في موقف يتعرضن فيه للاغتصاب، وبذلك فإن حياة المرأة التي تعانى باستمرار من المخاوف تتجه إلى المضي في دوائر أصغر فأصغر".
    وتقول مولتون إنها اكتشفت أن مجموعة كبيرة من النساء المريضات لديها قد ارتعبن جدًا وشعرن بالوحدة بعد وقوع الطلاق وهن اللاتي طلبنه من البداية، وبدا الأمر كأن هؤلاء النسوة يعانين من حاجة قهرية إلى الرجل; وفى الحقيقة فان كل النساء الرهابيات اللاتي قابلتهن كن يتشاركن في وهم واحد مضمونه: إذا كان هناك رجل في المنزل حتى ولو كان نائمًا أو سكيرًا أو مريضًا فإن ذلك أفضل من البقاء في المنزل بمفردي.
وتقع كثير من النساء في صراع بين الرغبة
في الحماية من ناحية وما ترغب أن تجد نفسها عليه من ناحية أخرى وتصور(سيمون دى بوفوار) هذا الصراع في كتابها "الجنس الثاني" حيث أشارت إلى المخاطر التي يتعرض لها النسوة من تكريس حياتهن جدًا للمنزل حتى أنها تنسى وجودها الحقيقي وتستمر بوفوار قائلة: أن شئون المنزل بمهامها الدقيقة وغير المحدودة تسلم المرأة إلى نوع من الهروب الساديالماسوشي- من نفسها.

مظاهر العقدة

- التقليل من قيمة القدرات الخاصة :
أظهرت الدراسات أن البنات لديهن مشكلات فيما يتعلق بمجال ثقتهن بأنفسهن; دائما يقللن من قدر قدراتهن وعندما تعرض عليهن مهام مختلفة سواء كانت مهام مألوفة لديهن أم جديدة عليهن فإنهن يعطين لأنفسهن تقديرات أقل مما يفعل الذكور وقد أظهرت إحدى الدراسات أنه كلما كان ذكاء البنت مرتفعًا كان التوقع أقل في أن تكون ناجحة في الأعمال الذهنية وفى المقابل كانت البنات الأقل ذكاء لديهن توقعات أعلى لأنفسهن من البنات الأعلى ذكاء.
إن الثقة المنخفضة بالنفس هي لعنة الكثير من البنات ، وتؤدى إلى الكثير من المشكلات فتكون البنات قابلات للإيحاء بدرجة كبيرة ميالات إلى تغيير أحكامهم الإدراكية إذا ما تعارضت هذه الأحكام مع أحكام الآخرين، إنهن يحددن مسئوليات أقل لأنفسهن فبينما يرحب الصبيان بتحمل المسؤوليات الكبيرة تحاول الفتيات تجنبها تمامًا.
6- أنظمة التخسيس القاسية:
وهي من أعراض الاعتمادية والتي تؤثر على النساء بصفة خاصة وتتمثل في
مرض فقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa القهم العصبي) وهى ما تسمى زملة الجوع الشاذة The Bizarre Starvation Syndrome والتي تمارس فيها البنات الأنظمة الغذائية القاسية بهدف التخسيس كمحاولة جزئية ومتناقضة لتمارس التحكم والضبط في حياتها ويدخل في هذا النظام الغذائي القاسي 1% من مجموع البنات ومن هؤلاء البنات اللائي يمارسن هذا النظام يوشك 10% منهن على الموت.
7- الزوجات المُساءة معاملتهن:
وهذه فئة أخرى من ضحايا الاعتمادية العصابية وهن الزوجات اللاتي يتعرضن لمعاملة سيئة
Battered Wives وحقيقة أن كثيرًا منهم يعتمدن اقتصاديًا على أزواجهن الذين يضربونهن مما يزيد الأمور سوءًا، فالاعتمادية ليست انفعالية فقط، وبعضهن يصلن إلى مرحلة قلة الحيلة المتعلمة أو مرحلة العجز المتعلم Learned Helplessness وسوف نشير إليها عندما نتحدث عن عوامل العقدة وأسباب وجودها.
8- خيانة الأب:
يحدث مع كثير من النساء اللاتي بدأن في النجاح وشق طريقهن نحو الشهرة في الأعمال الذهنية والإبداعية أن يجدن أنفسهن في وضع يعجزن فيه عن الإبداع وذلك إذا ما تأثرت علاقتهن بآبائهن، وكأن الدعم الوالدي كان دافعهم الحقيقي وقد حرمن منه وبالتالي فليس هناك من جدوى أو قيمة للعمل أو الكفاح، إنها صدمة للمرأة ولاشك حيث تخبر على المستوى اللاشعوري في هذه الحال أن الاستمرار في العمل والنجاح خيانة للأب وكيف تتجرأ على أن تنجح وتنجز إنجازًا لا يرحب به الأب أو لا يوافق عليه أو أن يتجاوز أنجاز الابنة إنجازه هو؟ تذكر مولتون حالة سيدة جاءت لها بعثة دراسية إلى أوروبا وكان والدها رافضًا لسفرها ولكنها أصرت على رأيها وسافرت وبعد ذلك لم تعد العلاقة بينهما كما كانت وبعد عشر سنوات مات الأب وقد اكتشفت السيدة أنها فقدت الأب عندما خالفته لأول مرة في الرأي .
9- خيانة الأم :
لا تجد البنت الصعوبة من جانب الأب فقط ولكنها قد تجدها أيضًا من جانب الأم ، وكثيرًا ما تكون مطالب الأمهات أكثر إلحاحًا ومشقة في تنفيذها وبالتالي فإن كلا الوالدين يسهم في خلق الصعوبات التي تقف في وجه حصول المرأة على حريتها، وهناك نمط من الأمهات التي تميل إلى أن تكون اعتمادية على ابنتها كما أنها معتمدة على زوجها و قد تشعر بالذنب ولكنها لا تدعم جهود ابنتها للتحرك لحسابها وحسب ما تريد ابنتها .
10- رفض قيادة المرأة :
في العقود الأخيرة كان لعلماء النفس والتحليل النفسي -بصفة خاصة- وعلماء الاجتماع جهود كبيرة في دراسة حياة المرأة في كل أطوارها كطفلة وشابة وامرأة ناضجة في مرحلة منتصف العمر وتحولاتها فما الذي ظهر في الصورة النفسية الجديدة ؟؟ أظهرت الدراسات على سبيل المثال أن النساء لا تردن ولا ترغبن في الاعتراف بالنساء الأخريات كقائدات وفى إحدى هذه الدراسات قدم باحثون من جامعة ديلاوير إلى مجموعة مختلطة من المفحوصين شريحة تظهر رجالاً ونساء جالسين إلى مائدة مؤتمر وعلى رأس المائدة يجلس رجل وفى شريحة أخرى مجموعة مشابهة ولكن ترأس الاجتماع في هذه الحالة إحدى السيدات فوجدوا أن المفحوصين من الذكور والإناث اتجهوا إلى الشريحة التي تمثل الاجتماع الذي يرأسه الرجل . (ولكن لوحظ أنه في حالة ما إذا كان كل المشاركون في الاجتماع من النساء هنا فقط كانت تقبل قيادة المرأة )، المرأة تقرر أو تفصح عن مخاوف وعن حيرة أكثر مما تريد أن تعمل، إنهن يكن مشغولات جدًا بما إذا كن قد تصرفن على النحو السليم أم لا ؟
11- وجهة الضبط الخارجية :
عندما تحل النساء مشكلة رياضية صعبة على سبيل المثال فإنها قد تنسب نجاحها إلى قدراتها أو إلى الحظ أو إلى حقيقة أنها حاولت محاولة جادة أو أن المشكلة كانت سهلة، وطبقًا لنظرية الغزو أو نظرية وجهة الضبط فإن النساء أكثر احتمالاً في أن ينسبن النجاح إلى مصادر خارجية ، والحظ عامل من العوامل المرشحة بقوة في هذا الصدد.
وبينما لا تستفيد المرأة من نجاحها كما ينبغي فإنها تميل لنسبة الفشل إلى نفسها، أما الرجل فيميل إلى استدخال أسباب الفشل وطرحها على شيء ما أو على شخص آخر، فالنساء مختلفات عن الرجال في هذه المسألة فهناك الكثير من النساء لديهن استعداد لتقبل اللوم وتشربه كما لو أنهن قد ولدن وعليهن هذا القدر المكتوب من ارتكاب الأخطاء، وتخلط كثير من النساء بين تحمل اللوم فيما لم يخطئن فيه، وبين الإيثار والتضحية والرغبة في رؤية المناخ هادئًا ومستقرًا والنساء بخلاف الرجال يتلقين اللوم كما لو كن يستحقونه بالفعل .
12- الانصهار والاندماج في الزواج :
الانصهار
Fusion هو المصطلح الذي يستخدم في الأدب السيكولوجي الذي يصف العلاقات بين الناس بصفة عامة والعلاقات بين الأزواج بصفة خاصة، ويصف المصطلح الحال التي يكون فيها أحد الطرفين أو كلاهما خائفًا من أن ينفصل عن الآخر أو أن يبقى وحيدًا ومستعدًا للتنازل عن هويته الفردية لحساب بناء هوية مدمجة Merged Identity، مع ملاحظة أن الزوجات أكثر من الأزواج ميلاً إلى الانصهار مع الطرف الآخر.
إن الرغبة في الاندماج بشكل تعايشي مع الآخر لها جذورها الأصلية في الطفولة وفي الرغبة العميقة في إعادة الاندماج مع الأم ويرى بعض العلماء أن الراشدين الذين يحاولون الانصهار مع رفقائهم إنما يمثلون أو يعبرون عن دفعات نكوصية شبيهة بتلك الموجودة عند الرضيع، والتناقض الوجداني أو التذبذب نحو الاستقلال الذي يشعرون به يتجلى عندما  يرتعبون من الانفصال ومشاعر الاحتياج والوحدة، مع الرغبة في النمو بتحقيق المزيد من الاستقلال .
وفى مثل هذا الزواج الذي تكون فيه الزوجة مندمجة أو منصهرة على نحو قوي مع الزوج يبقى الزوجان منصهرين سنة وراء أخرى. وهما في هذه الحالة يبقون على المستوى السيكولوجي وكأنهم في مرحلة طفولية من النمو الانفعالي والاجتماعي وإذا كانت الزوجة في معظم الحالات هي الطرف الفعال في إنشاء هذه العلاقة الاندماجية فإن الزوج مسئول ولو بشكل جزئي في مجاراة هذا السلوك على نحو يبقي على هذه الرابطة، بل إنه يسقط في الشبكة التي تضعها زوجته له، فإذا كان خارج المدينة لعمل ما فإن عليه أن يهاتف الزوجة، وتحاول الزوجة بناء حياة اجتماعية بحيث تحيط أسرتها بمجموعة من الأصدقاء الذين تنتقيهم بعناية بحيث يرضون الزوج .
وقد لاحظت (جيسى برنارد) -وهى أستاذ علم الاجتماع- في كتابها مستقبل الزواج أن النساء القادرات على أن يقمن بشكل استقلالي بشئون حياتهن قبل الزواج يصبحن قليلات الحيلة في غضون مدة تتراوح بين 15-20 سنة بعد الزواج. وتشير إلى أن إحدى السيدات كانت تدير قبل الزواج وكالة سفريات وكانت الوكالة ناجحة بكل المعايير ولكنها تزوجت وترملت وسنها 55 عاما ،وعند هذه اللحظة لم تكن تعرف كيف تستخرج جواز سفر خاص بها، أو أن تواجه بقية تحديات الحياة . والجزء المقابل من هذه الأمثلة بالطبع هي أن الرجال كآباء وأزواج أقوياء قادرون على الحماية والقيادة .
إن النموذج يقول أن النساء هن الطرف المنوط به تربية الأطفال والعناية بهم ولكن النموذج لا يأخذ في حسبانه الجانب الآخر من الصورة الذي يحدث في بعض الحالات، وهى الحالات التي ينظر فيها النساء إلى الرجال متطلعات إلى نفس الحماية والدعم والتشجيع الذي يتوقعه الأطفال من آبائهم.
ولكن بعض هؤلاء النسوة سرعان ما يكتشفن بعد زواجهن بفترة قصيرة أن أزواجهن كأي أفراد آخرين، وأنهم في سبيل تحقيق أهدافهم الشخصية يشعرون بالقلق وعدم الأمن ويعانون من القصور والفشل في بعض الحالات، وتقول برنارد أن زوجات مثل هؤلاء الرجال إذ كن يحلونهم مكان الأب ولازلن يعتقدون أنهم قادرون على كل شيء فإنهن يصبن بخيبة الأمل والغضب.
وعندما تكتشف النساء أن الزواج لم يوفر لهن الأمان الحقيقي فإن حالتهن تكون هي الحالة التي تصفها الأغنية القائلة "أنت لا تستطيع أن تدير حياتك فهل تستطيع أن تدير حياتي أنا؟ "وتقول السيدة برنارد أن إحدى صديقاتها قالت وهي تشير إلى زوجها: "كيف يمكن لهذا الشخص المحمل بالأخطاء أن يكون مسئولاً عني".

13- الخوف من النجاح :
لقد عبرت (ماتينا هومر) -وهى من المهتمات بموضوع الخوف من النجاح عند النساء-عن أن النجاح عند المرأة وعند الرجل لا يعنيان نفس المعنى، وانتبهت إلى أن كل نوع يفهم النجاح بمفهوم خاص به يجعل كل منهما يسلك بحسبه على نحو مختلف عن الآخر، أقله أن النساء لا يتابعن نجاحهن بنفس الطريقة مثلما يفعل الرجال، وقد عرضت هومر في كتاباتها للعديد من نتائج الدراسات حول هذا الموضوع، كما قدمت نتائج دراستها الشخصية وأهمها أن النساء يعانين من هذا الخوف أكثر مما يعانى الرجال .
وقد اعتبرت هومر أننا يمكن أن نحكم بحالة الخوف من النجاح إذا ما أصدر المفحوصين استجابات على شكل عبارات وأقوال تدل على أنهم يتوقعون نتائج سلبية تتبع أي نجاح أكاديمي مميز، وتخص هومر النساء بهذا الحديث، تدور هذه النتائج السلبية حول الخوف من أن تكون المفحوصة مرفوضة من الناحية الاجتماعية، وأن تفقد استحقاقها وجدارتها بين الناس، أو أن تفقد الفرصة لأن يتقدم لها من يخطبها أو يتزوجها ويكوّن معها أسرة وبالتالي ينشأ الخوف من أن تبقى وحيدة أو غير سعيدة كل ذلك بسبب النجاح الذي حققته.
وقد لاحظت هومر أن النساء اللائي انحدرن من المستوى الاجتماعي والاقتصادي المنخفض واللائي عشن في أسر تلقت فيها الأم قدرًا أكبر من التعليم من الأب وكانت الأم تعمل خارج المنزل وتجتهد طوال حياتها وتحاول أن تحقق كلاً من مطالب الأسرة ومطلب العمل: لاحظت هومر أن بنات هذه الأسر لم يخبرن الصراع بين الإنجاز والأنوثة وهو أساس الخوف عند المرأة من النجاح لأنهن نشأن وقد رأين المتغيرين يتكاملان على نحو طيب في أمهاتهن وعلى أي حال فإن هومر أجرت مقارنة في إحدى دراساتها ظهر منها أن النساء سواء من الأصل الأبيض أو من الأصل الزنجي يخبرن القلق والخوف من النجاح أكثر مما يحدث مع الرجل الأبيض كذلك فإن نسبة 10% من الرجال البيض يخبرون الخوف من النجاح أكثر في حين أن 29% من النساء الزنجيات يخبرن هذه الخبرة، وتذكر أن نسبة الخائفات من النجاح في ازدياد من سنة إلى أخرى فقد كان متوسط من يعبرن عن الخوف من النجاح من النساء البيض في عام 1964 في حدود 65% وارتفعت هذه النسبة في عام 1970 إلى 88%.
ولنا أن نتساءل هل الخوف من النجاح يقلل من احتمالات النجاح الفعلية؟ ويبدو أن الإجابة الواضحة لهذا التساؤل بالإيجاب، حيث اتضح أن النساء قليلات الخوف من النجاح كي يهدفن إلى العمل الفني بعد الحصول على مرحلة البكالوريوس وإلى بناء حياة مهنية في علوم صارمة من الناحية العلمية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء أكثر مما حدث مع النساء مرتفعات الخوف من النجاح ومن هذه الزاوية فإن النساء قليلات الخوف من النجاح شأنهن شأن الرجال الذين تكون لديهم تطلعات عالية من شأنها أن تزيد قدراتهم الفعلية.
إن النساء يدفعن ثمنًا غاليًا لتعلقهن بشأن النجاح، وقد انتهت هومر وزملاؤها إلى أن النساء الصغيرات -القادرات- غالبًا ما يكففن أنفسهم عن البحث عن النجاح، وفى مواقف المنافسة المختلطة التي تحوى الجنسين فإنهن يؤدين بدرجة أقل مما يتناسب مع إمكانيتهن والعديد منهن يحاولن إنهاء محاولات تحقيق النجاح ويحاولن التقليل من مستوى أدائهن فيما بعد، وبالتالي فإن هؤلاء النسوة لا يخبرن حقيقة قدراتهن ومواطن تميزهن وقد يعانين من الاختلاط والقلق عندما يضطررن إلى تحقيق طموحاتهن المهنية، والبعض منهنَّ  ينسحبن من أي موقف يتضمن المنافسة .  

14- المشكلات المرتبطة بالنوع :
إن المرأة تقع في كثير من التناقض وتواجه المشاكل بسبب تغير المفاهيم المرتبطة بالنوع الذي ترتبط به وهو نوع الإناث وقد تكون على وعي بعناصر وأطراف المشكلة وقد لا تكون واعية جيدًا بأبعاد المشكلة وفي هذا القسم تشير السيدة دولنج إلى بعض هذه المشكلات مثل التناقض الحاد والذي يبدو أنه لا يجد حلاً بسبب الأدوار المختلفة في الحياة ومفاهيم النجاح عند كل من الجنسين فقد ارتبط هذا التناقض بمختلف الأعراض الجسمية النفسية التي تعاني منها النساء كثيرًا.

وتقول دولنج بلسان بنات جنسها: إننا لا نتقدم بل نعود إلى الوراء، ونحاول أن ننجز في عالم تنافسي ونحن غير مؤهلات لذلك إلا بأدوات تجميلنا ومساحيقنا ونتصور أننا ننجز، إننا ندع الرجل يفتح لنا باب السيارة أو يشعل لنا السيجار قائلين لأنفسنا ما الضرر في ذلك؟ ليس العمل في ذاته هو الضار ولكن الضار هو الشعور الذي يتجذر في مشاعرنا ومضمونه : "ما ألطف أن تكون موضوع الرعاية من جانب الرجل " .
وتريد معظم السيدات ببساطة أن يبقين مدللات من قبل الرجال باعتبار أن هذا الوضع يشعرهن بأنهن يتسمن باللطف والأسلوب الأنثوي، إنهن يحببن كثيرًا هذه اللمسات البسيطة من الحماية، ولكنهن في قرارة أنفسهن يردن تطبيق القانون أو المبدأ العالمي: "إنني أستطيع أن أكون جذابة وناجحة في نفس الوقت".
وتعلق السيدة دولنج على ذلك قائلة أن هؤلاء النسوة يضحكن على أنفسهن عندما يردن لأنفسهن الحماية ويردن في نفس الوقت أن يكن مستقلات تمامًا، إنهن في هذه الحالة مثل الذي يريد أن يقود السيارة بينما تكون الفرامل مشدودة في حالة عمل وإذا أردنا أن تتم الأمور على وجهها الصحيح فإن الإنسان ينبغي أن يكون عدوانيًا عندما يتطلب الأمر ذلك ، ويتطلب الأمر أيضًا من الفرد أن يناضل في سبيل معتقداته وما يعتقد أنه الصواب .
وتقول دولنج أن المرأة قد تنتهي إلى أن تعقد صفقة مع الرجل -ولو على المستوى اللاشعورى- مضمونها أن عليك أن تهتم بي في العالم الخارجي مقابل أن أهتم بك في العالم الداخلي (المنزل) وتذكر أن المرأة -حتى الناجحة مهنيًا- تحتاج إلى رجل يعطي اهتمامًا لما تشعر أو تعتقد أنه مهم لديها .
ولماذا يحدث ذلك ؟
تذكر السيدة دولنج أن النساء كثيرًا ما يعلنَّ أنهن يكرهن أن يعشن مع رجل بنفس الطريقة التي عاشت بها أمهاتهن مع آبائهن.. غبيات ، شاكيات ، في وضع لا يعكس الاستقلالية والحرية ، حاصلات على نقود كثيرة ولكنه إعلان زائف .
ومن الناحية الانفعالية - إن لم يكن من الناحية الذهنية- أن القرار بأن تعيش المرأة على عكس ما كانت تعيش الأم شيء مزعج ، فإن الأم ربما لم تكن تعيش الحياة المثالية أو الطيبة ولكنها على الأقل كما نعرف قد عاشتها .
إن البنت الصغيرة تكتسب مفهومها عن الأنوثة من ملاحظة سلوك الأم والنساء الأخريات القريبات منها والمحيطات بها فما الذي يحدث للنساء اللائي ينحرفن عن النموذج الذي مثلته الأم في الداخل؟؟
تشعر المرأة وكأنها طفل يتوقع أن شيئًا ما سوف يحدث إذا ما اتخذت هذه الخطوة نحو الاستقلال بعيدًا عن الأم وعن أسلوبها الخاص في الحياة، وتجد نفسها في موقف يثير الدهشة وتتساءل أين أجد الإشباع في الحياة إذا ما رفضت طريق حياة أمي، والمرأة التي ليس لها مثال للدور المناسب الذي تحتذيه في حياتها تكون في ورطة نفسية عميقة، فهي لا تريد أن تكون مثل أمها ولا تريد أن تكون مثل أبيها فمن إذن تكون مثله ؟ إن هذا الخلط في الهوية الجنسية أو هوية النوع أقسى المشكلات المرتبطة بالنوع .
15-
إنكار أن العمل داخل المنزل أكثر إشباعاً :
إن الرجل الآن يريد لامرأته أن تعمل عملين أحدهما خارج المنزل والأخر هو عملها داخل المنزل، فأغلبية رجال اليوم لا يريدون أن يرفعوا عن زوجاتهم إصر العمل في المنزل مقابل العمل الذي تتحمل أعباؤه خارج المنزل ، وتقول السيدة دولنج أنها لم تقابل مطلقًا امرأة لديها قدر معادل أو مناسب من المشاركة في عمل المنزل مع زوجها بصرف النظر عما إذا كانت تعمل خارج المنزل أو أن لديها أطفال أو أنها تكسب نقودًا أكثر مما يفعل وعندما تعود إلى المنزل تدير شئونه وتهتم بالأطفال . إن المرأة تعمل أكثر وهى تشكو من أنها لم تجد مساعدة من جانب الزوج .
إذن.. المشكلة لها علاقة بحاجات المرأة; وقد أجري مسح شامل لعدد من النساء العاملات سئلت فيه المفحوصات عما وجدنه أكثر إشباعًا من الناحية الشخصية العمل داخل المنزل أو العمل خارج المنزل ؟ فكانت الإجابة الأكثر تكراراً هي : العمل داخل المنزل .
وتقول السيدة دولنج أن التحدي الأكبر الآن أمام النساء ليس أن تجعل المرأة زوجها يعمل أكثر، بل أن تعمل هي وأن تكسب مقدارًا من المال مساويًا لما يكسب ولا تستسلم أو تتخلى عن الطقوس المنزلية التي تجعل بيتها جميلاً وأنيقًا وتجعلها على المستوى الشخصي جذابة وأنثوية .
إن المرأة استمرت في أداء دور راعية المنزل سواء كانت تعمل خارج المنزل أو لا تعمل لأنها مازالت تشعر ولو على المستوى اللاشعورى أنها اعتمادية على زوجها، ومن هنا يكون حرص المرأة على الأسرة أكثر من حرص الرجل .
إن الأمان في ظل الزواج يتحقق لأنه يتيح للمرأة أن تكون مرغوبة ومحبوبة وأن ييسر لها في نفس الوقت أن تحب الآخر، لذا فإن الرجل ينظر أحيانًا إلى عمل المرأة -خاصة إن لم يكن لأسباب اقتصادية- نظرة غير مريحة لأنه يتضمن احتمالية التباعد بين الزوجين، ولكن الملاحظ في معظم الحالات أن المرأة تضحي بالعمل إذا ما تعارضت في مقتضياته مع مقتضيات الأسرة لتبقى زوجة وربة بيت متفرغة لبيتها.
خامسًا: العوامل التي تسهم في ظهور المشكلة (العقدة) :
وبعد أن تناولنا أهم مظاهر عقدة سندريلا كما عرضتها كوليت دولنج وكما استخلصناها من ثنايا الكتاب، فإننا سنحاول في هذا القسم من الدراسة أن نستخلص أسباب وعوامل نشأة عقدة سندريلا، علمًا بأن هناك خلطًا شديدًا بين ما يمكن أن نعتبره مظاهر وما يمكن أن نعتبره عوامل، والمؤلفة لم تصنف كتابها على هذا النحو بل سردت أفكارها سردًا أقرب إلى السرد القصصي، لذا فقد عمد كاتب الدراسة الحالية إلى هذا التصنيف كنوع من العرض المنهجي لتصل الأفكار الخاصة بالعقدة على نحو علمي بمنهج قد يثير عند البعض الرغبة في دراسة بعض جوانب هذه العقدة .
وعلى أية حال فإن حديث(كوليت دولنج)عن عوامل عقدة سندريلا كله يرتبط بالتنشئة الاجتماعية فهي لم تتحدث عن أية عوامل جبلية أو جينية وإنما حديثها كله عن عوامل التنشئة والتربية فكل من الصبيان والبنات يربى بطريقة تحدد دوره في المجتمع، ففي الوقت الذي يتعلم فيه الصبي الاستقلالية والاعتماد على الذات في المنزل بالدرجة الأولى ثم في المدرسة وبقية مؤسسات المجتمع، تربي البنت على أن تكون اعتمادية وأن آخرين سيتولون رعايتها.. ومعالجة كوليت على هذا النحو توحي بأنها تنكر أية عوامل بيولوجية في الفروق بين الجنسين وان كانت لم تذكر ذلك أو أي شيء  قريب منه طوال الكتاب.
وسنحاول في هذا القسم أن نكمل الحديث عن العوامل كما استخلصانها من المؤلفة في ثلاثة نقاط وهي: ما يسمى بزملة ولادة طفل آخر والنشأة الاجتماعية وقلة الحيلة المكتسبة، وسنعرضها بتركيز ثم نعقبها بتعليق مختصر من كاتب الدراسة :

1- زملة ولادة طفل آخر :

زملة ولادة طفل آخر
Have-Another-Child-Syndrome تعنى الانسحاب من الحياة العامة والعودة إلى المنزل والتي قدمت هذا المصطلح هي الدكتورة (روث مولتون)، وتذهب مولتون إلى أن النساء- حتى المتفوقات منهن- يتعمدن أن يحملن كي يتجنبن القلق والصراعات التي تبدأ في الازدهار وازدياد العبء اللازم لإدارتها والإشراف عليها.
وبالنظر في جدول ممارسة د. مولتون لعملها مع مرضاها في السنوات الأخيرة اكتشفت د. مولتون أنها تستطيع أن تحصر ببساطة ما يقرب من عشرين سيدة ممن تتراوح أعمارهن بين سن العشرين وسن الأربعين من اللاتي استخدمن الحمل كوسيلة للهرب من مسئوليات العالم الخارجي وتطلق د. مولتون على هذه الزملة تربية الطفل الإجبارية
Compulsive Child Rearing وتعنى بها: البحث عن الأمومة ليس لإشباع دوافع الأمومة في ذاتها وإنما لدوافع الهرب من مسئوليات الضغوط والتوترات المرتبطة بالعمل خارج المنزل.  وحتى هذه الزملة يمكن النظر إليها على أنها من مظاهر العقدة وليس من أسبابها مما يشير إلى الخلط والتداخل بين المظاهر والعوامل التي أشرنا إليها.

2- التنشئة الاجتماعية:
لم تتحدث كوليت دولنج عن التنشئة الاجتماعية بشكل منظم بل أن الكتاب مليء بالعبارات والأفكار المتناثرة حول دور التنشئة الاجتماعية بصفة عامة والتنشئة الوالدية بصفة خاصة في نشأة هذه العقدة عند البنت- مما قد اشرنا إلى بعضه عند حديثنا في بداية الدراسة عن إبعاد المشكلة وتشخيصها- فالصبي ينبغي أن يعتمد على نفسه لأنه سوف يتعامل بالدرجة الأولى مع العالم الخارجي وما يتضمنه من تحديات ومخاطر ونزعات عدوانية وبالتالي فلابد أن يُجَهز وأن يُعدّ لهذه الحياة من حيث تعويده الاستقلالية والاعتماد على النفس وعلى مقارعة الآخرين وعلى استخلاص حقه بكل الوسائل بما فيها استخدام القوة والشدة.
أما الفتاة، فهي تعيش حياة مختلفة تمامًا، وبالتالي فهي ليست بحاجة إلى تعلم الكثير مما تحرص الأسرة على تعليمه للصبي، فهي في كنف الأسرة ورعايتها حتى تتزوج فتنتقل حمايتها إلى زوجها الذي يكون مسئولاً عنها; وعلى ذلك فهي في حماية دائمة وعليها المسئوليات الداخلية للأسرة وهى العناية بالمنزل وتربية الأطفال مقابل أن يتولى الزوج الإنفاق على الأسرة فكأن المسئولية قد قسمت بينهما على أساس أن الزوج يكافح خارج المنزل والزوجة تكافح داخل المنزل .
وتقول كوليت دولنج ما نعرفه على أن القسمة في المسئوليات بين الزوجين لم تعد كما بدأت أن أحد الزوجين يعمل خارج المنزل والآخر يعمل داخل المنزل، فإن كانت الزوجة قد خرجت للعمل خارج المنزل، فهذا لم يقلل كثيرًا من أعبائها داخل المنزل، بمعنى أن الزوج لم يشارك في الأعمال المنزلية بقدر إسهام الزوجة في العمل خارج المنزل خاصة إذا كان الزوج يدرك أن خروج زوجته للعمل لا يتم بهدف تعزيز ميزانية الأسرة وإنما لتحقيق ذات الزوجة ولتشعر أنها تؤدي أعمالاً هامة أو لأن الأعمال المنزلية لا تكفيها أو لا تشعرها بقيمتها .

3- تعليم قلة الحيلة المكتسبة :
        قلة الحيلة المكتسبة أو العجز المتعلم
Learned Helplessness من نتائج عملية التنشئة الاجتماعية وتعني أن الطفل قد يعيش ظروفًا يتعلم فيها أن يكون عاجزاً كأن يحمل أعباء فوق طاقته دائمًا أو أعباء لم يعد يتحملها أو أن يعاقب باستمرار على كل المحاولات التي تصدر في موقف معين فينتهي إلى حالة اللاسلوك والعجز .
وتزعم كوليت دولنج أن البنات يتعرضن في تربيتهن المبكرة من الأسرة إلى أن يتعلمن قلة الحيلة في مواقف معينة وهى مواقف المواجهة والتحدي والعدوانية وهى المواقف المرتبطة بالعمل خارج المنزل أما المواقف الداخلية في الأسرة فإنها لا تتضمن هذه النزعات وبالتالي فإن البنت ليست في حاجة إلى تعلم المواجهة والتحدي والعدوانية مادامت ستكون في رعاية شخص آخر يتولى حمايتها والدفاع عنها، ولذا تميل الأمهات إلى زيادة ارتباط البنات بهن ولا تفعلن ذلك مع البنين ، يشجعن الاستقلالية عند أبنائهن الذكور ولا يفعلن ذلك مطلقًا مع بناتهن .والدراسات النهائية لكل من جيروم وكيجان وميوسن تبين أن البنات ينمين اتجاهات سلبية إزاء بعض البالغين ، وفى نفس الوقت ينمين اعتمادية عليهم، وأن هذين الاتجاهين يستمران مع البنات حتى سن البلوغ ويقول العلماء أن هذين العاملين يكونان أكثر عوامل الشخصية ثباتًا، وبالتالي فهما أكثر قابلية للتنبؤ بهما في كل سمات شخصية الأنثى.
والبنت لا تستخدم نموها المطرد في الاستقلال عن الأم أو إشباع دافع السيطرة والتمكن ولكنها تستخدم هذا النمو في الحصول على موافقة الآخرين وخاصة الأم وتكون حريصة على أن تفهم وتلبي مطالب الكبار وأن تكون مطيعة لهم وهذه التوجهات السلوكية من البنت هي التي تتوقعها الأسرة وتعززها بقوة وترفض أية سلوكيات متناقضة مع هذه السلوكيات ويحدث أن الأم تسلك مع البنت التي تثور وتتمرد -إذا حدث -على نحو يستوعب الموقف ويحاصره ولكن لا تفعل ذلك مع ابنها حتى لو كانت ثورته أو تمرده أشد .
وبعبارات أخرى فالبنات يتعلمن أن النجدة والمساعدة تأتي بسرعة إذا ما صرخن طلبًا لها، والأمهات تعرف أن صراخ الفتيات يتوقف بمجرد الجري لمساعدتهن. ولكن هذا لا يحدث مع الذكور ،لأنهم تعلموا أن يكونوا أصلب عودًا، وكثير من الفتيات يتعلمن قلة الحيلة أو العجز في ظل هذه التربية. وقد حاولت (ديانا فولنجستاد) من جامعة جنوب كاليفورنيا علاج بعض مرضاها من النساء المُساءة معاملتهن بمحاولة محو التعلم الذي تعلمنه وهو تعلم قلة الحيلة، وكانت تعلمهن أيضًا في برامجها العلاجية تنمية وجهة ضبط داخلية، بمعنى: أن تتعود المرآة أن تنسب الأعمال الناجحة إلى قدراتها وإمكانياتها وليس إلى الحظ أو الصدفة، ولا تنسب الأعمال غير الناجحة إلى نفسها، لأن هذا من شأنه أن يزيد ثقتها في نفسها وفى إمكانياتها وفى أنها لا تقل قدرة عن الآخرين.
تذكر(كارول جاكلين) -من قسم علم النفس بجامعة ستانفوردان - أن الدراسات الحديثة تدل على أن قلة الحيلة المكتسبة تعلم لبناتنا في المدرسة الابتدائية أيضًا من جانب المعلمات فالمعلمات يقلن أشياء طيبة عن الصبيان فيما يتعلق بتحصيلهم الأكاديمي وأشياء سيئة عن سلوكهم مثل إلقاء الطباشير وعمل الضوضاء أما البنات فيحصلن على التدعيم اللفظي التهنئة والشكر على أعمالهن غير الأكاديمية وكيف أنهن نظيفات أنيقات مطيعات جميلات وأشياء من هذا القبيل، وتؤكد على أن البنت تجد تدعيمًا هائلاً من المحيطين بها عندما تطيع وتذعن فلم إذن تغامر إذا استطاعت بفقدان كل هذا التقدير والتدعيم التي تتمتع به وهى مطيعة ومستجيبة .
الخلاصة
هذه هي الأفكار الأساسية لكتاب (عقدة سندريلا، خوف المرأة الخفي من الاستقلال) ولنا ملاحظات أولية نوجزها فيما يلي،خاصة وأن الكتاب يعالج قضية لها جوانبها الثقافية والاجتماعية ومن هنا ينبغي التنبه إلى هذا البعد رغم الطابع العالمي للمشكلة والذي يمكن أن ندركه بوضوح بين مجتمع متقدم مثل المجتمع الأمريكي والمجتمعات النامية ويمكن أن نتعامل مع أفكار الكتاب وفى أذهاننا اعتبارات من قبيل الاعتبارات الآتية والتي يمكن أن نصيغها على شكل تساؤلات تبين الفروق الثقافية في تفاصيل الصورة وإن تكن في مجملها ذات طابع عالمي:
- هل الميل أو الدافعية إلى العمل خارج المنزل أقوى عند المرأة العربية مما هو عند المرأة الأمريكية؟
- هل تخطت المرأة العربية مرحلة المخاوف اللاشعورية من الاستقلال و أصبحت قادرة على تحقيق الاستقلال على أسس صحيحة بخلاف المرأة الأمريكية التي تحدثت عنها د. كوليت دولنج ؟
- ماذا عن المرأة العربية التي تشارك زوجها في العمل في أداء بعض الأعمال إضافة إلى أعبائها المنزلية وبعضها لها جانب إنتاجي اقتصادي؟ وهل تشعر هذه المرأة بالدونية والهامشية في الحياة قياسًا إلى الرجل؟ أم أنها تقوم بدورها في الحياة في كل المجالات المتاحة لها بدون إهمال أو تقصير وبدون مشاعر نقص أو دونية؟
- هل تشعر المرأة العربية على الإجمال بهذه العقدة؟ وإذا كان ذلك صحيحًا فهل تتساوى في ذلك المتعلمات تعليمًا عاليًا مع من لم يتلقين تعليمًا نظاميًا ؟ وهل تتساوى في ذلك العاملات خارج المنزل مع ربات البيوت اللائي لا يعملن خارج بيوتهن ؟
- وهل لنا أن نتساءل إذا كانت هذه العقدة مرتبطة بادوار كل من الرجل والمرأة في الحياة ؟ وإذا كان البعض يتصور أن الأدوار التي يجب أن يقوم بها كل من الرجل والمرأة وحدها هي السبب -وهى وجهة النظر التي يبدو أن المؤلفة د. كوليت دولنج تصدر عنها وإن لم تصرح بذلك - فماذا عن الاختلافات التشريحية والبيولوجية بين الرجل والمرأة والتي قد يترتب عليها اختلافات سيكولوجية توصِلُ إلى اختلافات اجتماعية تفعل فعلها في أدوار كل من الرجل والمرأة في الحياة؟
- وأخيرًا وليس آخرًا لنا أن نتساءل هل الأمر بين الرجل والمرأة أمر اختلاف وتباين يؤدي في النهاية إلى تكامل؟ بمعنى أن هناك أدوارًا ووظائف يقوم بها كل نوع بحيث تكمل الأدوار والوظائف التي يقوم بها النوع الآخر ، وأنهما يقومان بهذه الأدوار والوظائف في إطار مظلة واحدة تجمعهما وهى الأسرة فيستفيد كل منهما ويجد إشباعاته، كما تكون محضنًا مثاليًا للأطفال ولتوفير تنشئة سوية صحيحة لهم؟ أم أن الأمر بين الرجل والمرأة أمر تشابه وتناظر في الأدوار والوظائف بحيث يمكن أن يحدث بينهما تنافس (أيهما يؤدي بشكل أفضل) مما قد لا يوفر لأي منهما أو للأطفال بيئة مشبعة ملبية لحاجاتهم جميعًا ؟.

عودة للرئيسية