بهذه الكلمة قدم آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله لكتاب الدكتور 

النابلسي المعنون " سيكولوجية السياسة العربية" الصادر عام 1999


بسم الله، والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد...

تمثّل المعرفة سلاحا" ضروريا" تحتاجه الأمة في مواجهة مختلف التحديات والصراعات التي تعترض مسار تطورها ونهضتها، فالواقع شديد التعقيد، وللصراعات أكثر من وجه وخلفية، ولا سبيل لنا لتقديم العلاج الناجح لها إلا العلم بطبيعة المشكلات التي تأخذ على صعيد المجتمعات مظاهر سياسية واجتماعية وثقافية ونفسية.

وحسنا" فعل الكاتب الأستاذ الدكتور محمد أحمد النابلسي في تناوله واحدة من هذه المشكلات الحساسة والحيوية في آن، باعتبارها تتناول الأزمات السياسية الراهنة للمجتمع العربي والاسلامي وتحليلها من منظار نفسي، ولا شكّ أن دخول هذا الميدان الشائك جديد نسبيا" من جهة قلة الأبحاث النظرية التي تطرقت إليه، وغيابه عن واجهة التداول الفكري والأكاديمي في العالم العربي.

وفي رأيي أن من الضروري للغاية، أن يستفيد مفكرونا وكتابنا وباحثونا، حين تحديد المشكلات أو معالجتها، من انجازات العلوم الإنسانية التي حققت تقدما" ملحوظا" في مسارها العلمي، وإن كنت أحذر من التقليد الأعمى لتلك المناهج والنظريات المتعلّقة بهذه العلوم، لأسباب تعود إما لكونها تعالج مشكلات مجتمعات تختلف إلى حد كبير عن مشكلات مجتمعاتنا، بفعل طبيعة الاختلاف الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والنفسي، وإما لكون بعضها ما زال في إطار النظريات التي تحتاج إلى مزيد من التطوير والتعميق، حتى تدخل في عداد الحقائق الانسانية، بحكم طبيعتها النسبية.

ودعوتي، في هذا المجال، لكل العاملين في الشأن الفكري، توخّي الحذر في أبحاثهم، والتسلّح بمنهج الشك في التعاطي مع الأفكار والنظريات، والمراجعة النقدية الدائمة لها من خلال اختبارها على أرض الواقع. وعلى ضوء هذا، أتفق مع الكاتب في إشارته إلى " عجز الباحثين العرب عن دراسة الكوارث التي حلّت بالأمة وعدم الافادة من تجاربها "، وهو ما يبيّن أن ما قدّم من أبحاث على هذا الصعيد، لم تكن بمستوى التطلعات المطلوبة، وهذا امر خطير يؤدي إلى مضاعفات سلبية تتفاقم من مشكلاتنا، فبدل من أن نقدم أسلوب الحل وطريقة العلاج، إذ بنا نوجد مشكلة إضافية قد تكون أخطر.

وأعود إلى الكتاب لأرى أن دراسته في فهم الظاهرة السياسية، من خلال التعرف على جذورها النفسية في التكوين الجماعي أو الفردي، يضيء زوايا معتمة من المشهد الواقعي لحال الأمة في حركة تطورها، وينخرط في صراعها المعاصر ضدّ قوى الاستكبار العالمي والكيان الصهيوني، آملين أن يتطور البحث في هذا الميدان، وأن يغتني عبر تلاقح الأفكار، والنقد الايجابي، حتى تشكل مثل هذه الدراسات دليلا" علميا" وعمليا" يرشد خطواتنا في عملية التنمية والنهضة ومواجهة التخلّف، مع التقدير الكامل لجهد المؤلف على هذا الكتاب، والدعاء له بالتوفيق.

                              محمد حسين فضل الله