مشاريـع علميـة علـى الكفاف تتعطـل

بهذا العدد تكمل  (الثقافة النفسية المتخصصة)عامها الثاني والعشرين،  متخلية عن طموحات ثبت لا جدواها بعد هذه التجربة التي عايشت كل مظاهر الإهمال، وكل تناقضات الواقعين اللبناني والعربي، وأزماتها التي تفجرت عبر ينابيع الغضب الشعبي، بغض النظر عن تقنينها في المسارات الصحية، أم لا...

   ...تحملنا أعباء إصدارها على مدى اثنين وعشرين عاما دون جدوى. الملابسات والتفاصيل وانعكاسات هذا العمل علينا كانت معيبة، ومدعاة للتجاهل،  من منطلق الحديث الشريف " الكريم من كتم إهانته".

  ... المجلة العلمية ليست مشروعا تجاريا ناجحا، ولا يمكنه أن يكون كذلك، وهي دون جدال مشروع لا يتوخى الريح، لكنه يحتاج إلى تمويل. ولعل من المفيد عرض تجربتنا في مجالات الحصول على التمويل علها تفيد مشاريع عربية شبيهة قد ترى النور مستقبلا، حيث تفيد تجربتنا بانسداد قنوات التمويل التي تحفظ للعمل كرامته....
محمد احمد النابلسي – الثقافة النفسية المتخصصة : العدد الأخيـر

هي منارة طبنفسية وعلمنفسية أشرقت نجمة ساطعة في سماء الاختصاص زمن الكسوف، كانت بدايتها أول التسعينات و كان لقائي الأول بها في "عددها الربع" على هامش معرض تونس الدولي للكتاب، كنت تلقفتها باهتمام بالغ و انا الحديث عودة من فرنسا، المتلهف لكل ما هو عربي على مستوى الاختصاص... من ذلك التاريخ،  بدات رحلتي مع المجلة و رئيسها، تابعتها على مدى كامل سنوات صدورها، أعترف بفضلها الكبير عليّ، سواء على مستوي اثراء زادي المعرفي واللغوي العربي في العلوم النفسية او على مستوى اطلاعي على واقع الاختصاص في البلاد العربية، وبحكم وعلاقتي المميزة  برئيس تحريرها، كنت مدركا العنت الكبير الذي يلقاه بداية كل فصل لاصدارها في موعدها،  وكنت على اطلاع  ببعض الصعوبات و المعوقات التي تعترضها/ اعترضتها،  و ما يصله من نقد قد يتجاوز أحيانا الموضوعي الي التجريح الشخصي المحبط،  و الذي أعتقد انه بلغ مداه عند دعوته الى تأسيس "المدرسة العربية للعلوم النفسية" من خلال ابراز الخصائص المميزة للسيكولوجيا العربية انطلاقا من الممارسات النفسية في البلاد العربية، كان ذلك زمن تأسيسه لمؤتمر أول تحت شعار " نحو علم نفسي عربي" و ثاني " مدخل الى علم نفسي عربي" برعاية " مركز الدراسات النفسية و النفسية الجسدية "،  ولم يكن ذلك ليوهن من عزمه و اصراره، فتراه يواصل عمله الدؤوب متحصنا بايمان عميق بأهمية مشروعه الذي يؤسس له، متحليا بما انعم الله به عليه من قدرة على الحلم والصبر والمصابرة و الإصطبار...

   كانت قناعته كبيرة بما يؤسس له رفعة بالعلوم النفسية و رقيا بخدماتها حتى ترقى اللياقة النفسية المتدنية لإنساننا العربي المطحون، كنت أتوقع أن لن تمضي سنوات قلال إلا و يتجمع أهل الاختصاص حول هذا المشروع  (الذي بدأ بامكانات شخصية محدودة ) و يقدمون له الدعم الكافي حتى يواصل اداء رسالته و يبلغ  اهدافه، كان الأمل كبيرا في ان يلقى من الاهتمام ما هو جدير به، ان لم يكن عاجلا فآجلا...

و تمضي السنوات عجافا... الأبحاث و الدراسات العلمية شحيحة،  الدعم المؤسساتي و الجمعياتي و الفردي شبه مفقود، دور نشر جشعة،  بريد ذو تكلفة مرتفعة...  و مع كل هذا  يأبى الأمل أن يخبوا  و الحلم أن ينطفأ... وكان ان تحمل رئيس تحرير" الثقافة النفسية المتخصصة"  لوحده وعلى مدى 22 عاما، اصنافا شتى من التحديات، بداية من التجاهل و التهميش الى حدود محاولة الإلغاء، و لعل ما شاهدته  خلال مؤتمر "اتحاد الأطباء النفسانيين العرب" ببيروت و الذي انعقد برعاية الجمعية اللبنانية للطب النفسي، خير دليل  على هذا حيث كان غيابه/تغييبه علامة فارقة في هذا المؤتمر...  مما دفع عديد الزملاء الى طرح نقاط الإستفهام بقيت لحد اليوم بلا اجابة...).

 وتمر السنوات عجافا،  و يتحول إصدار المجلة عبئا حقيقيا لا يتحمله إلا أولى العزم... و كان "سيزيف" يعاود رفع الصخرة كلما تدحرجت و هوت من أعلى التل... الى ان و صلني العدد الأخير/النهائي، اذي استهل بــ: "افتتاحيــــة الختـــام" اعلن من خلالها البروفيسور محمد احمد النابلسي "انطفاء المنارة"  و تخلية عن "طموحات ثبت لا جدواها بعد تجربة عايشت كل مظاهر الإهمال..." و بعد " تحمل أعباء إصدارها على مدى اثنين وعشرين عاما دون جدوى" أمام " انسداد كل  قنوات التمويل التي تحفظ للعمل كرامته"، و بكل مرارة  و كبرياء و عزة نفس يعلن بصمت تخليه عن المشروع/الأمل/الحلم" مذكرا قراء المجلة بالحديث الشريف " الكريم من كتم إهانته"، مكتفيا بقوله أن "ملابسات وتفاصيل وانعكاسات هذا العمل كانت معيبــــــــة..."

    و عندما أدرك النابلسي ان مشروعه دخل نفق الدائرة المغلقة،  خلص الى ان مواصلة تحمل كل هذه الضغوط لا يعدو ان يكون معادلا مازوخيا يربأ بنفسه أن يقع فيه... وكان ان أعلن بكل جرأة و مسؤولية "تخليـــه عنـــــه"،  مترجلا من على صهوة عقدين من العطاء في رحاب" الثقافة النفسية المتخصصة"... لتدخل تجربته التاريخ من أوسع أبوابه، عله يستفيد منها من  سعى/ يسعى يوما لتأسيس هكذا مشروع علمي في أوطاننا... يترجل منتصب القامة مرفوع الرأس، حسبه شرفا ما انجزه للعلوم النفسية العربية على مدى 22 عاما كاملة.
  سيبقى أ. د. محمد احمد النابلسي علامة فارقة على مستوي الاختصاص... كفاه فخرا ما حققه وما انجزه  رقيا بالعلوم النفسية العربية،  وما قدمه من اثراء للمصطلح النفسي العربي،  وما احدثه من دينامية بين اهل الاختصاص. و لعلى لا اكشف سرا  عندما اعلن أن " شبكة العلوم النفسية العربية" ما كانت لترى النور لولا دعمه اللامحدود، لقد رعى مسيرتها عن قرب وهي في خطواتها الأولي، ليكتفي لاحقا بعد "اشتداد عودها" بمراقبتها عن بعد، دون يبخل يوما عليها بالرأي و النصح اذا دعا الداعي...

لقد أثار انطفاء منارة علمية بحجم" الثقافة النفسية المتخصصة" ، أشجان تعز على الوصف لدى" أسرة الشبكة "، ليعز علينا مواصلة  المشوار و نحن نفتقد رفيقة درب اضاءت لنا الطريق... آملين وقد طالتنا أيضا مظاهر الإهمال العربي الا نتخلى عن طموحاتنا التي نشترك فيها معا ( التي ثبت للبروفيسور النابلسي لا جدواها )، فهل نتمسك حقا بخيط أمل واه، قد يكون ذلك صحيحا قبل بزوغ فجر الربيع العربي، أما و نحن نشهد عودة نبض الحياة في شعوبنا بعد أن صادر طغاة حقهم في حياة حرة كريمة... فإن الأمل يشرق فينا من جديد، فيمدنا بالطاقة لمواصلة درب نعتقد انه الموصل الى رقينا و عزتنا، نواصل الدرب ما سمحت إمكاناتنا الذاتية ( إن تواصل غياب الدعم ) و ما ادام الله علينا نعمة الصحة و العافية... و اذا اتى يوم و قدر أن تنطفئ منارة  الشبكة، سننسحب بصمت على خطى النابلسي، وحسبنا شرفا ما قدمناه من اضافة رفعة بالعلوم النفسية العربية.  و كانا امل ان يواصل المسيرة جيل عربي جديد يكون اكثر حضا في زمن عربي افضل .

     أسمى آيات التقدير والاعتراف  للبروفيسور محمد أحمد النابلسي لما حققه  وأنجزه... جزاه الله عنا خير الجزاء و كتب ما قدمه في ميزان حسناته...  أعتقد أن ستضل بصمة "الثقافة النفسية المتخصصة" علامة فارقة على مستوى العلوم النفسية العربية، آملا ان يوفر  تخلص النابلسي  من عبء  إصدار المجلة،  مجال أوسع للحركة والإبداع. وما "إصداره الأخير" الثورات الملهوفة" بعد 6 أشهر من اندلاع ثورات الربيع العربي إلا أحد أوجه هذا الإبداع.

      حفظه الله البروفيسور محمد احمد النابلسي و رعاه و نفع به و بعلمه عباده.

د. جمال التركي

رئيس شبكة العلوم النفسية العربية