عقد إتحاد الكتاب العرب في اللاذقية ندوة بعنوان " الواقع العربي والتحديات التالية لإحتلال العراق " وشارك فيها الدكتور محمد احمد النابلسي والأستاذ طوني فرنسيس ( جريدة صدى البلد ) والأستاذ سليم عبود ( رئيس تحرير جريدة الوحدة) وفي ما يلي نص كلمة الدكتور النابلسي التي تضمنت عرضاً لكتاب نداء الخدمة / رؤيتي من أجل أميركا أفضل للمرشح جونن كيري.

 

المشهد السياسي العربي بعد قمة تونس

       عندما تبلغ أمة ما هذا المستوى من القوة فأنه من غير المستبعد أن تفقد حكمتها وعدالتها وإتزانها لتصبح خطراً على البشرية فتفقد قوتها. لكنها قد تستعيدها لو هي عادت إلى هذه الفضائل.                                                         جون ادامز 1778

       إنه غرور القوة وجنون العظمة المتأتي من القوة اللذان قصدهما آدامز. وتيار الصقور الأميركي يرتكز إليهما في مشاريعه. حيث تتمحور هذه المشاريع حول مبدأ : ضرورة حصول أميركا على سطوة دولية تعادل قوتها العسكرية.

النتيجة كانت رغبة أميركية جازمة بإلغاء مباديء الشراكة الإستراتيجية وإستبدالها بمبدأ التبعية. فكان الطلاق مع أوروبا وخسارة الولايات المتحدة لأصدقائها على يد الإدارة الحالية. وكانت الخسارة أكبر مع إنفجار الأنثروبولوجيا في وجه هذه الإدارة. حيث بدت الإنسانية غير راغبة بإهمال خصوصياتها وتنوعاتها. وها هي أميركا قد إحتلت العراق دون أن تتمكن من تثمير هذا الإحتلال.

هنا تظهر واحدة من أهم المسافات الإستراتيجية الخفية حيث النصر العسكري عاجز عن تكريس الإنتصار. فهذا الأخير يكون من حظ الأكثر تصميماً وربما الأقدر على التسبب بالأذى. وهي المسافة التي يحاول بوش إخفاءها لغاية إجتيازه فترة الإنتخابات.

في وطننا العربي فإن كل الإشكاليات ترتبط مباشرة بالخلل الطاريء على العلاقات العربية الأميركية من خلال سلوك الإدارة الحالية. الذي قوض المعادلة السابقة لهذه العلاقات. إذ تخلت هذه الإدارة عن أصدقائها العرب وهددت المحاصرين منهم بضمهم الى لائحة محور الشر. ولو نحن راجعنا الإشكاليات الإستراتيجية العربية الراهنة لوجدنا أنها تعمل كلها بمحرك أميركي. بدءاً من إحتلال العراق والفوضى الإستراتيجية المصاحبة له مروراً بمشاريع تهجير الفلسطينيين وأزمات الجامعة العربية بقممها ومنظماتها الإقليمية وصولاً الى التدخل الأميركي المباشر في الشؤون الداخلية للدول العربية وفرض العقوبات عليها. بما يطرح السؤال حول مدى تأثر هذه الإشكاليات العلائقية ( العربية الأميركية ) بالإنتخابات الأميركية القادمة؟.

قبل إبداء الرأي بهذه الإشكاليات التي تزداد تعقيداً نرى العودة واجبة الى يوم 26 نيسان من العام 1999 وهو يوم توقيع الدول الأطلسية على تعديل ميثاق حلفها. ففي تلك الفترة كان كلينتون قد بدأ يتحول الى بطة عرجاء وبدأت أجواء التوقع تميل نحو المرشح الجمهوري بوش ونحو فريق ريغان من المتطرفين اليمينيين ( المحافظون الجدد ). الذين بدأوا بممارسة نفوذهم وضغوطهم رغم ممانعة كلينتون ومواجهته لهم.

      ففي مناسبة اليوبيل الذهبي للحلف تم الاتفاق بين دوله على ادخال تغييرات جذرية في استرايجيته. خاصة بعد فقدان بند اساسي من بنود الاستراتيجية القديمة لأية دلالة. وهو البند الذي يشير الى ضرورة الحفاظ على التوازن الاستراتيجي مع دول حلف وارسو (تم الغاء هذا البند بسبب زوال حلف وارسو). اما عن الاستراتيجية الجديدة فانها تسمح للحلف بالتدخل في دول اوروبية غير اعضاء فيه (كان ذلك يهدد بحرب عالمية ايام الحرب الباردة). وايضاً فان الحلف ضمن لنفسه حق التدخل في مناطق خارج اوروبا مثل شمال افريقيا والشرق الاوسط. اما عن الاسباب التي يعتبرها الحلف مبررة لهذه التدخلات فهي عناوين عريضة قابلة للتأويل حسب المصالح. كمثل التحديات المهددة للحلف من نوع الارهاب الدولي وملكية اسلحة الدمار الشامل وغيرها من العناوين التي يترك تفسيرها لمجريات المصالح الاميركية.

ولقد عبر مايك هامر, الناطق بلسان مجلس الأمن القومي الاميركي, عن هذه التعديلات بتصريح مليء بالتناقضات المنطقية اذ يعلن:
-  ان الحلف لا يهدف الى لعب دور شرطي دولي لكنه يعني مسألة مثل كوسوفو الواقعة خارج الحلف مع تهديدها لمصالحه.   
-  تدخل الحلف في كوسوفو بدون تفويض مجلس الأمن لأن الحصول على هذا التفويض لم يكن ممكنا". الا ان الحلف يحترم قرارات المجلس ويرحب بموافقة الأمم المتحدة على ما يقوم به!. 
-  ان الحلف سيتدخل خارج نطاق دوله ( الوطن العربي وبقية اوروبا ) ان هو رأى فيها تهديداً لمصالحه.
-  ان الحلف لن يتدخل في منطقة جنوب شرق آسيا (ربما تحت ضغط الصين عقب حادثة السفارة
وما لم يقله هامر هو عن سعي الحلف لضم استراليا اليه).

اما عن الانعكاسات المباشرة لهذه التعديلات فيمكن تلخيصها عربيا" ب:
 - اخراج الوطن العربي ( العراق وليبيا خاصة ) من دائرة نفوذ الأمم المتحدة ومجلس الأمن وادخاله في دائرة السيطرة الاستراتيجية الأطلسية.
 -  اصبح رفع الحصار عن الشعب العراقي والليبي وبقية الشعوب العربية خارجاً من يد الأمم المتحدة ومحولاً للحلف الذي يمارس مسؤوليته وفق مصالحه.
- اصبح بامكان تركيا (الموقعة على الميثاق الجديد للحلف) ان تجتاح شمال العرق دون ان يكون للأمم المتحدة حق ابداء الرأي.
- اصبحت الولايات المتحدة قادرة على مد الحظر الجوي ليشمل كامل الأراضي العراقية دون مجرد استشارة الأمم المتحدة.
- اصبحت الولايات المتحدة قادرة على ممارسة ضغوط وتهديدات مضاعفة على اصدقائها العرب. وبالتالي فقد اصبحت اكثر قدرة على لجم اية محاولة تفاهم عربي - عربي ( حتى على صعيد القمم العربية).
-   استجابت ادارة كلينتون عبر هذ التعديلات للطموحات الاوروبية في منطقة شمال افريقيا ( كان الاتحاد الأوروبي يدعو منذ فترة لانشاء قوة تدخل سريع اوروبية في شمال افريقيا). الا ان اصرار الرئيس الجديد بوش على مشروع الدرع الصاروخي نزع هذه الورقة من يد الاوروبيين فعادوا للمطالبة بقوة التدخل السريع الاوروبية.

ويبقى الأهم في التعديلات ذلك النكوص الأميركي الى سياسة الأحلاف هو اعلان التراجع عن مبدأ النظام العالمي الجديد الذي اطلقه بوش العام 1991 وما تبعه من محاولة تصدير النموذج الأميركي وعولمته. حيث تضمنت تعديلات الاطلسي إعادة إحياء الحلف ومعه سياسة الأحلاف. كما تضمنت اعترافات اميركية بوجود مصالح صينية في جنوب شرق آسيا واوروبية في شمال افريقيا الى جانب الاميركية في منطقة النفط خصوصاً.

وجاءت إدارة بوش لتلغي ما تبقى من مرونة في هذا التعديل. فتجاوزت الإعتراف بالمصالح الأوروبية في شمال أفريقيا لغاية طرحها للشرق الأوسط الكبير ( يضم شمال أفريقيا) ولتخوض حرب لأفغانستان على تخوم الصين بعد تحريكها لأزمة تيمور الشرقية.  والأهم قطعها المعونات المتفق عليها مع كوريا لغاية نشوب الأزمة الكورية الحالية.

أما في منطقتنا فقد تجاوزت إدارة بوش كل الثوابت الإستراتيجية الأميركية. فأقامت قواعد عسكرية متطورة في المنطقة وأعلنت مشروع تغيير خارطتها. وإحتلت العراق كما حددت محطات إحتلالها لبعض دول المنطقة وإعمال العمليات المخابراتية القذرة في بعضها الآخر. مما أدخل المنطقة في فوضى إستراتيجية شاملة. ومن مظاهر هذه الفوضى إصابة المؤسسات الإقليمية بالشلل. وفي طليعتها جامعة الدول العربية التي فضحت قمة تونس حجم تضررها من هذه الفوضى. وحاجة الجامعة الى تعديل استراتيجيتها. ومثلها مجلس التعاون الخليجي وغيره من مؤسسات المنطقة. في مقابل تفعيل الدور الوظيفي الإسرائيلي حتى باتت العلاقة مع إسرائيل أكثر حيوية من العلاقة مع الدول العربية بالنسبة لبعض دول المنطقة.

البعض يعلق آمالاً عريضة على إحتمال فوز الديمقراطيين في الانتخابات الأميركية. لكن مراجعة كتاب كيري المعنون " نداء الخدمة " تبين لنا عدم موضوعية هذه الآمال. وفي ما يلي عرض للكتاب. للإطلاع على نقدنا لكتاب كيري إضغط هنا 

والآن كيف لنا أن نتوجه في ظل هذه الفوضى الإستراتيجية المصطنعة وغير القابلة للتراجع؟. فالعرب قبل إحتلال العراق هم غيرهم بعد الإحتلال. وما يتبدى لنا من إشكاليات راهنة هو مجرد قمة جبل الجليد. مما يطرح ضرورة إتخاذ جملة خطوات حاسمة أهمها برأينا التالية:

1.      الإصلاح بأيدينا: تجنباً للخضوع الى المشاريع المخابراتية الأميركية للإصلاح وتولية قادة المجتمع من نوع قرضاي على شعوبنا. مما يقتضي العمل على تأسيس المنظمة العربية للإصلاح وإلحاقها بالجمعة العربية.

2.      إدخال التعديلات المناسبة على ميثاق الجامعة. والإستفادة من كل الفرص المتاحة لتطوير هذه الجامعة.

3.      تعزيز ودعم قيام مؤسسات إقليمية جديدة تنطلق من الواقع الاستراتيجي الجديد للمنطقة. مثال ذلك تجمع دول الجوار العراقي في منظمة إقليمية جديدة تهدف للحد من أضرار فوضى إحتلال العراق على هذه الدول.

4.      تشجيع المصالحات والحوار الداخلي في كل دول المنطقة.

5.      التصنيف الحاسم للمعارضات العربية في فئتين رئيستين: فئة تقبل مصير العراق لبلدها وفئة ترفض هذا المصير.