النابلسي المسكون بالهم العربي

تعقيب على مقالة " الشخصية العربية في عالم متغير

 

                                                 

كعادته المتميزة والمسكونة بالهم العربي في تعزيز مكانة الاختصاص في حقل العلوم النفسية، جاءت مقالة د. محمد احمد النابلسي، الموسومة بـ " الشخصية العربية في عالم متغير " والمنشورة في مجلتنا الغراء " دراسات نفسية " عدد يوليو 97 ، كمحاولة لملامسة معاناة الواقع ( الفرد – جماعة) واثارة الجدل وخلق أجواء وفرص جديرة بلتواصل بين المشتغلين في العلوم النفسية في عالمنا العربي. وكانت مقدمة الأستاذ الدكتور فرج عبد القادر صه أولى الاستجابات المحفزة على تعزيز روح الحوار، من خلال التشجيع على اتاحة الفرصة لنشر الموضوعات التي ستغطي مساحة الحوار المقترح.

وقبل أن أدخل في تعقيبي على المقالة آنفة الذكر، شعرت بأن ما جال في خاطري من تداعي للصورة المرسومة لما جرى في خارطة التاريخ القريب للواقع الثقافي والحضاري على صعيد منطقة الشرق الأوسط من تكامل الأدوار البارزة في تلك المرحلة من أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشربن على يد رواد النهضة العربية المعاصرة من أبناء الشام ومصر، تأكيد على أن واقع اليوم تواصل للجهود وتوسع في حلقات الزيادة، للرقي بالعلوم ومد آفاقها الى شتى أصقاع عالمنا العربي على يد احفاد أولئك الرواد الأوائل أيضا".

وأعود الى مقالة زميلنا د. نابلسي بعد ان أمعنت فيها تمحيصا" وتدقيقا"، لأتناولها في تعقيبي هذا وبأقل قدر من الاطالة والانشائية مع وقوفي أمام بعض ما جاء فيها اما لاثارة المزيد من التساؤلات أو لاضافة بعض المقترحات وتأكيد بعض ما تم ايراده.

 

 المحطة الأولى:

 من ذلك التساؤل النقدي الجريء لأنفسنا في مطلع المقالة: " لماذا فشلت دراساتنا حول الشخصية العربية في اثبات فعاليتها ؟ " الى مختصر الاجابة عليها – حسب رأي كاتب المقالة- " بغياب روح الفريق". فانني بالاضافة الى تأكيدي لتلك الاجابة المختصرة الا أنني أود اضافة بعض الاجابات، التي وان كانت مطولة الا أنها ربما تسلط الضوء على أسباب ذلك الفشل.

 

صحيح أن علينا كأفراد من مختلف الاختصاصات، أن ننسق للدخول في مشاريع ذات صبغة قومية أو أممية حتى نعزز روح الفريق الواحد القادر على أداء المهمة، الا أنني ألفت النظر الى أهمية ان يكون صاحب الدعورة هو الطرف القادر على ادراك أبعاد تلك الخطوات وجدواها في والواقع وعلى صعيد عملية التنمية، لعلني أشير هنا الى تحديد دور مؤسسات المجتمع المختلفة ( حكومية وغير حكومية) في تبيني ورعاية تلك المشارع والبرامج المقترحة واعتماد الموازنات الكفيلة بالنهوض بها على الشكل الأمثل ومجاراة لما يجري في العالم المتطور. وفي قراءة سريعة في صفحات تاريخ علم النفس منذ مطلع القرن العشرين نجد أنه وبفضل الاعتراف والدعم من قبل وزارة التعليم الفرنسية للعالم بينيه لتطوير العملية التربوية والارتقاء بالأجيال، تم انجاز أول مقياس للذكاء. كذلك الحال في الولايات المتحدة، حينما اهتمت وزارة الحربية بمسألة الكفاءة العقلية لجنودها وتكليف علماء النفس بتصميم بطاريات الذكاء "الفا" ، "بيتا". وحتى آخر حدث في مطلع سبتمبر 98 عندما تحطمت الطائرة السويسرية القادمة من الولايات المتحدة، استدعت الجهات الرسمية فريق نفساني الى مطار جينيف بغرض تخفيف الصدمة النفسية على عوائل المنتظرين في المطار. من تلك العبر نخلص الى أنه بفضل تقدير الجهات المسؤولة في المجتمع لأهمية منح الفرصة لاختصاصنا لأداء دوره في المجتمع، الأمر الذي يساعد في تعزيز مكانة هذا الاختصاص وتطويره من جانب، ومن جانب آخر تقديم خدمات جليلة لمساعدة المجتمع بسبب طبيعته الانسانية المرتبطة مباشرة بالسلوك البشري. في الوطن العربي لا بد من الاعتراف بمحدودية نشاطنا بسبب التهميش والتغيب والقصور الذي يعتري النظرة الى دور العلوم النفسية ومكانتها في المجتمع، مما يؤدي الى حصر نشاطها داخل العيادات أو عملية التعليم في المعاهد والكليات وبشكل روتيني لممارسة الاختصاص. كما تفتقر البحوث الميدانية ذات الارتباط الوثيق بتوجهات المجتمع وبمختلف قطاعات التنمية، الى وجود سياسة استراتيجية منهجية واضحة ازائها. على أن ذلك يدفع الى طرح مزيد من الأفكار والمقترحات التي من شأنها الاسهام في تعزيز روح التواصل بين زملاء الاختصاص في العلوم النفسية أفراد أو مؤسسات على صعيد الوطن العربي، وفرصة لتشجيع وتعزيز الارتقاء بهذا المجال في مجتمعاتنا وذلك من خلال:

1- تكوين اتحاد عربي للجمعيات النفسية ( يستوعب الأفراد والمنظمات) واعتماد نظام أساسي له.

2- اصدار مجلة علمية متخصصة ومجلة دورية باسم الاتحاد ( على غرار المجلة العربية للطب النفسي – لسان حال اتحاد أطباء النفس العربي)

3- اصدار نشرة فصلية تتبع أخبار الجمعيات ونشاطات الاتحاد.

4- اصدار ميثاق شرف لممارسة المهن النفسية وتوصيفها على صعيد الوطن العربي.

5- اعداد خطة استراتيجية للعمل المشترك في حقول البحوث والدراسات النفسية الميدانية في الوطن العربي ( يمكن أن تكون البداية من خلال التنسيق بين أقسام علم النفس في الجامعات العربية من خلال مشاريع الرسائل الجامعية على مساق الدكتوراه مثلا"، والانتقال الى مشاريع أوسع بين الجمعيات النفسية بالتنسيق مع هيئات جامعة الدول العربية والمنظمات الدولية.

6- عقد مؤتمرات الاتحاد بصورة دورية كل ثلاث سنوات، وتنظيمه كل مرة في دولة عربية مختلفة.

اننا وفي عيشة القرن الحادي والعشرين ما زلنا نفتقد الى اتحاد أو تجمع أو اطار فاعل للاختصاصيين النفسيين، وغياب مثل هذا الاطار يعد بحق وصمة ستظل ملتصقة بنا، تعكس بشكل أو بآخر الغجز فيما نقوله ونمارسه. وبدون تكاثف الجهود وتجاوز الحسابات الخاصة والضيقة والترفع عن الذاتية ومظاهر الأنانية والعدائية فيما بيننا، فان ما أطلق أو سيطلق من مبادرات لن يتعدى ارهاصات تموت في المهد. ان واقعنا اليوم مليء بالعديد من المظاهر التي تجثم بأنفاسها الثقيلة على أي مشروع او فكرة تدعو الى التطوير أو التحذير، ولعل ما قاله أستاذنا د.عبد الرحمن عيسوي في تعقيبه على مقالة د. نابلسي في عدد يناير 98 من مجلة" دراسات نفسية" أصدق تعبير عما نعانيه في حياتنا اليومية، حينما قال " ان علم النفس يؤمن بالتآخي بين العلوم وان كان يلقى كثيرا" من التعنت من أرباب الاختصاصات الاخرى، خاصة عندما يشرع في تحقيق شيء من النمو والتوسع في أقسامه العلمية، فانه في الغالب يلقى صدا" ورفضا" من قبل الأقسام الأخرى دون مبرر أو مسوغ معقول، ودون النظر للمصلحة العمومية " بل وأضيف هنا الى ما قاله أستاذنا الى أننا أحيانا نلقى الصد والاعاقة للأسف حتى من زملاؤنا في الاختصاص أنفسهم (سامحهم الله).

وقبل ان أغادر هذه المحطة أود ان أذكر مرة اخرى بانه بدون دعم وتمويل رسمي من مؤسسات المجتمع المختلفة (حكومية وغير حكومية) وبإدراك استراتيجي لمشروعات التنمية للانسان العربي في مواجهة التحديات القادمة، فاننا سنظل نعاني من الاحباط والمراوحة والتشظي، وستصبح مشاريعنا وطموحاتنا مجرد أحلام يقظة أشد اغترابا" من بيئتنا المحيطة.

متحاوزا" هذه المحطة ومؤملا" النفس بالعزم والتحدي ومتخطيا" اليأس، أجد أنه من الضروري. بمكان الاشارة الى الجهود المخلصة فردية كانت أو لبعض المؤسسات والمراكز، لكسر حاجز الركود ولحاق ركب الحضارة الانسانية. ولعلني اخص بالذكر هنا جهود مركز الدراسات النفسية – الجسدية في لبنان برئاسة د. محمد احمد النابلسي، لدورهم المتميز وفي فترة قياسية في انجاز عملية أرشفة، تعتبر بمثابة مشروع لتكوين قاعدة بيانات تمهد السبيل لخلق شبكة معلومات قومية، توفر الفرصة الكبيرة للتواصل بين زملاء الاختصاص في الوطن العربي، من خلال مجموعة الدلائل التي صدرت في العديد من الجوانب، وعلى وجه الخصوص مجلة " الثقافة النفسية ". كما لا تفوتني هنا الاشارة الى الجهود الفردية والجماعية والمتحددة بالعطاء من خلال اسهامات وابداعات اساتذتنا الأجلاء في مصر العروبة. ولعله من المفيد الاشارة الى الحضور النشط لرابطة الأخصائيين النفسيين المصرية (رانم) ومجلتها الأكاديمية التي نعتز ونفخر بها قوميا" " دراسات نفسية". على أن الدور القومي الطليعي الذي سيسجل في تاريخ علم النفس في الوطن العربي مع خواتم القرن العشرين، هو ذلك الاعتراف بالأداء الرفيع لأستاذة علم النفس المصريين، للرسالة العلمية والأكاديمية في مختلف الجامعات العربية من الخليج الى المحيط، وفي مشاريع تعريب وتقنين الاختبارات النفسية وغيرها من المواضيع.

المحطة الثانية:

مرة اخرى يجتاز د. نابلسي دوائر المحظورة ويقطع نمطية التفكير في مراجعة مقولة الشرق والغرب وحتمية صراع الحضارات. ان قراءة في سبر أغوار سطوره، تعكس لنا حالة الضيق والدعوة الى التمرد على رتابة التفكير الروتيني االمستسلم لتقبل سلعة المعرفة المعلبة كما جاءت لنا في بلد المنشأ ( الغرب) مع الدعوة الى اعادة تصنيع المعرفة واستيعبها لخصوصية واقع الانسان العربي وبيئته. ومع كامل اتفاقي مع ما جاء أعلاه، الا أنني أود الاشارة الى أهمية توخي الحذر حفاظا" على مبدأ الأمانة العلمية وموضوعيتها من خلال النأي بالعلوم – وما يخصنا هنا النفسية منها – من الانجرار الى مصيدة اللعبة السياسية، التي تحاول ان تصبغ كل شيء وفقا" لمصالح ومنافع ضيقة.

 

كما أود التنويه الى أن مفهوم الشرق والغرب والاتجاه الداعي الى تقارب الحضارات وتكاملها، لأننا في قارب واحد، فاما نبحر أو أن نغرق سوية، لأنه للأسف الشديد يحدث أن تشتد لهجة التحامل على كل شيء في الغرب ويجري تصويره على أنه شيطان رجيم، وكذلك الأمر في الغرب من حيث تشويه صورة العرب والاسلام، ويتم الانجرار الى ذلك على مستويات اعلامية وسياسية ودعائية...الخ سنتجاهلها لسطحية مآربها الآنية، وان كبر واشتد حجم خطرها. ما يعنيني كباحث هنا هو ذلك المستوى الأكاديمي والتعليمي (المناهج) والذي خشى من خطورة مجاراته لتلك المستويات الأخرى في طؤيقة تعاطيه لمفهوم جغرافية الحضارات والتعامل معها، ففي اعتقادنا ان ذلك سيمثل اجحافا" لحصيلة الخبرة الانسانية العلمية والعملية لانسان الغرب في سبيل ازدهار البشرية. صحيح أن هذا لا يعفينا من ادانة الأفعال اللانسانية او التوظيف المشين لعصارة العقل العلمي للانسان هناك، لكنني في المقابل أجدها فرصة للعودة الى الديار العربية والانسان العربي من خلال المطالبة بمراجعة نقدية جريئة وموضوعية سواء على الصعد التاريخية القديمة او المعاصرة وتتبع كل تلك الاختلالات والقصور والعجز في العديد من الجوانب الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الفكرية...الخ، التي كونت انساننا اليوم ومحيطه، وبالتالي محاولة الخروج من ظاهرة العجز المتعلم والتبرير والاسقاط ...الخ من آليات الدفاع النفسي والانتقال الى مراحل الاستبصار في التعامل مع متغيرات الحياة.

 

ان في تحديد التشخيص لمكامن الضعف والخلل وطبيعته في الانسان العربي وخصوصا" الاسلامي عموما"، ثم السعي بنفس الوتيرة والاجتهاد المبدع في البحث عن النخارج العملية والناجعة لتلك العيوب والمعاناة، ستمثل بحق انتصار" فكريا" وأخلاقيا" رفيعا" لكل من ثابر فردا" أو جماعة في بلد أو أكثر على خارطة الوطن العربي والاسلامي. مما يعني السير قدما" في ركاب حضارة العلوم والتكنولوجيا مع اعادة تمثل القيم العربية والاسلامية بروح العصر.

في خاتمة هذه المحطة لا يسعني الا أن أعيد التذكير بتلك النقاط التي عرضها د. النابلسي في خاتمة مقالته كمؤشر للارشاد الجمعي والفردي وان اعتبرها بداية موفقة لوضع النقاط على الحروف في تدشين المرتكزات للتصور المستقبلي لأجيال الاختصاص في التوجه نحو رسم بروفيل الشخصية العربية للقرن الواحد والعشرين.

 

مسك الختام جزيل الشكر والتقدير لأستاذنا القدير د. فرج عبد القادر طه على منحنا هذه الفرصة للتعقيب وتبادل الأراء ووجهات النظر، لما من شأنه اعلاء دور ومكانة العلوم النفسية في واقعنا العربي. والى زميلنا د.محمد احمد النابلسي نقول مزيدا" من العطاء المبدع على الصعيد القومي والأممي ان شاء الله. ودعوة نجددها الى زملاء الاختصاص من المحيط الى الخليج للتناغم الهرموني فيما بيننا على مدار الفصول.

                             أ.د. معن عبد الباري قاسم

 كلية الطب/ جامعة عدن