وطنـــــــي
محــاضرة في إطار نساء وطني/ أضغط هنا لموقع وطنــي

28 فبــرايـر 2006
 

التفكك الأسري وآثاره النفسية والإجتماعية

د. محمد احمد النابلسي

   التفكك الأسري يشكل ملفاً من أعقد الملفات المطروحة على الأخصائيين النفسيين اليوم. إذ أن ما يجري عليه الحديث اليوم من أمراض العصر ينعكس على العائلات بما يمكن تسميته بأمراض العصر العائلية. و من هذه الأمراض ما ناقشته مجلة نيوزويك الأميركية في عدد لها صادر في أبريل 2001 تضمن إحصائية تبين تنامي ميل الشباب الأميركيين للسكنى بعيدا عن أسرهم إضافة إلى ما هو معروف في أوساط الاختصاص عن الأزمات التي تعاني منها أسر الطبقة المتوسطة بما يدفعها للانغلاق. و تأتي ثورة الاتصالات لتزيد في هذا الانغلاق بطرحها البدائل عن الاتصال الإنساني الحي و المباشر و غير ذلك من الصعوبات التي تواجهها الأسرة المعاصرة و هذا يستتبع السؤال أين نحن الأخصائيون العرب من هذه المشاكل متابعة و رصدا و دراسة و حلولا؟.

إننا لم نعد نجد أي حرج في الإعلان عن انخفاض فعاليتنا الوظيفية كأخصائيين و معه عجزنا عن تفعيل الاختصاص و تسخيره لخدمة الأولويات التي يحتاجها الفرد في مجتمعاتنا و لعل من أسباب ذلك إصرارنا على نقل المواضيع عن دول متحضرة تختلف أزماتها عن مشاكلنا المعاشة. ففي حين تجتاح العنوسة مجتمعاتنا محددة للنسل عن طريق الفقر و الانفصال الاجتماعي نجد من ينادي بتحرير المرأة و مساعدتها على نيل حقوقها. أو ليست الأمومة أولى هذه الحقوق؟. إننا نؤيد بهذا الصدد العالم الإنجليزي جون بوولبي و ننتمي إلى مدرسته القائلة بإعطاء المرأة حقوقها الحقيقية أولا وهي الأمومة و مركزية الدور التربوي و الأسري. فمن العبث أن تكسب المرأة عندنا معركة الحقوق الأجنبية لتجد نفسها خارج أنوثتها و أمومتها و دورها الأسري المحوري. و ما يؤسفنا حقا هو عدم تمكن هذا الملف من طرح و مناقشة هذه الإشكاليات الحادة لذلك انتخبنا من الدراسات المعروضة لهذا الملف تلك الأقرب إلى مساعدة المتخصص على رصد الوقائع و الأزمات الأسرية على أمل أن يتاح لنا في وقت لاحق مناقشة المواضيع المفصلية و الأهم بالنسبة إلى واقع أسرتنا العربية و علاقات أفرادها و جهاز قيمتها و الضغوطات التي يتعرض لها عبر شيزوفرانيا ناجمة عن الإنترنت والفضائيات في مواجهة مستوى ثقافي و تربوي متدني.

نعلم أن الأسرة العربية تحتفظ بأسرارها و ترفض مناقشة مشاكلها في إطار علاجي. كما نعلم تهربها من  تحمل أية إشارة إلى احتمال كونها مساهمة في إصابة أحد أفرادها بالاضطراب النفسي. لكننا نعلم بالمقابل أن لهذه الأسرة مشاكل و أزمات معلنة يمكنها أن تكون مدخلا اختصاصيا لبحث شؤونها و شجونها و الاطلاع على معاناتها و الصعوبات التي تواجهها. من هنا واجب مناقشة الإشكاليات الخاصة بالعائلة العربية إذا ما أردنا الحفاظ على خصوصية هذه العائلة و استمرارية قيمها ونظمها الرمزية.

إن الزواج من الناحية الاجتماعية نظام اجتماعي معروف أساسا بعلاقة رجل بامرأة، علاقة يعترف بها القانون و يقرها العرف و التقاليد. في وضعنا الراهن أصبحت الحياة اليومية مليئة بالتوترات من كل صنف و تزايدت الانفعالات تجاه الظروف الاجتماعية و الاقتصادية و متطلبات الحياة لذلك لابد أن يأخذ الزواج في حسبانه الناحية الاقتصادية و النفسية بالإضافة إلى تنظيمه لعلاقة الجنس بين المرأة و الرجل الذي يشكل بداية لتكوين خلية اقتصادية قوامها إمكانات مادية للزوجين و أيضا مجال للرضا العاطفي و لاستقرار النفسي. و من الملاحظ أن التطور الذي يطرأ على بنيات المجتمعات العربية المعاصرة و بالأخص على قاعدتها الاقتصادية يتحقق بوتائر سريعة، و إن الأوضاع التعليمية و النفسية و المعنوية لقطاع واسع من الجماهير العربية يتطور و لكن ببطء شديد. و يؤدي هذا التفاوت في التطور إلى عدم التكيف و عدم توافق الجماعات سلوكيا و قيميا مع التغيرات الطارئة على القاعدة المادية للمجتمع مما يجعلها عاجزة عن الانتقال إلى  ممارسة أنماط حياة جديدة. و من هذا المنطلق تلجأ عوضا عن ذلك إلى الاعتماد على الأسس القديمة نفسها لعلاقتها، و تستنبط منها أشكال جديدة للتكيف الاجتماعي النسبي. و كون الأسرة تعتبر من أهم العوامل الاجتماعية التي تسهم في تكويني شخصية أبنائها و لها الدور الأكبر في التأثير بالتجارب المؤلمة و الخبرات الصادمة كالطلاق أو الموت. و أما تماسك الأسرة و وجود الوالدين لهما دور كبير على حياة الأبناء و لكل منهما دوره، و السعادة الزوجية تؤدي إلى تماسك الأسرة و تخلق جوا يساعد على النمو النفسي السليم للأبناء و تكامل شخصيتهم، و أن التعاسة الزوجية و الخلافات و الصراعات التي تؤدي إلى الطلاق قد تؤثر على كيان الأسرة و على التوازن العاطفي و تنعكس ذلك بطريقة مباشرة على الأطفال في أسلوب معاملتهم و تربيتهم فيؤدي إلى اضطرابهم فضلا عن فقدهم الجو النفسي المناسب الذي ينمون فيه و بذلك تضطرب وظيفة رئيسية من الوظائف الأسرية.

أنماط التفكك الأسري: يمكن تصنيف التفكك الأسري في إحدى الخانات التالية:

-    الطلاق النفسي: وهو يمارس من طرف واحد أو من الطرفين. بحيث تتوقف الممارسة الزوجية أو تستمر من طرف واحد. ويحدث أحياناً جهل الطرف الآخر الكلي بحالة الطلاق هذه.

-    الزواج غير الممارس: وهو زواج مع وقف التنفيذ. وذلك لأسباب عضوية مثل ىلآلام او البرودة أو الصعوبات..الخ. أو لإسباب نفسية قد تعود الى مشاعر الرفض أو الذنب أو الشك بالخيانة...الخ.

-    غياب احد الزوجين ( بالسفر أو الترمل أو الهجر...الخ): وهذا الغياب يخلف فراغاً في الجهاز العائلي يؤثر على النمو النفسي وعلى شخصية الأولاد. عداك عن تأثيراتها على الأزواج المتباعدين.

-    تعدد الزوجات: وهو يخلف إنشطاراً عائلياً يؤثر على توازن العائلة العام وعلىأفرادها كل بحسب موقعه في العائلة.

-        الطلاق الناجز: وهو قمة الأزمة الإجتماعية للتفكك الأسري. وينعكس بأضرار كبيرة على الأطفال.

-    أزمات لأسباب خارجة عن الأسرة الضيقة: وهي قد تعود الى الأسرة الأوسع ( تدخل الحماة و الاهل عامة). أو الى ازمات ومشاكل اجتماعية اوسع.

أسباب التفكك الأسري: ويمكن تصنيفها على النحو التالي:

-    مشكلات العنف: وتقسم الى عنف جسدي ( من الضرب لغاية الممارسات السادية)       والى عنف معنوي ( تحقير، إذلال، إهانات...الخ).

-        مشكلات جنسية: صعوبات الجنس النسوية والذكورية على أنواعها.

-    مشكلات اقتصادية: وغالباً ما تعود الى عدم تحديد أولويات المصاريف العائلية. وتقليد الآخرين والمبالغة بالطموحات والمظاهر الإجتماعية. كما يمكن أن تعود الى تراجع مداخيل الأسرة لأسباب مختلفة.

-    مشكلات التكيف مع البيئة: بدءاً من البيئة العائلية وظروفها وصولاً الى التكيف مع تقاليد البيئة الخاصة بأحد الزوجين.

-        الخيانات الزوجية: وغالباً ما تؤدي الى الطلاق.

-        مشكلات التكافوء بين الزوجين: وتقسم بحسب عواملها الى:

  • عامل السن: حيث توجد معادلة للسن المتناسبة تقوم على الفروق البيولوجية بين الرجل والمرأة. وقوام المعادلة قسمة عمر الرجل على إثنين وإضافة خمس سنوات على نصف عمر الرجل لنحصل على عمر المرأة المناسبة لهذا الرجل.
  • العامل الإجتماعي: حيث الفروق الإجتماعية الكبيرة تشكل عوائق تكيفية بين الزوجين. وهي ذات أثر يتعاظم مع الوقت ويتطلب جهود تكيف إضافية. خاصة عندما يصل التمييز الى الأبناء.
  • العامل الإقتصادي: ونعني به المستوى المالي لمحيط الزوجين. وهو يحتاج بدوره الى جهود تكيفية خاصة.
  • عامل تكافوء الطموحات: قد نصادف أزواجاً متشابهين ومتساويين في كافة العوامل المذكورة أعلاه لنجدهم غير متكافئين بعد فترة من الزواج. وذلك بسبب تنامي طموحات طرف على حساب الآخر.
  • الميول النفسية الجنسية: وهي تتضمن تكافوء الشكل والإنجذاب النفسي والجسدي. كما تتضمن الصعوبات الجنسية لدى الطرفين بدءاً بالخجل ولغاية الزواج غير الممارس.

         هذا ويطول الحديث عن علاج التفكك الأسري وإضطراباته وإنعكاساته. ونختصرها بالحديث عن التفاهم الزوجي وشروطه. مع إعطاء أمثلة تطبيقية زالإستعانة بنصائح كتخصصين في الإرشاد الزواجي.

شــروط التفاهـم الزواجــي

     ينظر لللزواج على أنه مؤسسة تحتاج إلى الاستقرار كي تحقق ازدهارها. وهذه المؤسسة الزواجية تطرح بعض الأزمات الشائعة لمساعدة الأزواج على تبين نقاط الخلل التي تعترض تفاهمهم الزوجي. بل أن النقاط التي نناقشها قد تكون جديرة بدفع الزوجين لاتخاذ الخطوات الإصلاحية لعلاج أزماتهم.

والنقاط موضوع العرض هي التالية:

1-                 الخوف من الزواج.

2-                 مسؤولية الزواج.

3-                 الرفض اللاواعي للآخر ومحاولة التغيير .

4-                 سؤ الاتصال بين الزوجين.

5-                 وصايا عشر للزوجة.

 

1-                 الخوف من الزواج:

        يبقى الزواج مشروعاً يحتمل النجاح والفشل( مثله في ذلك مثل سائر المشاريع) وهو لا يتحول إلى مؤسسة ناجحة إلا بعد اجتيازه لأزمة التعايش، التي تقتضي من كل من الزوجين تقديم بعض التنازلات حتى  يتكيف مع الآخر. إلا أن البعض يبقى عاجزاً عن تصور مسألة التخلي عن بعض العادات التي يعتبرها مكاسباً. وهذا العجز عن التصور يدفع بالشخص إلى إصدار الأحكام المسبقة بعدم صلاحية الآخر للمشاركة في مشروع الزواج.

في مجتمعنا الشرقي يلعب الرجل دور الذي يختار وينتقي الشريكة. وهو دور ذي عبء ثقيل على الذكور الخائفين من الزواج. ويمكن لهذا الخوف أن ينعكس بأحد شكلين: أولهما " العزوف عن الزواج" وثانيهما " الزواج الاجتماعي". حيث أن مجتمعنا يمارس ضغوطاً معنوية على الرجل الذي يؤخر زواجه. ولكل واحد من هذين الشكلين مآزقه وذيوله. وفيما يلي عرض لحالة عيادية لشاب عجز عن إيجاد الزوجة المناسبة خوفاً من الزواج.

الحالة والتعليق عليها:

    سألني ترى هل بي من علة؟، وكان سائلي شاباً مليح الصورة، حسن الهندام. وقد تبينت بما أفضى به إلي عن حياته أنه كان ذكياً لا شك وكل ما كان ينغص عليه حياته. وهو في سن السابعة والعشرين من عمره إنه كان عاجزاً عن أن يجد لنفسه زوجة.

ولقد حدث أن تزوج صديق له يصغره بسنتين، فكان هذا الزواج صدمة هزت نفسه ومع أنه ألقى في حفلة زفاف صديقه خطاباً مرحاً مفعماً بالدعابات والفكاهات فإنه لم يكد يعود إلى منزله حتى أجتاحه فجأة شعور عارم عكر مزاجه، وبدل مرحه. ومنذ ذلك اليوم بدأت تنتابه فترات من الانقباض تروعه كل مروع.

ومن الممكن إيجاز ظروف حياته فيما يلي:

كان موظفاً في مؤسسة كبرى ناجحة، وكان راضياً بعمله، وله بزملائه أوثق الصلات كما أ،ه كان عضواً في ناد للتنس. وقد اكتسب صداقة كثيرا من الأعضاء من الجنسين، بل أنه لمرحه ودعاباته مع الإناث بوجه خاص اشتهر بلقب الذئب.

وكان وحيد أبويه، ولا يزال مقيماُ معهما في بيت توفرت فيه أسباب الراحة والدعة.

وباستقصاء ماضيه، لم أجد فيه أحداثاً مفجعة، ولا صدمات، ولا ذكريات إصابات أمراض قاسية وإن كان كثير من علماء النفس المحدثين يعتقدون أن مثل هذا الذكريات لم تعد من الأهمية بما كانت عليه من ذي قبل. بل إن كل ما لها من أهمية لا يعدو أنها تبقى في الذاكرة وفي الذاكرة المكبوتة غالباً. إلى أن نتخلص منها أثناء العلاج النفسي. وتكون في الواقع نقطاً يتبلور حولها شيء أخطر شأناً. كجو معين  أو وسط معين أو انفعال معين. وكان صاحبنا عقب ولادته قد مرض مرضاً طويلاً قاسياً ، وكانت أمه مولعة بالأطفال ، فأورثها ذلك هماً ثقيلاً وجعلها في الوقت نفسه تحصر كل حبها واهتمامها في ابنها الوحيد هذا. وكان من أشد منغصاتها تلك الحقيقة المؤلمة التي كانت لا تفتأ تتمثل لها في خاطرها وهي أن ابنها لن يلبث على مر السنين أن ينمو ويكبر ، فيقل بذلك اعتماده عليها. ومع أنها لم تحاول أن تعوق طفلها عن النمو، ولكنها أطالت في معاملته معاملة الأطفال بقدر ما أتاح لها هو أن تفعل.

والواقع أنها بذلت كما بذل أبوه في حدود أقل قصاري جهدهما لكي يجعلا طفولته من البهجة والسعادة بحيث لا تنازعه دوافع قوية لأن يشب عن طوقه ويشتد ساعده.

وفي ذات يوم تداعت أفكاره وهو في جلسة من جلسات التحليل فعاد بذكرياته إلى الفترة إلتي كان يوشك فيها أن يودع مدرسته الابتدائية الصغيرة حيث يختلط الجنسان لكي ينتقل إلى مدرسة أعلى لا يدخلها إلا الذكور ومعلموها رجال. ونظامها  يقضي عليه بأداء واجبات مدرسية في البيت كل مساء. وبأن يتناول غذاءه فيها ظهر كل يوم . وذكر فيما ذكر كيف أحزنت هذه التغيرات قلب أمه، وكيف أنه ابتأس مشاركة لها في حزنها.

والواقع أن زواج صديقه فتح عينيه إلى أنه قد بات لزاماً عليه أن يبتعد عن أمه، وجعله يدرك أن الحياة  الحقة ليست لهواً ولعباً وإنما هي مسؤوليات وتبعات. فهكذا هي حياة الرجال. وهو كان مرتبطاً بأمه عاطفياً أوثق ارتباط. وكان ارتباطه بها هو العلاقة الإنسانية العميقة الوحيدة التي جربها وخبرها.
صحيح أن هذه الرابطة هي الأصل
،والأساس لما عداها من سائر العلاقات، إلا أنها ظلت جامدة  ثابتة لديه. فلم تزدهر وتتفتح عن ذلك الحب المقدام الذي تتسم به مرحلة النضوج. ومن ثم فقد كان عسي
راً عليه أن يتقبل فكرة الارتباط بحب مع أية امرأة غير أمه، لأن هذا لم يخطر بباله من قبل.

ولكنه بدأ يدرك هذا كله، ويفطن إلى العواقب السيئة التي تنجم من بقائه على طفولته. فاستطاع بعد حين من الزمن أن يتقبل فكرة المسؤولية العاطفية. ومع أنه لم يكشف لي عن أية معارضة شعورية لفكرة الزواج، إلا أن عادة التفكير اللاشعوري كانت عنده من القوة وبعد الغور بحيث أعمته عن أن يرى في أية فتاة من صديقاته ما يؤهلها للزواج منه ولم يتسنى علاج تلك المعارضة إلا بعد أن لمسها، وشعر بها. أي بعد أن أصبحت شعورية.

اليوم اصبح صاحبنا زوجاً لفتاة من رفيقاته في نادي التنس. لكنه لم يتزوج إلا بعد أن زالت الغشاوة عن عينيه. وأدرك أن هذه الفتاة أكثر من مجرد زميلة لعب. والواقع أنه سعد بأن اصبح عضواً في المجتمع يحمل المسؤوليات ويؤدي دوره كاملاً فيه.

وكان لهذا التبدل نتائج بعيدة المدى، فقد كان قبل زواجه قانعاً بعمل هين، يمضي فيه سحابة يومه متمهلا متسكعاً ، أما اليوم فقد دبت فيه حيوية دافقة ،واتسعت آفاق مطامحه. ولم يقلل هذا من صداقاته، بل أن صداقاته التافهة تطورت إلى صداقات مثمرة ورشيدة.

وكم من شبان يظنون أنهم لن يصادفوا في حياتهم الشريك اللائق. وفكرة الشريط اللائق، فكرة شائعة، ولكنا جديرون بأن ندرك أن كلاً منا لن يستطيع أن يلتقي بالشريك اللائق ما لم يكن هو أيضاً شريكاً لائقاً. وفي هذه الحالة بالذات كانت شريكته أمامه في كل حين، ولكن ارتباطه بأمه حال دون رؤيته لها.

واستمتاع المرء ذكراً كان أو أنثى بالمجتمعات المختلطة، لا يعني أنه متهيئ للزواج. فالغزل قد يكون حيلة تعلم المراهق علاقات أكثر جدية. كما أن لعب الطفل هو الوسيلة الطبيعية لتدريبه على الاضطلاع  بالأعمال الجدية في الحياة . والمراهق لا بد أن يكبر يوماً على أساليب اللقاءات الغرامية، كما لا بد أن يكبر الطفل على غشيان حوانيت اللعب.

ولقد كان صاحبنا أشبه بمن يلبس لباس السباحة ثم يقنع بالعبث في الماء الضحل مخافة الغرق، فلا يتعلم السباحة أبداً. وربما خجل من أن يعترف لي بأنه كان خائفاًُ من الزواج. فما كان ليقر بهذا، ولو بينه وبين نفسه. ولكنه ( أو العقل الباطن) وجد مخرجاً مقبولا في ظاهره. وبذلك أبقى على مخاوفه، واستطاع في الوقت نفسه أن يصون ماء وجهه. فكان يطمئن نفسه بقوله: أنني لا أنفر من الفتيات والكل يعرف ذلك عني وغاية ما في الأمر أنني لا أجد الفتاة اللائقة. فإن كانت لم تجد الرفيق اللائق بعد ولا تزال تفتقده فسل نفسك هل أنا أبحث عنه حقاً. وهل أنا أعمى البصيرة؟. وسل وجدانك، لماذا تستهويك فكرة الزواج؟. أمن أجل المظهر الاجتماعي؟ أم من أجل حاجتك إلى من يقوم على خدمتك؟ أم من أجل أنك تتطلع إلى السكنى في بيت تتوفر فيه من أسباب الراحة ما لا يتوفر في بيتك ؟. انك إذن لا تنشد رفيقاً لحياتك، وإنما أنت تبحث عما يرضي كبريائك، أو عن عبد تسترقه أو عن متع مادية.

تعمق في تفكيرك، وأنت تستعرض على لوحة ذهنك صورة الرفيق الذي تريده لنفسك. فإذا كانت الصورة التي تتراءى لك مشابهة كل الشبه لصورة أمك، فلا تخدع نفسك اعترف بأنك ما تزال موثقاً بها أحكم وثاق ولو كانت ماتت منذ سنين. فقد يمهد لكل هذا الاعتراف سبيل الإدراك الصيح بأنك جسمانياً لم تعد طفلاً. وأن عواطفك في حاجة إلى أن تنمو كما نما جسمك ليك تدرك أنه ما من زوجة يمكنها أن تبذل لك ما بذلته لك أمك، وما من أم مهما بلغ إخلاصها تستطيع أن تبذل لك ما تبذله زوجتك. حاول دائماً أن تنظر إلى الأمور على حقيقتها.

عد بمخيلتك إلى سولف أيام حياتك، ثم إلى حياتك الراهنة، واسأل نفسك مخلصاً عما تحظى به من مميزات تشفق أن تخسرها بالزواج. إنها ميزات غالباً ما تكون طفولتك قد جسمتها وبالغت في أهميتها.

اتراك خائفاً من أن تغضب أحد والديك، أو طيفه الباقي في طواياك؟. هل أنت خائف من أن تغضب شخصاً ما في حياتك جعلته عواطفك في مكانه الوالد أو الوالدة؟.

إذا كان الأمر كذلك، فعليك أن تغالب هذه المخاوف الحمقاء وأن تغالب كذلك ما قد يساورك من خوف تحمل المسؤوليات.

وقد يحدث أن تعتريك مخاوف غامضة من أنك غير لائق للزواج من الناحية الجسمية. فعليك أن تجابه أيضاً هذه المخاوف بكل عزم وحزم. وقصارى القول، عليك أن تتخذ إزاء المخاوف جميعاً خطوة عملية واعية سديدة، هي أن تلجأ إلى طبيبك وتفضي إليه بجملة أمرك.

التعليق على الحالة:

    لقد تزوج صاحب الحالة المعروضة أعلاه بعد توصله إلى وعي الدور المعوق الذي لعبته علاقته التعلقية بوالدته. ولكن هذا الوعي لا يمكنه أن يكون ضمانة لحسن الاختيار. فعديدة هي الحالات التي يعي فيها الشخص الأثر المعيق للزواج والناجم عن تبعيته لأمه. ومثل هذا الشخص كثيرا ما يرد على هذه التبعية باتخاذه موقف التمرد ( تمرد نرجسي) وموقف التمرد هو بدوره موقف انفعالي قد يؤدي إلى إتخاذ قرارات خاطئة ومنها أن يقبل الشاب على الزواج من أول فتاة تصادفه وهذا ما فعله صاحبنا. فهل نستطيع ضمان استمرارية هذا الزواج؟ وهل يفيق هاري من تمرده فيبحث عن الحب؟.

من الناحية أخرى علينا أن نستوعب واقعه اجتماعية لا تزال قائمة في مجتمعنا حيث يخضع كل من الشاب وأمه والفتاة وامها للعرف الاجتماعي. ويتمخض هذا الخضوع عن زيجات خاضعة لمقاييس الآهل. وليس لمقاييس الشباب وطموحاتهم مثل زيجات العائلات والمصالح والأقارب والشركاء. ومثل هذه الزيجات هي المسؤولة عن مشاكل الحماة أم الزوج أو الزوجة) التي تتمحور حولها أعداداً كبيرة من الحالات المعروضة في عيادة الإرشاد الزوجي.

2-                 مسؤولية الزواج:

     شهد العقدين الآخرين تراجعاً مهماً في نسب الزواج في مجتمعاتنا العربية. وقد أدى هذا التراجع إلى تأخير سن الزواج في بلدان عربية عديدة. وهذا الواقع أدى إلى  تضخيم  المسؤولية الفعلية للزواج. ولكن هذا الواقع هو من مسؤليات المخطط الاقتصادي الاجتماعي. أما ميدان الباحث النفسي فهو المسؤولية أو المسؤوليات الوهمية التي تؤدي إلى ما أسميناه في الفقرة السابقة ب " الخوف من الزواج" وهذا الخوف الذي يتدعم من خلال بعض الأفكار الخاطئة وأهمها:

1-       الزواج يقصر العمر: وتستند هذه الفكرة الخاطئة إلى واقعة صحيحة تتمثل بارتفاع بسيط في مستوى الأعمار لدى النساء بالمقارنة مع الرجال. ولكن الجواب الصحيح والفكرة الصائبة حول هذا الموضوع إنما تحصل عليهما من خلال المقارنة بين متوسط أعمار المتزوجين وغير المتزوجين. وفي هذا السياق نعرض للنصيحة التالية:

تزوج تعش طويلاً:

   هل تريد أن تضيف إلى سني عمرك عشرين عاماً جديدة وتقلل فرصة موتك المفاجئ بنسبة 50% ؟. هل تريد أن تتجنب الدرن، وأمراض القلب، وطائفة أخرى طويلة من العلل التي قصفت رجالا في زهرة شبابهم؟. هل تريد أن تؤمن على حياتك من الانتحار، والقتل والتسمم الكحولي؟

ثم هل تريد أن تضاعف ما سوف تحصل عليه من مال؟ وهل فكرت في أيام شيخوختك فتمنيت أن تكون جميلة هادئة تنفق أيام شتائها في المشاتي، وأيام صيفها في المصايف.

هل تريد هذا كله؟.

هناك ثمة طريق واحد محدد: تزوج، وعش حياة زوجية سعيدة.

    لعل الشك يداخلك فيما أقول ولعلك شأن كل العزاب ترتاب في حسن نواياي، فإذا كان الأمر كذلك فتعال نلق نظرة على الحقائق تجارب سيكولوجية واسعة النطاق، أجريت على مئات من الناس تربو على الستة الملايين.

لقد أثبتت الاحصاءات بما لا يدع مجالاً للشك أن الرجل المتزوج لا يتمتع بعمر أطول من غير المتزوج فحسب، بل أن يعمر ضعف ما يعمر غير المتزوج فاحتمال موت المتزوج في الخامسة والسبعين مثلا يقابله احتمال موت الأعزب في الأربعين وما هو السبب؟ أن المتزوج فرصته أكبر في الاعتناء بصحته بينما العازب أكثر تعرضاً للمرض وعندما يمرض يفتقد كل ألوان العناية والعلاج التي تقدمها الزوجة لزوجها. ويبدو هذا بوضوح  أثناء الكشف الطبي على المتطوعين في الجيش مثلاً أو موظفي الحكومة، فالمتزوجون أكثر لياقة طبياً من غير المنتزوجين. ذلك أن غير المتزوج لا يأخذ القسط الكافي من النوم ويظل خارج البيت إلى ساعة متأخرة. فما الذي يدعوه للعودة مبكرا وتؤكد الإحصائيات أن حالات الإدمان المرضي على المشروبات الروحية تبلغ نسبتها 3.7 والسبعة طبعاً للرجال غير المتزوجين

ويؤكد علماء التغذية أن تنظيم مواعيد الطعام، وتناول الطعام المطهو في البيت من أهم العوامل الأساسية في حفظ الصحة، وواضح أن هذه الأِشياء تختفي تماماً من حياة أي عازب، فإذا أضفنا إلى هذه الحقيقة، الحقيقة السابقة بصدد إدمان الخمر، استطعنا أن تقرر إلى أية هاوية ينحدر العزاب .

ومن أكر الأمراض انتشاراً بين العزاب الدرن الرئوي، والسرطان، وأمراض القلب، ثم الأمراض السرية بأنواعها.

أما إذا  كان الشاب الأعزب حسن الحظ فلم يصب بالمرض، فما زال هناك ثمة خوف شديد على حياته فهو مثلا أكثر تهوراً وبالتالي فهو أكثر تعرضاً للحوادث من الرجل المتزوج، والإحصاءات تقدم لنا الدليل الذي لا يقبل الشك. ونضيف إلى ذلك أن حوادث الانتخار وحوادث القتل لأسباب نسائية خاصة أظهر ما تكون حدوثاً بين العزاب.

ومعظم المضرين عن الزواج يعللون أحجامهم  بأن 33 % من الزيجات غالباً ما تنتهي بالفشل.

وعندي أن الرجل الذي لا يريد أن يتزوج إلا على أساس تحقيق النجاح الكامل لكل الزيجات، رجل ينقصه التفكير أن لم يكن مختل العقل، أن أي عمل في العالم لا يستطيع مخلوق أن يضمن نجاحه التام، سواء كان هذا العمل تقليم أظافرك، أو الدخول في منافسة تجارية، فكيف نحقق هذا النجاح الكامل لكل الزيجات؟ والأجدر بمثل هؤلاء الناس أن يتأملوا الحقيقة الأخرى الحقيقة الأخرى التي تقول أن فوائد الزواج أكثر ألف مرة من مضاره.

أن  الزواج ضرورة حقاً، وإلا فلماذا يعود الرجال الذين تنتهي حياتهم الزوجية بالطلاق للزواج من جديدة أن هذه الحقيقة تؤيد ما نذهب إليه، والاحصاءات تؤكد أن 6 % فقط ممن انتهت حياتهم الزوجية بالطلاق أو موت الزوجة هم الذين يظلون بلا زواج ولكن ما الذي يجعل حياة العزاب مهددة هكذا بالأخطار.

نستطيع أن نقول أنه إلى جانب النواحي الفزيولوجية . هناك أيضا الجوانب الوجدانية والعاطفية التي تكتمل الصورة. أن الرجل المتزوج أقدر على تحمل صدمات الحياة المتولية دون أن ينهار، ولذلك نجد أن الغالبية العظمى ممن يحلون ضيوفاً على مستشفيات أمراض العقول من غير المتزوجين.

وعلماء النفس يرون أن وراء هذه النسبة الخطيرة من الانهيار العقلي عند غير المتزوجين أكثر من سبب، وأن كانوا جميعاً يؤكدون أن هناك قوة تدفع الرجل لكلي يحب ويصير محبوباً وهذه الحاجة الأساسية إلى الحب تشبعها الأم في البداية، ولكن عندما يكبر الطفل، ويصل إلى طور الرجولة يستعيض عن الأم بالزوجة.

وأن شعور الرجل يدفعه دائماً للبحث عن شريكة والعازب طبعاً يكبت هذه الرغبة، الأمر الذي يجعلها في صراع مستمر كيما تعبر عن نفسها، وهذا الصراع الداخلي بين الرغبة والقوى الكابتة يسبب نوعاً من التوتر الانفعالي الذي قد يؤدي إلى النهاية إلى عدم التوافق، والمرض النفسي.

أن الرجال لم يخلقوا لحياة العزوبة أبداً، وهذا على عكس النساء، فالمرأة في مقدورها أن تعيش بدون زواج من غير أن تتأثر فسيولوجياً ونحن هنا نغفل الجانب النفسي وأن لم تسر في طريق الصحة والاكتمال.

ولعل أحسن خاتمة لهذا  المقال هو هذه العبارة التي قالها " بنجامين فرانكبين" عندما تحدث عن غير المتزوجين فقال: أن الرجل الوحيد تتلاش قيمته إذا ما قورن بالرجل المتزوج، وعندي أن الأول لا يزيد عن أن يكون حيواناً ناقصا أو قل أنه كفردة المقص الواحدة لا غناء عنها للفردة الأخرى حتى يكتمل نفعمها.

2-                 الزواج يحد الفعالية الجنسية:

     وعن هذه الفكرة تتفرع أفكار خاطئة عديدة منها أن العازب يتمتع بحياة جنسية افضل. وعلى الرغم من أن الواقع يدحض هذه الفكرة إلا أننا نجد من المفيد التذكير بالوقائع التالية:

أ‌-        وقت الممارسة: أن الممارسة الصحية هي تلك التي تحصل نتيجة استعداد نفسي ووجداني لا يستطيع الإنسان اصطناعه أو تعجيله كما يحدث في الممارسات العبارة أو الخاضعة لمبدأ الفرصة. والطبيب الجنسي يرى أن الممارسة بدون استعداد وجداني هي ممارسة خطرة يمكنها أن تؤدي إلى اضطرابات جنسية وأخرى جسدية انظر عيادة الاضطرابات الجنسية د. جاك وابنرغ دار النهضة العربية.

ب‌-      ظروف الممارسة: حيث الفراش الزوجي هو الأقدر على إيجاد الظروف المثالية: فإذا لم يحدث ذلك وجب البحث عن الأسباب.

ت‌-      المشاعر عقب الممارسة: يرى كبار العازبين أن الممارسة غير الشرعية تتلازم مع مشاعر الذنب أقله تجاه الشريك.

ث‌-               العالم الديني: وهو عامل لا يمكن تجاوزه في مجتمعاتنا بل أنه يأتي في طليعة العوامل.

3-                 الرفض اللاواعي ومحاولة التغيير:

    أن غالبية حالات الطلاق والمرشحة للطلاق المعروضة على عيادة الإرشاد الزوجي تعاني خللا مشتركاً تقع مسؤوليته على عاتق المرأة ومنذ الأيام الأولى لفترة الخطوبة. حيث تقنع الفتاة نفسها بأنها قادرة على إحداث التغيرات المتلائمة في زوج المستقبل. وقد تصل قناعتها إلى درجة  إعلانها عن تناولات  هي بمنزلو وعود  بعدم محاولتها مستقبلا إجراء مثل هذه التغييرات.

أن هذا الموقف هو أولا موقف خداع والمرأة المرنة تستطيع أن تدرك صعوبة أحداث هذه التغييرات وتكتفي بما تكتشفه من إيجابيات التعايش والتواصل إلا أن سلوك بعض النساء يتسم بالجمود والعناد فيعمدن إلى  تكرار محاولاتهن حتى يقوضن دعائم التفاهم مع أزواجهن. وإلى أولئك النسوة تقول الدكتورة كاثلين نوريس: لن تغيري طباع زوجك.

لن تغيري طباع زوجك:

د. كاثلين نوريس.

    لا تتزوجي رجلاً على اعتبار أنه سيكون من السهل عليك أن تيغريه ، فإن الرجال لا يتغيرون ولعلك تجدين أن الرجل الذي حسبت أنه يحب البقاء في البيت إنما هو رجل يحب أن يسهر في الخارج كل ليلة أو أن الرجل الذي ظننت أنه يؤثر السهر في النادي رجل لا يريد قط أن يغادر بيته ومثل هذه المفاجآت من الأشياء العادية في الزواج.

ولكن الأزواج لا يتغيرون فالزواج الغيور سيبقى غيوراً، وسيظل الرجل الكسول يغير عمله وينتقل من وظيفة إلى أخرى، والفتى الذي يفرط في الشراب أو المقامر سيظل يشرب أو يقامر دائماً.

كنت أتحدث ذات يوم  إلى فتاة وشك أن تصبح زوجة، وكانت ظروف زواجها تبدو مثالية فمركزها الاجتماعي طيب كمركز خطيبها والصداقة بين اسرتيهما قدمية، وكما كانت في انتظارهما شقة مؤثثة جميلة، ولكن موقف العروس لم يكن مبشراً بالخير كانت تعد العدة لتدريب زوجها وتطويره ،وتغييره.

ويبدو أن خطيبها كان يقوم برحلات تتصل بعمله بين الفنية والفنية، وكان يحب أن يكون سفره بالطائرة ولكن خطيبته منعته من ذلك، وفسرت لي تصرفها هذا بأنها تخاف من الطائرات خوفاً شديداً وقالت لي والسعادة تغمر وجهها سيكون أفضل الأزواج جميعاً أن اصدقاءه لن يستطيعوا معرفته لقد طلبت أن أطلع على حسابه في البنك، واضطر هو إلى أن يفسر لي بعض التفاصيل، إلا تعتقدين أن خير فرصة لتدريب الزوج هي الأيام الأولى من الحياة الزوجية.

واذهلتني المفاجأة فلم استطع الإجابة ولو أنها كانت تتحدث عن كلب صغير لكان كلامها معقولا ولكنها كانت تتكلم عن شاب طويل، يفيض حيوية، عاقل، مثقف.

ومضيت في طريقي وفي نفسي أحساس بالعطف والإشفاق على الزوج المسكين، وشعور بأنه لن يطول الأمر حتى يثور ويتمرد على هذه السيطرة المنظمة.

و طبيعي أن هناك طرقا يمكن للزوجات بواسطتها استغلال نفوذهن وهي طرق بسيطة تتوفر فيها الدقة والاحترام، والإحكام، والقدرة، ولكن الفرص المناسبة لتقديم والاقتراحات لاتأتي إلا بين الحين والحين، وينبغي انتهازها بعناية، وكياسة، ويتغير الأزواج، كما تتغير الزوجات أيضا، في الزيجات السعيدة ولكنهم يتغيرون دون أن يدركوا شيئاً من أمر هذا التغيير إذ أن معجزة الثقة المتزايدة والزمالة النامية لا يمكن أن ترى على الإطلاق.

وينبغي على كل فتاة ألا تتزوج من رجل ما لم تكن تحبه كما هو ويبدو لي أن صديقتي إنما تحب زوجها من أجل بعض الإمكانيات التي وجدتها لديه.

ويحدث في بعض الأحيان بعد مشي سنوات على الزواج، ينبثق الشعور بالتفوق في نفس الزوجة، فيقترح عليها الزوج مثلا طلاء جدران غرفة من الغرفة باللون الرمادي ولكنها ترفض اقتراحه هذا قائلة: إنه لون قبيح يثير الضحك يا عزيزي، فيسألها الزوج ولماذا يكون مثيرا للضحك، ألم تكن غرفتنا القديمة بهاذ اللون، فتجيبه الزوجة بهدوء إن غرفتنا القديمة كانت  فظيعة والجميع يعرفون أنه ليس لديك شيء من الذوق يا حبيبي.

واعرف زوجة تكتفي بأن تبتسم وهي تسمع زوجها يتحدث على مائدة لإفطار عن الأشياء التي يحبها والتي لا يحبها في الشؤون المنزلية، تبتسم وتنظر إلى بناتها نظرة خاصة معناها: متى خرج فإننا ستفعل كل شيء بالطريقة التي تتراء ى لنا.

وقليل جدا من الأزواج من يعاملون زوجاتهم بمثل هذه الغلظة وهذا الصلف بل أن بعض الأزواج يبتعدون عن أسرهم ويتركون أصدقاءهم  القدماء ويتخلون عن عادات ألفوها وارتاحوا إليها ، ويدفعون بلا تذمر ثمن أثاث وأشياء لا يحبنونها في الواقع ويظلون على هذه الحال سنوات طويلة ولكن تأتي نقطة ينهار عندها كل شيء، ولذلك فإنه ينبغي على الزوجات أن يكن على حذر من الوصول إلى هذه النقطة أن محاولة تغيير أي رجل تؤدي عادة إلى فقده نهائياً.

4-                 سوء الاتصال بين الزوجين:

      لا تعدم عيادة الإرشاد الزوجي بعض الحالات المربكة والمحتاجة إلى دراسة متأنية ففي تلك الحالات نلاحظ تناسب الزوجين وملكيتهما لكافة عوامل التكافؤ وهذا يجب أن يكون قاعدة فتفاهم زوجي عميق ومع ذلك فإن حياتهم المشتركة تشكو من خلل ما والأمر هنا هو أشبه بالسيارة الجديدة التي لا تشكو من أي عطل ظاهر ومع ذلك فإنها لا تعمل.

إن المعالج المتمرس يدرك أن الخلل المربك في هذه الحالات إنما  هو خلل من الاتصال الإنساني بين الزوجين وغالباً ما يكون هذا الخلل على صعيد الاتصال الكلامي وعلينا ألا نتعجب من انخفاض قدرة بعض الناس على الإعراب كلاميا عن أحاسيسهم حتى أن بعض الأزواج والزوجات ممن يعانون صعوبة التعبير الكلامي يلجأون إلى الكتابة فتتحول حياتهم من الحوار الكلامي إلى تبادل الرسائل وفميا يلي قصة، إحدى حالات صعوبة الاتصال الكلامي، وكانت قد نشرتها مجلة كورونت في الخمسينات.

 

قل لزوجتك أحبك:

   كان جو يعمل في المراعي المنتشرة في غرب الولايات المتحدة وكان ضخم الجثة، أمياً لا يعرف القراءة والكتابة شأن سائر الرعاة في هذه المنطقة، بدأ  حياته بعدد قليل من الأغنام يرعاها في رقعة من الأرض صغيرة. ولكنه كان طموحاً يعمل ليل نهار ويدخل كل ما يكتسبه من المال. وفي مدى عشر سنوات أصبح يمتلك ألفي رأس من الغنم، ومساحة واسعة من الأرض ثم قابل لويزا.

قابلها في المدينة المجاورة حيث تعمل في المطعم الوحيد وتشرف على خدمة زبائنه. كان عمرها آنذاك عشرين ربيعاً، وأما هو فقد أشرف على الخامسة  والأربعين. وسرعان ما أخذ يتردد إلى المطعم ليتناول قدحاً من القهوة كل صباح وكان يصل في العاشرة تماماً لا يتأخر ولا يبكر.

وأثناء جلوسه في المطعم يتناول قهوته كانت تحدثه لويزا عن حالة الجو والمحاصيل الزراعية، وعن أهالي المدينة والأحداث الجارية، أما هو فكان يلزم الصمت ويكتفي بالنظر إليها، يبتسم تارة ويومئ  برأسه تارة أخرى، وبعد مضي نصف ساعة يهب واقفاً ليقول لها:

حان الآن موعد ذهابي إلى العمل، غدا نلتقي. استمر الحال هكذا ثلاثة شهور، ويروي لنا دكتور كيس الذي يجلس في المطعم آنذاك أن جون فاجأ لويزا صحبية أحد الأيام بقوله:

لويزا هل تقبلينني زوجا لك؟.

فأجابت وفنجان القهوة يكاد يسقط من يدها:

ربما يا جون ولكن امهلني يوماً أو اثنين كي أفكر.

واطرق جون رأسه وأخذ يرشف قدح قهوته ثم حان موعد ذهابه إلى العمل فحياها وانطلق إلى سبيله في السنة الأولى من زواجهما:

ولم يمض اسبوعان حتى تزوجا وانتقلت لويزا إلى مرعى جون، الذي انهمك في طلاء منزله وتزين غرفة بالأوراق الملونة، كما ابتاعت لويزا بعض الأثاي الجديد من المدينة المجاورة ومرت سنتهما الأولى ترفرف عليهما السعادة ويبدو لكل من يراهما شيئا لم يكدر صفو هذه السعادة.

أما دكتور كيس فكان يرى غير ذلك، كان دائم الهم والقلق لعلمه بأن الأمور لا تسير على مايراز لقد زارهما مرتين بدعوة من جون وفي كل مرة كان يلمح الشقاء بادياً في وجه لويزا كما كانت صحتها معتلة ومزاجها منحرفاً وذات مرة سألها دكتور كيس

حدثني عن جون هل تجدينه زوجاً فاضلا يحسن معاملتك.

فأجابته: نعم الزوج وخير المعاملة، إلا أنه يؤثر الصمت ولا يتحدث معي على الإطلاق.

العملية:

   ثم انقضت ثمانية عشر شهراً وفي الثالثة والصنف من صباح أحد اليام سمع الدكتور كيس جلبة وطرقا شديدا على الباب منزله، وتناهي إلى سمعه صوت جون وهو يصرخ قائلا.

دكتور كيس زوجتي تشعر بالآم مروعة، أرجوك أن تأتي حالا.

وانتقلت لوزيا إلى مستشفى الدكتور كيس واجرى لها العملية اللازمة وقد كانت عملية خطرة، وما أن انتهى منها حتى قال لزوجها:

جون لن نتأكد من نجاح العملية إلا بعد مرور يوم كامل، وعلى كل حال فارجح أن صحتها ستأخذ في التحسن.

فصاح جون الذي أخذ يبكي كالطفل:

لا يا دكتور أنها يجب أن تعيش.

وفي المساء ساءت صحتها أكثر من قبل، وخلال الليل أجرى لها الدكتور عملية نقل دم، ولكن دون فائدة:

ثم سمعها تهمس بصوت خافت وتقول:

صارحني  يا دكتور هل هذه هي النهاية؟

فأجابها: لاتقولي هذا ، بل تجلدي وحاولي أن تكوني قوية مثل جون.

إنه لا يحتاجني كثيرا بل هو من القوة بحيث لا يشعر بأدنى حاجة إلي .

ثم أغمضت جفونها.

وفي حجرة المكتب نظر الدكتور إلى جون وسأله:

هل تحب هذه الفتاة يا جون.

إنها زوجتي كيف لا أحبها.

ولكن هل أعلنت لها حبك في أحد الأيام.

وهل هناك ضرورة لذلك؟ إن أوفر لها كل ما تجتاجه واعتقد أن أحداً لن يفعل أكثر من هذا .

ولكن هذا لا يكفي وأشير عليك بأن تحدثها وتشعرها بحنانك.

أنت تعرف لا أستطيع  التحدث مع النساء وهي الآخرى تعلم ذلك جيدا.

ثم وضع  يده  على كتف الدكتور وقال له:

هلا نقلت لها بعضا من دمي.

وفكر الدكتور في الأمر برهة، وأنه يعلم أن لويزا لا تحتاج إلى نقل دم جديد، ويعلم كذلك أن دم جون من فصيلة لا تلائم دم لويزا، وبينما كان جون ينتظر منه الرد أخذ يدبر خطة في صمت وأخيرا قال له.

حسناً يا جون انتظرني دقيقة.

وأخيرا تكلم جون:

ذهب الدكتور إلى حجرة لويزا وأخبرها أن جون يريد أن ينقل إليها بعضا من دمه، فارتسم واضحا علي وجهها وسمع نبضها يشتد بعض الشيء بعد أن كان ضعيفاً للغاية، وأن هذا النبض هو فرصتها الوحيدة للحياة. لم يتردد الدكتور، واستدعى الممرضة وأخبرها بما ينوي عمله، ثم قال لها: إن أحدا منهما لم ير عملية نقل الدم في حياته، ثم استدعى جون وادخله إلى حجرة  لويزا، وأمره أن ينام على منضدة بجوار سريرها، وأخذ جون يد لويزا في يده الضخمة وقال لها:

لويزا اطمئني سأجعلك تتماثلين إلى الشفاء تماماً.

فهمست دون أن تنظر إليه:

لماذا؟.

ذلك لأنك زوجتي.

فسكتت ولم تقل شيئا هنا غرزت الممرضة الأبرة في ذراع جون كما فعل الدكتور نفس الشيء مع لويزا ثم وضع أصبعه على نبضها.

سأل جون زوجته:

كيف تشعرين يا لويزا.

على ما يرام.

ثم أخذ نبضها يشتد وقالت:

جون :

نعم:

إن أحبك يا جو.

وسادت فترة سكون ثم قال جون.

لويزا أنك سوف تعيشين وتتحسن صحتك .

لماذا.

لأني احتاج إليك.

تردد جون وساد الصمت مرة أخرى ثم قال أخيرا

لأني أحبك يا لويزا.

المعجزة: وهنا شعر الدكتور أن نبض لويزا قد اشتد تماماً وتلاحقت ضرباته فانتزع الإبرة من ذراعها واخفى زجاجة الدم الخاص بالمستشفى أسفل السرير ثم قاس نبضها مرة أخرى وكان النبض منتظما قويا وانتزعت الممرضة الإبرة من ذراع جون وخرجت هي والدكتور من الغرفة في هدوء.

واختتم الدكتور كيس روايته قائلا: أن لويزا كانت لا تزال مريضة للغاية، ولكني كنت واثقا تماما من أنها ستتماثل للشفاء ولم أخبرها بالحقيقة أبدا فيكفين أن المعجزة قد حدثت وكنت أعلم أن فصيلة دم جون لا تناسب دم لويزا على الإطلاق ولم يكن في استطاعتي أن أنقل  إليها دم جون بل كنت أنقل الدم إليها من زجاجة خاصة بالمستشفى بينما كان دم جون ينقل إلى زجاجة فارغة والحقيقة أن هذه الفتاة لم تكن في حاجة إلى دم جون بل كانت تحتاج إلى حبه. وقد حدثت المعجزة حينما علمت أنه يحبها.

5-                 وصايا عشرة للزوجة:

    هذه الوصايا ليست بالوصفة السحرية التي تستطيع إنقاذ زيجة وصلت إلى مرحلة اللاعودة، ولكن هذه الوصايا تتوخى تنبيه الزوجة من ارتكاب عشرة أخطاء شائعة بين الزوجات وعلى الزوجة التي لا ترعي هذه الهفوات ولا تعي أثرها أن تتقيد بهذه النصائح وهي:

1-       لدى نهوضك من النوم بادري لإصلاح زينتك وتصفيف شعرك وإبدال ملابس النوم فإذا ما جلست مع زوجك على المائدة الفطور كوني مشرقة المحيا ولا تحدثيه حديثاً يشوش ذهنه ويصرفه عن التصدي لمهام يومه أو يربكه وهو يؤدي عمله.

2-       تجاوزي دور الزوجة إلى الدور الصديقة، ومن الخير أن تجعليه يعتاد اصطحابك في بعض نشاطاته الاجتماعية وهو سيرتاح إلى ذلك إذا أمن أنك لن تربكي له هذه النشاطات ولا تحصين عليه حركاته وسكناته ولا ترتابين في كل فلتة من لفتاته أو ابتسامه تداعب شفتيه، أن معظم الرجال يفعلون ذلك بحكم العادة أو عن غير قصد.

3-       راعي دائما إلا تطالبيه بشراء ملابس جديدة لك أو تحقيق بعض نزواتك إلا بعد استفتاء جميع النفقات الضرورية ، فلدى الرجال فكرة مسبقة مستعصية عن إسراف النساء وعدم إدراكهن للمسؤولية.

4-       إذا أثقلت عليك الأعباء واحتجت إلى مساعدته فلا تطلبيها طلباً سافراً بل حسبك أن تشعريه بحاجتك إلى يد العون وأغلب الظن أنك ستحصلين على مساعدة  أفضل من تلك التي قد تحصلين عليها عن طريق التذمر أو الانتقاد أو الطلب المباشر.

5-       استمتعي معه بكل دقيقة من دقائق أيام عطلته ولا تعكري عليه صفوها بالمطالب أو التذمر والشكوى  ولا تثقلي عليه بدعوة أمك بل حتى أمه.

6-       احسني الإصغاء وتدربي على ملكية موهبة الإصغاء فكل زوج يقسم مواضيعه إلى قسمين قسم لا علاقة له بالمنزل وقسم لا يمكن بحثه إلا في الإطار المنزلي الحميم وحي يروق له مناقشتك في موضوع ما عليك أن تحسني الإصغاء له حتى ولو كان الحديث لا يثير اهتمامك. وإذا هو ازدهي بنفسه وتفاخر فإن ذلك يعني أنه بحاجة إلى دعمك وتأييدك لإرضاء غروره .

7-       تعويد أن تتلمسي مشورته في كل أمر من الأمور وفي كل ما يعني لك من مشاريع تودين تنفيذها. وحتى إذا لم تعملي بمشورته فإن هذا الحوار سيرضي مشاعره ويجنبك استثارته ويطلعك على ردود فعله المحتمله.

8-                 عامليه بالكياسة والرقة والسماحة ولكن باعتدال لا يخالطه التخلي عن الكرامة.

9-       دعيه يشعر أنك تقدرين فعلا  التغطية الاجتماعية التي يؤمنها لك. وأنك مقدرة للجهود التي يبذلها لتأمين استمرارية حياتكما معاً وهذا يعني أشعاره بحاجتك لحمايته ورعايته ولكن دون أن يخالط ذلك مذلة أو تفريط في الكرامة.

10-     اعتني بصحتك وراعي جمالك وتجنبي حيل التمارض وبخاصة الصداع لأنها بتات من الحيل المعروفة من قبل الرجل، وهي تحولك إلى مصدر قلق وهموم ثقيل عليه وتجعله أقل استعداد للعمل على إسعادك.          

عودة للرئيسية