مقابلات مع النابلسي

 
الكفاح العربي حول كتابه الثلاثاء الاسود    

 

الكفاح العربي تقابل النابلسي

حاوره حسين نصر الله / 16 ايلول 2003  

 

د.محمد أحمد النابلسي في حوار حول كتابه الثلاثاء الأسود: أميركا في طريقها لاسقاط العولمة واعتماد سياسة الأحلاف

في الذكرى الثانية لحوادث 11 ايلول سبتمبر نستذكر ذلك الثلاثاء الذي انعكس على العالم بفوضى جيوبوليتيكية غير مسبوقة. في سياق هذه الذكرى تكثر الاسئلة وتتزايد مع صدور كتب من نوع الخديعة المرعبة لتيري مايسن والتساؤلات المؤلمة لأريك هوفشميد, حيث يؤكد المؤلفان كون تلك الحوادث صناعة اميركية خالصة. بل انها هدية مقدمة لادارة بوش لتكون ذريعة لتنفيذ مخططاتها المعتمدة على استغلال وتوظيف القوة العسكرية الاميركية.
بهذه المناسبة نلتقي الدكتور محمد احمد النابلسي, مؤلف كتاب الثلاثاء الاسود خلفية الهجوم على الولايات المتحدة ستشهد سنين صاخبة بعد كلينتون. وأن هذا الاخير محظوظ لأن القانون يمنعه من التجديد فيقيه من صخب السنين الاميركية المقبلة. وفي دراسة له, منشورة في الكتاب, تعود الى العام 1999 اكد النابلسي ان اميركا في طريقها لاسقاط العولمة واستبدالها بسياسة الاحلاف. وشبه الجبار الاميركي بالجبابرة الاسطوريين. الذين يموتون وهم في اوج قوتهم نتيجة نقطة ضعف موجودة داخل اجسامهم. وحدد النابلسي في تلك الدراسة ان مقتل الجبار الاميركي موجود في اقتصاده وفي بورصاته, تحديداً. فهل لا يزال المؤلف ينفي التهمة عن القاعدة؟ توجهنا بالسؤال الى النابلسي فأجاب:

ان نفي التهمة ليس دفاعا عن القاعدة او عن الشرق الاوسط. فهذا النفي يستند الى جملة معطيات موضوعية اهمها الآتية:
1 كشفت المخابرات الاميركية في العام 2000 عن شبكات تجسسية عدة. منها الصيني والروسي والاسرائيلي... الخ من الاختراقات المنشورة في الصحافة الاميركية. وهي تعتبر فضائح ناجزة لهذه المخابرات ودلائل دامغة على اختراقها. بحيث كان من الواجب ان يبدأ التحقيق بحوادث الثلاثاء من هذه الاختراقات وليس من الشرق الاوسط ودوله.
2 هل كان من المناسب قطع الطريق امام الشرق الاوسط للاعراب عن مشاركته الوجدانية للشعب الاميركي بتحويله الى المتهم الجاهز, على طريقة الكبش, لمثل هذه العمليات. مع ما تلا ذلك من تجاوزات بحق الاميركيين العرب والشرق اوسطيين.
3 كيف تحولت التحقيقات الاميركية الى مثل هذه الدرجة من الجهوزية والقدرة على التعرف الى الجناة في اقل من اربع وعشرين ساعة!؟ وهي التي اخطأت في اوكلاهوما وفي لوكربي وعجزت عن كشف ملابسات انفجار اتلانتا 1994 وسقوط طائرة الركاب المصرية 2000 وحتى اغتيال الرئيس كنيدي!
4 امام القدرة التنظيمية والاختراقية للعمليات كان من الواجب تقنين انفعالات الجمهور باتجاه جان او مجموعة جناة لاستيعاب الذعر والغضب. وربما جاء اختيارنا كضحية جاهزة نتيجة تقصيرنا في تعريف الاميركي العادي على ثقافتنا وقضايانا. بل ربما كان لسيل الكتب المسيئة للعرب والمسلمين دورها في هذا الاختيار. وكنا نحن مقصرين في توضيح الحقائق. إلا ان كل تقصيرنا هذا لا يعني بحال تهديدنا وارهابنا بالجملة.
5 أليس من المضحك تخصيص جائزة 5 ملايين دولار للقبض على ملياردير مثل بن لادن؟ وهو القادر على دفع هذا المبلغ كبقشيش لو اراد! في حين تنفق 6 مليارات دولار على مكافحة الارهاب الداخلي الاميركي؟
6 حتى في حال ثبوت التهمة على بن لادن فهل يبرر ذلك اتجاه معاداة العرب. وصولاً الى قتل قبطي مصري لأنه عربي؟
7 ماذا يعني الاستمرار في حشد القوات الاميركية في المنطقة المحيطة بأفغانستان. بما يرافقه من تهديد لكل دول الجوار بما فيها روسيا والصين؟
8 ماذا عن مستقبل الولايات المتحدة وعلاقاتها الدولية والعربية خصوصاً؟
وهذا هو السؤال الاهم الذي لا يدعي احد قدرة الاجابة عنه. لأن الولايات المتحدة قد دخلت في الزمن الصعب الذي غالبا ما يكون مملوءاً بالمفاجآت غير المتوقعة العصية على الاستبصار.
ألا تمثل حرب العراق جواباً على سؤالك حول مستقبل العلاقات الاميركية العربية؟
الموقف الاميركي من العراق مصمم قبل اكثر من عقد من الزمن. لكن الانقلاب الاميركي على الصداقات العربية, السعودية خصوصاً, هو الذي يطرح الاسئلة. ويزداد الحاح هذه الاسئلة مع الانقلابات الاستراتيجية الاميركية المتتالية. فقد انقلبت على فرنسا وألمانيا وتركيا في حين تقاربت مع باكستان والصين مثلاً. والاهم ان ادارة بوش عادت لتسترضي معارضي حربها العراقية بعد ان ادركت استحالة تحقيق اهدافها العراقية من دون شركاء مساعدين. وكان الرئيس شيراك قد اعلن في 3 نيسان ابريل 2003 ان سقوط بغداد لن يكون نهاية الحرب بل بدايتها. وأن الولايات المتحدة ستطلب مساعدة فرنسا ان عاجلا ام آجلاً. وتحقق هذا التوقع يحرج الذكاء الاستراتيجي الاميركي ويتحداه!
مع تنامي الاستعداء الاميركي للاصدقاء يطرح الكثيرون امكانية تكرار حوادث ايلول سبتمبر. سواء بأيد ارهابية او بصناعة اميركية قد تدعم بوش في الانتخابات المقبلة. فتضعه في موقع الماشيح المخلص الذي يسعى اليه بوش! فهل تعتقد بإمكانية هذا التكرار؟
لقد اغتصب الداخل الاميركي في ذلك الثلاثاء. وردة الفعل امام الاغتصاب لا تكون متشابهة في حال تكراره. فنحن نسأل في هذه الحالة عن سبب تكرار هذا الاغتصاب على الجهة ذاتها. كما نسأل عن احتمال التواطؤ بين الفاعل والمفعول به في حال التكرار. ايضاً فإن المتعرض للاغتصاب الداخل الاميركي في حالتنا قد يكتفي بطلب الحماية بعد الاغتصاب الاول لكنه يحاسب في حال التكرار. وعليه فإن احتمال التكرار سيطرح اسئلة من نوع: اين الاجهزة الامنية والسلطات والمسؤولون؟ وهل لهذا التكرار من علاقة بالحرب العراقية او الافغانية او الكورية او باستعداء الادارة للعالم من حولها؟ والاهم من هذا وذاك ان الاقتصاد الاميركي لن يجد من يضخ له الاموال اللازمة لتجاوز تكرار الحادثة. خصوصاً بعد فقدان الاصدقاء وتهديدهم.
اشرت في احدى مقالاتك الى ان ادارة بوش تعاني التفاؤل المرضي. وهذا التفاؤل قد يجعلها تشعر بالقدرة على تجاوز كل الازمات ومنها تكرار الحوادث؟
في رأيي الشخصي والاختصاصي ان ادارة بوش قد استنفدت تفاؤلها في العراق. فقد دفعها هذا التفاؤل لارتكاب هفوات قاتلة. بدءاً بتجاهل قدرة العراقيين على المقاومة وانتهاء بحل الجيش ومن ثم اعادة تجميعه. والادهى من كل ذلك التورط في حرب مكلفة مالياً وبشرياً وغير مرشحة لنهاية قريبة. ولعلنا نستطيع تسجيل نهاية التفاؤل الاميركي بطلب مساعدة قوات دولية في حفظ الامن في العراق. وتأكيد هذه النهاية عبر خطاب بوش للكونغرس طالباً 87 مليار دولار من اموال دافعي الضرائب الاميركيين للانفاق على الوجود العسكري في العراق. حث تهديد هذه التكلفة للرفاه الاميركي كفيل بإطاحة بوش الابن كما سبق وحدث لأبيه.
من خلال الكتاب ومتابعة مقالاتك المنشورة قبل 11 ايلول سبتمبر نجد انك تتوقع حوادث ارهابية داخل اميركا ولكن على يد عناصر اميركية. وتسميها بانفجار الفوضى الداخلية الاميركية, فهل تميلون لنفي التهمة عن القاعدة بسبب هذه الفكرة المسبقة؟
بداية فإن المسألة تتعلق بسيرورات متزامنة. حيث وجود الفوضى الداخلية لا يلغي التحرك الخارجي. فقد استعدت ادارة بوش الاصدقاء وضغطت بقسوة على الوسطيين وهددت المارقين. وبذلك فهي راكمت الاعداء وأصبح المستفيدون المحتملون من حوادث ايلول سبتمبر كثراً وذلك بحيث يصعب تشخيص حجم هذه الافادة وواقعية تفعيلها.
هذه الرؤية تتعارض مع رؤية صموئيل هانتنغتون القائلة بأن انفجار اوكلاهوما لم يكن ليحدث على ايدي اميركيين لو كان لأميركا عدو! وهذا ينفي امكانية تزامن الفوضى الداخلية مع وجود العدو؟
اعداء ادارة بوش لا يلعبون دور العدو الذي يقصده هانتنغتون. فعداءات بوش حركت الحنين الى الاصول لدى المجموعات العرقية الاميركية. فقد شعر الاميركيون ذوي الاصول الصينية والعربية والاسلامية والشرق اوسطية والروسية واليوغوسلافية بالاهانة وبالتهديد من خلال سلوك ادارة بوش. مما حول هذه الجماعات الى قاعدة لفوضى داخلية قد تتفجر لاحقاً, ولتقدير حجم استعداء هذه الجماعات فلننظر الى اعداء الطلاب الدارسين في اميركا ممن فضلوا الدراسة في مكان غير الولايات المتحدة تجنباً للمضايقات!
تذكر في الكتاب ان كلينتون استطاع تحقيق فائض 115 مليار دولار في الموازنة عن طريق تصديره الفوضى الى الخارج. وها هي موازنة بوش تظهر عجزا قيمته 455 مليارا. ومع ذلك تشير البيانات الاقتصادية الى انتعاش الاسواق الاميركية.
تفيد التقارير ان حجم المديونية الاميركية يصل الى 44 ألف مليار دولار. وبالتالي فإن فارق 570 ملياراً بين كلينتون وبوش ليس بالفرق المقرر. لكن المسألة تكمن في اسلوب الحفاظ على التوازن المؤدي للتعايش مع هذه المديونية. فالرساميل الاجنبية تريد اليوم الفرار من اميركا. في مقابل تهديد المخابرات الاميركية بنشر الفضائح الشخصية والسياسية للجهات التي تهرب اموالها من اميركا. لقد تحول الامر من قناعة عالمية بمتانة الاقتصاد الاميركي وربحية توظيفاتها الى خوف ورعب من الهروب منه.
الرئيس بوش يخوض معركته بثقة كبيرة لغاية الآن وهو تلقن جيداً درس سقوط ابيه امام كلينتون لأسباب اقتصادية. ويقال انه احتاط لها مسبقا فهل يجتاز هذا الاختبار ام يفشل فيه رغم استعداده له؟
ان مراجعة المفاجآت الحادثة خلال حكم بوش كانت كافية لخلق مستجدات غير منظورة. وهذه بإمكانها القضاء على الاستعدادات المسبقة. لكن اللافت هي تلك الرابطة العضوية بين اميركا والاتحاد الاوروبي. مما جعل هذا الاخير يستجيب على دعوة الشراكة في العراق بحملة اشارات ليس اهمها ادراج حماس كمنظمة ارهابية. وبمعنى آخر فإن ادارة بوش قادرة على اعادة تجميع بعض الاصدقاء من حولها. ولو بحلف قوامه تخويف الاصدقاء وتهديدهم. وفي هذه الحالة فإن قبول الاطعمة الاميركية المعدلة جينيا والخلافات حول شروط الغات وغيرها من الخلافات ستزول لتصب في مصلحة الاقتصاد الاميركي ودعمه. وبذلك ينجو بوش من الامتحان الاقتصادي الصعب.
هل بقي 11 ايلول سبتمبر قابلاً للاستثمار السياسي من قبل ادارة بوش بعد مرور عامين عليه؟
وزير العدل اشكروفت اعلن عن احتمال عمل ارهابي في اميركا. لكن من دون ردة الفعل المطلوبة. اذ استمرت شعبية بوش بالتراجع بعد هذا الاعلان. لذلك انتقل التركيز على بريطانيا فكانت مناورة الهجوم على مترو لندن في 792003 وبذلك ينتقل استثمار 11 ايلول سبتمبر الى خارج اميركا. اما الداخل الاميركي فهو مشغول كليا بالورطة العراقية, فإذا ما استجابت الامم المتحدة والاوروبيين لطلب تدخل قوات دولية في العراق فهي تكون بذلك قد رفعت بصورة فاعلة حظوظ بوش في التجديد.

العودة للرئيسية