الشخصية العربية بين السيكولوجيا والانثربولوجيا


رد أ.د. محمد حمدي الحجار على ورقة الشخصية العربية في عالم متغير – التي نشرتها مجلة " دراسات نفسية " عي عددها الصادر في يوليو 1997 للدكتور محمد احمد النابلسي. والتي ألقاها في مؤتمر كلية التربية بجامعة دمشق العام 1997

يتمحور الحديث في هذه الورقة للنايلسي حول مقولة صراع الحضارات وأسلوب تعاملنا مع نمط فكري يشكل راهنا" أساسيا" يجعل من توقع صدام الحضارات احتمالا" مستقبليا" متخيلا". ان أول ما يؤكد عليه الدكتور النابلسي هو خصوصية أسلوبنا في هذا التعامل، فقد استأثرت الدول المتقدمة يتصدير مناهج ومواضيع العلوم الانسانية الى البلدان الأقل تطورا". ولعلنا بأمس الحاجة اليوم الى مراعاة خصوصيتنا الحضارية وما تفرضه من تعديلات على المناهج ومواضيع العلوم الانسانية كافة. ذلك أن النظام العالمي يستمر في استغلال غياب القطب الثاني في سعي لتحويل الثقافة والاقتصاد نحو العولمة، التي تسعى الى فرض ما تعتبره نظاميا" قيما" عالميا" على حساب الثقافات والهويات الحضارية المحلية.

 

بهذا، يكون الصراع على وشك التحويل من العسكري الى الفكري والغزو الثقافي بهدف اخماد علائم ومميزات الشخصية الحضارية للأمم الأقل تطورا". والعمل على إبطاء سيرورة التمايز الفكري الحضاري المستقل، مما يجعل هذه الدول قابعة في مستنقع التبعية الفكرية والعلمية. بما يضطرها للاجترار من العلم والمعارف الانسانية المنتجة أساسا" وفق جهاز القيم الأميركي. مما يجعله غير صالح للتطبيق الأعمى في ثقافات أخرى. ومن هنا خطورة ملء فراغنا العلمي بالمعارف المستوردة، فتنتج نسخا" ممسوخة مصبوغة بمعارف مستوردة وعصية على التطبيق بفعالية إجرائية كافية ومرضية في مجتمعنا. ولقد تنبّه استاذنا الدكتور نابلسي بعمق لهذه الوقائع في المؤتمرات التي عقدها مركز الدراسات النفسية والنفسية – الجسدية تحت رئاسته وتحت شعارين " نحو علم نفس عربي" و " ومدخل الى علم نفس عربي". كما تأكد هذا الوعي وترسخت قواعده في كتابه " نحو سيكولوجيا عربية ". هذه الأعمال والكلمة المنشورة في مجلتكم " دراسات نفسية " تشكل صرخة عربية حضارية لارساء هوية محلية للعلوم النفسية بميادينها المتعددة. كما أنها وقفة استبصارية للخطر الحضاري – الثقافي الذي أحاط بفكرنا العلمي، فبتنا قوالب معرفية منسوخة وممسوخة نتعامل معها بأوهام الذات المبدعة في الوقت الذي نمسخ ذواتنا عن عمد وتفاخر بالانتماء الى معارف الغير أو بدون عمد. ان مبدأ " اعرف نفسك" هو جوهر الانطلاقة والانعتاق من معارف حضارية. انسانية مستوردة ( حيث لا ينفع الاستيراد) تعتم كثيرا" على الشخصية العربية، وتدفع بها الى عتمة اللاهوية.

 

اذا"، لا بد من انعطاف في الفكر السيكولوجي والانساني العربي كيما يكتشف ذاته وهويته. بما فيها طابع الشخصية القومية والشخصية النوعية المنفردة المتغايرة. ولعل الشعار الأكثر شمولا" من " نحو سيكولوجيا عربية " هو عنوان " نحو انثروبولوجيا عربية " فالأنثروبولوجيا في المفهوم المعاصر تضم العلوم الاجتماعية والنفسية والبيولوجية، لأنها علوم لا يمكن فصلها عن بعضها البعض في أي بحث علمي من العلوم الانسانية. ومهما كانت التسمية فالدلو ينهل من اليئر الذي ركب عليه. فالمهم أن تتبنى المراكز البحثية العلمية والجامعات في العالم العربي الشعار الذي طرحه الدكتور النابلسي " نحو سيكولوجيا عربية" وما يستتبعه من تحصين للشخصية العربية في هذا العالم المتغير. على أن يجري هذا التبني ضمن خطط برامج بحوث الدرحات العلمية وغيرها. بما يرسم الخطى نحو علم نفسي وتربوي تتحدد فيه ملامح شخصيتنا الحضارية. بما يجعله صالحا" لعلاج مشكلات مجتمعنا التربوية والنفسية والاجتماعية.

 

واذا كان صحيحا" ان علم النفس المرضي فيه خيوط انسانية أممية ( مثل معايير الاضطراب الاكتئابي والوسواسي وغيرهما من الاضطرابات النفسية التي فيها الكثير من التماثل في مختلف الحضارات البشرية). لكن ذلك لا ينفي وجود هوية حضارية للاضطراب النفسي بظهور جزء من الأعراض لا تكون موجودة في ثقافات أخرى.

 

وعلى هذا الأساس فان علم النفس يتعامل مع البنى المعرفية والثقافية، فاذا كانت هذه أميركية كان علم النفس أميركيا". واذا كانت عربية فاننا بحاجة الى تطويع المناهج النفسية لتصبح صالحة للتعامل مع البنى المعرفية والثقافية العربية. وبالتالي، فاننا بحاجة الى " سيكولوجيا عربية" وأكثر تحديدا" وشمولية، فاننا بحاجة الى " انثروبولوجيا عربية"

                                                                             أ.د محمد حمدي حجار

                                                                                خبير استشاري