الحياة تحاور الدكتور محمد النابلسي مؤسس" الثقافة النفسية "

" نستوعب علم النفس الغربي ونسعى إلى تأسيس مدرسة جديدة"

 

 

  بمناسبة مرور عام على صدور مجلة الثقافة النفسية المتخصصة أجرت جريدة الحياة الصادرة في لندن هذه المقابلة مع مؤسس المجلة الدكتور محمد احمد النابلسي. ونشرت هذه المقابلة في عدد الحياة الصادر في 23/1/1991  واليكم نص الحوار :

     احتفلت مجلة " الثقافة النفسية " بمرور عام على صدورها وهي من أولى المجلات العلمية العربية التي تعنى بعلم النفس وكافة فروعه وبسائر القضايا والهموم والأمراض النفسية التي يعانيها الانسان والمجتمع العربيان، تصدر المجلة عن مركز الدراسات النفسية في لبنان ويشرف على تحريرها وإدارتها الدكتور محمد أحمد النابلسي وهو طبيب نفساني وحائز دبلوم الاختصاص العالي للعلاج النفسي وقد أسس " مركز الدراسات النفسية الجسدية " وله عدد من المؤلفات والترجمات : سلسلة البسيكوسوماتيك، سلسلة علم نفس الطفل، " ودراسة في مجتمع الحرب اللبنانية" وفي هذا الكتاب يتناول المآسي النفسية الناجمة عن تلك الحرب. والدكتور نابلسي عضو عدد من الجمعيات الدولية التي تعنى بالطب النفسي وعلم النفس. وفي مناسبة مرور عام على صدور مجلة " الثقافة النفسية " التقينا الدكتور نابلسي في حديث عن المجلة وعلم النفس العربي وعلاقته بالتراث والواقع الراهن.

* ما هو الهدف من إصدار مجلة تعنى بعلم النفس عربيا" ؟

 - الهدف هو تبسيط علم النفس من دون أن يفقد رونقه العلمي، ففي المجلة نراعي كل المستويات في معنى أن ثمة مقالات تتوجه إلى القارئ العادي. إننا نحاول أن نميّز مدرسة نفسية عربية تراعي ظروف الانسان العربي وخصائصه في إطاره الواقعي وفي محيطه الحضاري. وما نحاول أن نقوم به هو اعتماد مبدأ التعريب " الممنطق " عوض مبدأ الترجمة الحرفية. وفي المجلة نحاول أن نكون موسوعيين كي نعطي القارئ نظرة شاملة عن علم النفس وفروعه. وهذه الفروع تشكل أبوابا" ثابتة : " علم نفس الطفل، الأسرة، التحليل النفسي، التراث النفسي العربي. ولا ننسى أننا أمام قراء لا يلمون تماما" بهذا العلم وأصوله فنبدأ كمرحلة أولى بالتحديدات العلمية الواضحة كي نتصل بقرائنا ومن ثم نحلل ونتعمّق تدريجا".

* تتحدث عن التعريب الممنطق لعلم النفس الذي يختلف عن الترجمة الحرفية. علما" أننا غالبا" ما نصاب بخيبة حين نقرأ بعض الترجمات في حقل علم النفس: كيف ترى إلى غياب الترجمة الجيدة والصحيحة هذا المستوى؟

- إن غياب المدرسة العربية يفترض غياب تحديد الحاجات الفعلية للترجمات اللازمة في المجال النفسي. أجل ثمة ترجمات رديئة لكتب سهلة التسويق أصلا" وسط غياب ملحوظ لترجمات بعض الكتب الاساسية والمراجع الضرورية. وهذا يؤدي إلى إرباك القارئ العربي وتشويش معلوماته وحرمان المكتبة العربية من عدد من المراجع البارزة. ولعلّ رداءة الترجمات تنبع من واقع أن مترجميها ليسوا بالاختصاصيين. وذلك إضافة إلى غياب مبدأ مراجعة هذه الترجمات. وثمة مشكلة لافتة تبرز أيضا" على مستوى اختلاف التعابير والمصطلحات العلمية من بلد إلى آخر. وكل هذه المشاكل ترجع إلى عدم وجود المراكز الثقافية النفسية التي من شأنها أن تقوم الترجمات  وتعرف كيف تعممها.

* هل نستطيع في رأيك أن نتحدث عن علم نفس عربي ؟ ما مقوماته وأسسه؟

- مجرد وجود لا وعي جماعي عربي يقتضي إيجاد علم نفس عربي، هذا لا يعني تنكرنا للتصنيفات والمدارس الغربية ولكنه يعني الاصرار على اختلاف الانسان العربي في صحته وفي مرضه وفي وقايته. وهذا الاختلاف يؤكده علم النفس. ويشهد العالم العربي اليوم عدة تيارات في علم النفس: التيار الأول تمثله الترجمة المعرّبة فيما يتمثل التيار الثاني في التأليف العربي الذي يراعي النص العربي ويستند إلى تجارب عيادية عربية. أما التيار الثالث فهو تيار راديكالي يستوعب المبادئ الغربية وينطلق أساسا" من بناء مدرسة جديدة. إن علمنا ينتمي إلى التيار الثالث. وأوا خطوة قمنا بها كانت إيجاد اختبار عربي اعدادا" وتطبيقا" وتقنيا" وقد تطلّب عملنا أربع سنوات من الجهد. هذا وقد اتفق الباحثون العرب حول ضرورة ايجاد الاختبارات النفسية العربية، ولكنهم يختلفون في تصورهم لهذه الاختبارات كما في وسائل إعدادها. وبهذا نكون قد وصلنا غلى مناقشة الموضوع الأهم في هذا المجال، وهو كيفية التوصل لإيجاد الاختبارات النفسية الملائمة للعيادة العربية والمتماشية مع روح اللاوعي الجماعي العربي.

* كيف تحدد العلاقة بين الانسان العربي وعلم النفس ؟

- قد يقول قائل بأن العياديين العرب ينجحون عادة في علاج الحالات المعروضة عليهم، وذلطك عن طريق اتباعهم الأساليب والمدارس الغربية. وان نسبة نجاحهم في ذلك توازي النسبة التي يحققها الغربيون. وهكذا فاننا لا نستطيع اتهام العربي يالميل الفطري لمعاداة العلاج النفسي المعتمد على الطرق العلمية والتجريبية. وعليه فان هذه المعاداة انما هي وليدة احساس العربي بأن هذ العلاجات تستند الى نظريات وأسس لا تحترم تقاليده وأعرافه. ولذلك فانه ميال دوما" للهرب أو للتهرب منها، ومن هنا نلاحظ أن مريضنا غالبا" ما يصل إلى العيادة النفسية بعد استنفاده كافة وسائل العلاج الأخرى وبعد استنفاد عائلته القدرة على الصبر وعلى تحمل الاضطراب.

وهكذا فان عدائية العرب للطب النفسي ولعلم النفس إجمالا" انما تنبع من احساسهم العميق أن هذه العلوم ليست إلا مشاريع غربية قد تنتزع منهم هويتهم الذاتية ومن هنا واجب معاداتها وبالتالي عدم التوجه للعلاج. فالحل إذن لا يمكن بمجرد التثقيف وان كان هذا التثقيف خطوة أساسية على الدرب، بل ينبغي إيجاد مدرسة عربية للطب النفسي. وقد آن الاوان لنضع أسس هذه المدرسة الكفيلة بوضع الحدود للاتهامات الموجهة بشكل جماعي وعام دون ملاحظة الفوارق الاجتماعية والدينية والاتنية.

* هل من جذور لعلم النفس في الحضارة العربية ؟

- في الواقع كان للعرب فضل كبير في نقل العلوم من الميدان النظري الصرف إلى الميدان التجريبي. وقد كان العرب من أوائل الأمم التي أرست مبادئ علم النفس والطب النفسي. فمن علم الغرابة إلى علم الاجتماع إلى العلوم الطبية. أرسى العلماء العرب مبادئ لا تزال متبعة حتى يومنا الحاضر. هناك مثلا" على مستوى علم النفس تجربة قام بها ابن سينا وهي تجعله بمثابة الأب الحقيقي لعلم النفس المحاصر في العالم، فقد ربط ذئبا" بالقرب من حمل دون أن يطال واحدهما الآخر. وفي نتيجة التجربة بدأ الحمل يفقد شهيته للطعام وأصيب بالهزال التدريجي ومات فيما لم يحدث شيء للذئب.

هذه التجربة هي الأساس النظر للعلوم النفسية المعاصرة في فروعها المختلفة: العلم النفسي الجسدي، علم النفس التجريبي، علم النفس الحيواني وعلم النفس الفيزيولوجي.لقد طرح ابن سينا سؤالا" بارزا" بطريقة غير مباشرة وهو : هل يموت الانسان من الخوف ؟ ونلاحظ كذلك أن مبدأ المصح النفسي كان موجودا" عند العرب وقد أولوا الحالة النفسية لدى العجزة اهتماما" خاصا"، وثمة مخطوطات كثيرة لم تحقق بعد وتحوي الكثير من المبادئ النفسية التي نعتبرها معاصرة.

* لماذا تأخر علم النفس في الوصول إلى الواقع العربي كعلم قائم بذاته ؟

- علم النفس هو ابن الفلسفة ولا يمكن قيام مدرسة نفسية من دون الأستاذ على أساس فلسفي. النظريات النفسية المعصرة تستند كلها إلى نظريات فلسفية غربية بعيدة عن الواقع العربي. ونحن من عادتنا أن نملك أفكارا" مسبقة عن بعض الفلسفات، ونتيجة لهذا الوضع نشأ احساس عام باعتبار علم النفس بمثابة صيغة للاعتداء على اللاوعي الجماعي العربي.

يجب على المدرسة النفسية إذن أن تستند إلى فلسفة منسجمة مع اللاوعي الجماعي كما يجب أن تستند إلى التراث الذي يسجل ويعكس هذا اللاوعي، وعليه اعتقد أنه من المستحيل قيام مدرسة عربية من دون العودة إلى التراث النفسي.

* الحرب اللبنانية، كيف تقرأها في ضوء علم النفس ؟

-        تعرّض الشعب اللبناني لعملية غسل دماغ جماعي والأفكار التي زرعت عبر عملية غسل الدماغ كانت تتلخص في الجملة التالية : العنف هو الحل الوحيد للدفاع عن الطائفة والوطن. غسل الدماغ جرى للجميع وبسبب اختلاف الطوائف تمت ممارسة هذا المبدأ. لقد شعر اللبنانيون أن وطنهم مهدد وأن العنف هو السبيل الوحيد للدفاع عنه. وهكذا أدى اختلاف الطوائف الى التصادم وفجر مواقف نسميها بحسب مدرسة " سوندي " العالم السويسري المعروف "مواقف قابيلية"، تكررت مأساة "قابيل" في لبنان وراح الأخوة يقتتلون.

-         في دراسة لي في فترة متوترة من الحرب تناولت عينة من مئة شخص لبناني وجدت انهم يعانون جميعهم من آثار " العصاب الصدمي " ووجدت كذلك أن نسبة الانهيار هي 24 في المئة فيما النسبة العالمية هي 3 في المئة ونسبة الانهيار المقنّع في الظواهر الجسدية ( خفقات قلب، ضيق في الصدر، غصة في الحلق ...) هي 58 في المئة. أما الخوف من الانفجارات فكانت نسبته 90 في المئة. هذه الاضطرابات يمكن اعتبارها عابرة، ولكن قسما" منها يمكنه أن يتدعم بسبب تكرار الصدمات ومرو الوقت (15 سنة حربا") ويمكنه أن يتحول إلى أمراض نفسية حقيقية وإلى معاناة تعجز قدراتنا الطبية الموضوعية عن علاجها.

  العودة الى الرْيسية