في لقاء مع الامين العام للاتحاد العربي لعلم النفس
حول كتابه " العلاج النفسي للأسرى وضحايا العدوان"

القرن العشرون كان قرن الكوارث العربية

منشورة في جريدة الكفاح العربي

 

          الطبيب النفسي اللبناني محمد احمد النابلسي عايش مآسي الحرب اللبنانية وتعامل مع ضحاياها مترجما هذه المعاناة ببحوث عرضها في مؤتمرات عربية و عالمية وبمقالات متخصصة وعامة وايضا بكتب هي الاولى من نوعها في المكتبة العربية.مما كرس النابلسي كمؤسس لفرع دراسة الصدمة النفسية في الوطن العربي.كتابه الاخير موجه للعناية بالاسرى الذين اطلقتهم اسرائيل بعد انسحابها من الشريط اللبناني وبضحايا الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على لبنان.حول هذا الكتاب كان لنا اللقاء التالي مع المؤلف.

*معلوم ان كتبكم في مجال الحروب و الكوارث كانت مراجع للبحوث التي تناولت الكوارث العربية بدءا بالحرب اللبنانية مرورا بالصراعات الداخلية في عدة اقطار عربية وصولا الى حرب الخليج.نريد بداية ان تعرض لنا عناوين هذه المؤلفات.

_ اول اصدار لي في المجال كان "دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية-الامراض النفسية و علاجها" وصدرت طبعته الاولى عام 1985 ثم صدرت عدة طبعات لاحقة له.ثم كان كتاب "الصدمة النفسية-علم نفس الحروب والكوارث" 1992 الذي كان ترجمة لعدد خاص بالصدمة اصدرته مجلة "فصول في الطب النفسي الاسكندينافي" وأضفت اليه بعض تجارب الحرب اللبنانية مثل "متلازمة السيارة المفخخة".هذا اضافة الى بعض الملفات( تعتبركتيبات صغيرة) المنشورة في مجلة "الثقافة النفسية المتخصصة".واخيرا كتاب علاج الاسرى.

*صدمات الحروب تنتمي تقليديا الى الطب النفسي العسكري وخصوصا موضوع صدمة الاسر من بينها .و هذا التداخل لابد له من تقييد حرية الباحث ودفعه الى مراعاة توازنات معينة.فكيف تعاملتم مع هذه التوازنات؟

_ لقد اتاحت لنا طبيعة المعاناة اللبنانية هامشا واسعا للتحرك دون الخضوع للتوازنات.الا لناحية المسؤولية الاخلاقية للمهنة.مثال ذلك اننا عندما عرضنا لمتلازمة السيارة المفخخة في مؤتمر بودابست قدمنا شريط فيديو يتضمن صورا عن المعاناة المأساوية للجمهور في كل المناطق المتقاتلة.بحيث عرض الشريط للمعاناة في منطقة معينة وبعدها مباشرة للمعاناة في المنطقة المقابلة.فالرؤية الآحادية في مثل هذه الحالة تؤجج الصراع وتزيد معاناة الضحايا و اعدادهم.

*هل حصرتم اهتمامكم بالحالة اللبنانية-من اهلية واسرائيلية-ام تخطيتم ذلك الى النطاق العربي الاوسع؟

_ تجربتنا انحصرت في البدء بالعيادة اللبنانية الا انها ما لبثت ان اتسعت عبر بعض الاطروحات الجامعية الدارسة لحالات صدمية عربية ( اليمن والكويت والعراق والجزائر وغيرها) حيث كان الباحثون يطلبون استشارتي لاعتمادهم كتبي كمراجع لهم.مما اتاح لي الاطلاع على خصوصيات عدد من التجارب الصدمية العربية. وتحديد العلائم المشتركة في هذه المعاناة. التي تقسم بدورها الى انسانية-عالمية و الى خاصة-عربية.

*هل يمكن ان تشرحوا لنا هذه الخصوصية العربية و مرجعيتها النظرية؟ خصوصا وانكم تدعون لاقامة سيكولوجيا عربية.

_ الصدمة النفسية هي تعريفا مواجهة تهديد الموت.و هو تهديد تلغى امامه الفوارق الحضارية المعيشة لتتصدر الفوارق الثقافية المتعلقة بمفهوم الموت. وهو مفهوم ثقافي له طابع الشمولية وان كانت هذه الشمولية لا تلغي الفروقات بين المفاهيم الذاتية للموت في اطار المفهوم الشمولي.

*في كتابكم تعارضون التصنيف الاميركي لحالات الصدمة و تعتبرونه غير صالح للاعتماد في حالة المصدومين العرب فهل لكم ان تلخصوا لنا اسباب هذا الرفض؟

_ لهذا الرفض مجموعتين من الاسباب اولها ذي طابع طبي بحت اما الثاني فله طابع انثروبولوجي.واذا اردنا الاختصار نعدد الاسباب التالية للرفض:1-عدم مراعاة الحالات المزمنة و تجاهل مصير الصدمةو اضرارها المستقبلية بعيدة المدى.و2-انطلاق هذا التصنيف من دراسة صدمات بسيطة( حريق معمل دهانات...)و3-تجاهل الناحية المعنوية للصدمة حيث يمكن للصدمة المعنوية ان تدفع بالمصدومين الى طلب الموت والسعي اليه بهدف التعويض المعنوي.وذلك على غرار الانتحار الاحتجاجي الياباني .

*كتاب الاسرى يمثل حاجة لبنانية راهنة ولكن هل تعتقدون بانه يمثل حاجة في المكتبة العربية؟

_ ان الكتابات العربية في هذا الفرع تكاد تكون معدومة.لذلك فان اضافة مرجع من نوع جديد الى هذه المكتبة يكون ضروريا.و اذا كانت هذه المواضيع مطروحة للتداول الاعلامي في لبنان بسبب كثافتها فان ذلك لايعني عدم وجود معادلات عربية لها.و ها هي الانتفاضة خير دليل على المعاناة العربية المكبوتة التي يمكن تجميدها لفترة ما ولكن ليس الى ما لانهاية.فالقرن العشرون هو قرن المآسي العربية.و معها مآسي شعوب العالم الثالث.

*هل لكم ان توردوا لنا باختصار المحطات الرئيسية في هذه المعاناة على امتداد القرن العشرين علما بانكم تقرون في كتابكم بعدم وجود دراسات حولها.

_ ان تقريرنا لعدم وجود دراسات للكوارث العربية ياتي من باب النقد والدعوة لتعويضه و ليس من باب نفي وجود هذه المعاناة.اما عن مسلسل المآسي العربية فاخطرها له طابع معنوي.فقد تم التعامل معنا من منطلق كوننا وبلادنا ارثا ورثه المنتصرون عن الدولة العثمانية.من هنا كانت الفوضى الديموغرافية المفتعلة التي قسمت العالم( وليس الوطن العربي وحده) بصورة عشوائية طبقا لمصالح المنتصرين كم تصوروها في حينه.ولو راجعت المناطق الساخنة في العالم لوجدتها محصورة تحديدا في هذا التقسيم العشوائي.بدءا بالبلقان وانتهاء بفلسطين.التي كانت اولى الكولرث العربية المعنوية الصاعقة( التي سوف تكلفنا مئات الآف الشهداء على مدى الفترة التاليةلل"النكبة" وهي لاتزال عالية التكلفة حتى اليوم.اما عن كوارث ما بعد النكبة فنذكر الحروب مع اسرائيل و الفوضى التي تهدد امن المنطقة و مستقبلها و ثرواتها عبر صراعات مصطنعة حولت قضايانا الى قضايا خاسرة ( بالاذن من الصحافي الكبير رياض الريس).

*تبدأون الكتاب بشهادات الاسرى وهم يروون معايشتهم لتجربة الأسر. وتبدو لي هذه البداية اشبه بالصحافية منها بالاختصاصية! فهل اردتم من خلال ذلك جلب تعاطف القاريء مع هؤلاء الضحايا؟

_ جلب التعاطف هو مسألة اعلامية-صحافية وانا مسرور لانطباعكم هذا.الا ان الهدف كان تقديم نماذج عن اختلاف المعاناة بين شخص و آخر.بالرغم من تشابه ظروف الاسر.فالفروق الذاتية تطرح الاسئلة عن الاختلاف في المعايشة بين الذكور و الاناث.بين المقاتلين و بين المدنيين.بين متوقعي الصدمة وبين المتعرضين لها فجأة.بين المتدربين وغير المتدربين...الخ.و تبيان هذه الفروق يحتاج الى دراسات معمقة وتفصيلية استعضنا عنها بهذه الروايات التي تعطي فكرة عن وجود هذه الفروقات وعن تنويعاتها.

*تشيرون في المقدمة الى ان فصول الكتاب هي مجموعة بحوث كنتم قد عرضتموها في مؤتمرات علمية مختلفة بما يشير الى عدم ارتباط الكتاب براهن معاناة الاسرى المحررين.

_ ان اشارتنا تهدف تحديدا لتبيان عدم الارتباط هذا.فنحن نعلم ان لدينا اسرى لدى اسرائيل وان كنا لانعلم عددهم وتفاصيل عديدة اخرى عنهم.لذلك فان من واجب الباحث العلمي ان يستعد مسبقا لمواجهة الحاجات المحتملة لمجتمعه وللجمهور.بما في ذلك الفئات الخاصة جدا بين هذا الجمهور.

*نريد اطلاع القاريء على فصول الكتاب و محتوياته و النقاط الرئيسة التي يناقشها.

_ يبدأ الكتاب بعرض لروايات الاسرى عن اساليب معايشلتهم الخاصة للاسر.حيث تم اختيار الروايات بدقة بهدف تبيان فروقات المعايشة.يلي ذلك عرض لطريقة التعذيب المعتمدة اسرائيليا ومنها تقنية"الرجرجة" و بعدها عرض لدور الطب النفسي في مواجهة الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على لبنان.

يلي ذلك فصل مخصص لعصاب الحرب يناقش موضوع الحرب كعنصر تهديد للحياة.و يتطرق الى النواحي المعنوية لصدمات الحرب وكذلك الى الفوارق الحضارية التي اشرنا اليها اعلاه.وينتقل الكتاب ليفرد فصلا خاصا عن الوساوس المرضية التي تنتشر لدى الناجين من الصدمة و تتحول الى وباء في المجتمعات المتعرضة لكوارث جماعية والحروب خاصة.

ثم ياتي موضوع الاسرى وهم معنيون بكافة المواضيع السابقة باعتبار الاسر تجربة صدمية عنيفة تتضمن تهديدات متكررة للحياة في ظروف اصطناعية غير انسانية.ونخلص في هذا الفصل الى طرح استراسيجية عربية لعلاج الاسرى. وهو طرح نأمل ان يلقى التجاوب من الاختصاصيين والمهتمين والمسؤؤلين العرب عن شؤون الضحايا.ثم يخلص الكتاب الى فصل اخير يعرض لتجارب عربية في علاج الصدمة.حيث نعرض باختصار شديد لتجربتنا في المجتمع اللبناني بكوارثه المتعددة والمتنوعة.حيث آثرنا الاختصار كوننا عرضنا سابقا للموضوع في مراجع مختلفة.كما عرضنا لاقتراح تعريب نظرية الاختيار وتطبيقها في المجتمع الكويتي.حيث تمتاز هذه الطريقة ببساطتها وقابليتها للاعتماد في مجتمعات عربية مصدومة اخرى.

  العودة الى الرْيسية