جربدة اللواء  تحاورر الدكتور النابلسي حول كتابه

 " الأمراض النفسية وعلاجها – دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية"

 

د.النابلسي : ترميم النفس واصلاح المجتمع أصعب من عملية الاعمار

المطلوب حلول عاجلة للأمراض الجسدية والأزمات النفسية والآفات الاجتماعية.

 

   عقب صدور كتابه " الأمرراض النفسية وعلاجها-دراسة في مجتمع الحرب اللببنانية أجرت جريدة اللواء مقابلة مطولة مع النابلسي
 حول هذا الموضوع. ونشرت هذه  المقابلة على ثلاث حلقات بتواريخ: 7/1/1986 و 21/1/1986 و 22/1/1986 واليكم

 نص هذه المقابلة

 

 

قد يبدو للوهلة الأولى أن الآثار السلبية للحرب اللبنانية انما تتمثل فقط في الأضرار البشرية ( قتلى، جرحى، مشوهون، مفقودون) والاقتصادية ( دمار في المؤسسات والمرافق والمنازل والمحلات)... إلا أن هناك أضرارا" أخرى هي أعمق وأخطر بكثير من الأضرار البشرية والاقتصادية، ولم تلحظها تقارير قوى الأمن الداخلي أو مجالس الإنتماء أو الاعمار على اختلافها...

انها الأزمات النفسية والآفات الاجتماعية والأمراض الجسدية التي خلفتها هذه الحرب. فتركت آثارها السلبية على النفس الانسانية وعلى المجتمع، فبات اللبناني مع كل اللبنانيين، في مواجهة هذه الحرب بشكل أو بآخر، يعانون من آثارها المدمرة. فليس بالضرورة أن تتمثل هذه الأضرار- كما أشرنا – فقط بالمال والممتلكات، فهذه الأضرار أصابت قطاعا" كبيرا" من أبناء هذا الوطن بلا شك، ولا نزال نعني مشقة إعادة إعمار ما تهدم... وقد تسنح الفرصة فتعود الديار وتجني الأموال من جديد ويسلو المحزون، ولكن... مجتمع ما بعد الحرب اللبنانية سوف يقف، بل واقف إيزاء مشكلات أخطر وأعمق قد أصابت المواطن اللبناني بانتكاسات جسدية ونفسية هي ما يجب التنبه له والاعداد لمواجهته والاهتمام بمظاهره وآثاره على النفس والمجتمع الآن وفي المستقبل.

ان الدراسات التي تناولت الحرب اللبنانية قد اعتنت بتشريح الخلفيات السياسية والدينية والاجتماعية لهذه الحرب في معظم الأحيان، وغفلت عن الغوص في الآثار النفسية والاجتماعية لهذه الحرب لسبب أو لآخر...

صحيح أن هناك بعض الأبحاث والمقالات والدراسات التي تناولت جانبا" من هذه الجوانب، إلا أنها لا تزال قاصرة عن الاحاطة بكل مشكلات ما بعد الحرب اللبنانية.

الدكتور محمد أحمد النابلسي الأخصائي بالأمراض النفسية و البسيكوسوماتيك، رصد الظواهر السلبية لهذا المجتمع – عياديا" استقصائيا" – في كتاب له ظهر منذ أسابيع بعنوان ( الأمراض النفسية وعلاجها- دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية ) صدر عن مكتبة الجامعة في 160 صفحة من القطع الكبير.

حول هذا الكتاب، وعن الآثار السلبية للحرب اللبنانية في النفس والمجتمع، نلتقي الدكتور نابلسي في مكتبه بطرابلس في هذا الحوار المستفيض الذي جرى على عدة جلسات شخصية ومن ملفات العيادة وبعض المستشفيات والتقارير المختصة.

ولا بأس هنا من الاشارة بأن الأمراض التي تناولناها في دراستنا ليست مقصورة على الانسان اللبناني، وإن كانت الحرب تجعله في مقدمة المعرضين للاصابة بها، بل هي يمكن أن تعمم على الانسان العربي أو أي مواطن عايش أجواء حروب مماثلة.

 

 

 أزمات وأمراض

في النفس والجسم والمجتمع

 

* إذا استثنينا الأضرار البشرية والاقتصادية. فما هي المظاهر السلبية الأخرى للحرب اللبنانية؟

- في رأيي، ان الظواهر السلبية لهذه الحرب قد بدأت تلوح قبيل انتهائها، بل أؤكد أنها ضهرت بشكل سافر على عدة أصعدة. فهناك أولا" الأزمات والعقد النفسية التي ما كانت لتنشأ إلا في ظل كذا ظروف، ولعل من أهمها الانهيار والعصاب والكاآبة واضطرابات الذاكرة والرهاب والمخاوف والضعف الجنسي وغيرها. وعلى الصعيد الآخر، فقد أدت معظم  هذه الأزمات النفسية إلى ظهور أمراض عضوية لتلفت الأنظار إلى ازدياد عدد المصابين بها، ومنها أمراض القلب والشرايين والأمراض الهضمية (اضطرابات الهضم – القرحة...) والأمراض الجلدية، وأمراض الغدد الصماء (السكري خاصة") والصداع والأمراض النفسية ( العبقة، السل) ...وهي كلها أمراض عضوية ذات منشأ نفسي قد يسهو عن البال الاخصائيين العضويين إن عجز الدواء عن شفاء المريض هو لأن منشأ هذا المرض نفسي بحت، وليس الدواء وحده يشفي الانسان. أما الجانب الثالث من اهتمام دراستنا فقد انصب على الآفات الاجتماعية التي برزت في مجتمعنا وداخل أجواء عائلاتنا، ومنها مشكلة الشباب المحارب الذي سيلقي السلاح – عجلا" – أم آجلا" ومشكلة الخوف من القانون، والادمان وتعدد المهن، والخلافات الزوجية، والقمار وغيرها..

 

عوامل التأزم النفسي

 

* لو توقفنا عند الأزمات النفسية للانسان اللبناني، ما هي برأيكم أهم العوامل التي دفعت إلى هذا التازم ؟

- لكل أزمة نفسية عوامل ومسببات خاصة بها بشكل أو بآخر، وأن أهم عوامل الأزمة للانسان اللبناني بشكل عام هي : ضالة الانسان اللبناني، والخوف من الموت، وحالة الركود المادي والاجتماعي، والمشاعر العدائية، والجنس. وهي تختلف في حدتها بين انسان وآخر.

 

ضآلة الانسان اللبناني

 

*دكتور نابلسي... حبذا لو نتوقف مطولا أمام هذه العوامل التي ذكرتها وخاصة أمام ما أسميتموه (ضآلة الانسان اللبناني)

- ان مجتمع ما قبل الحرب كان يؤمن للانسان اللبناني فرصا" متعددة لتعويض شعوره بضالة الناتج عن صغر المساحة الجغرافية وقلة عدد السكان، فكان واثقا" من نفسه ومعتادا" بوطنه (سويسرا الشرق) ناعما" بالحرية والديموقراطية. أمل اليوم وبعد سنوات الحرب الطويلة، فقد أحسّ الشعب اللبناني بأنه فقد القدرة على تغيير مجريات الأمور مما دفع به إلى اليأس والاستسلام لما قد تأتي به الحرب.

وهذا الاحساس بالضالة هو طبيعي لدى أي شعب يعيش حياة تتحكم فيها القذائف والسيارات المفخخة والخطف والقنص، مما جعل هاجس الموت مسيطرا"، وجعل خيال اللبناني واسعا" بل ومريضا"، وأصبح كفار المختبر يجري عليه قواد الحرب وصانعوالأسلحة تجاربهم. بهذه الطريقة دفعت الحرب الانسان اللبناني إلى الخضوع، وحولته من معتدل ومتسامح، إلى متطرف سياسي وحزبي وديني، ليس عن قناعة بالتطرف، ولكن عن شعور متزايد بالضالة مما خلق رغبة محمومة بالانتماء، لعله يمسح هذا الشعور بالضالة. واستمرار الحرب اللبنانية يعني بطبيعة الحال استمرار هذا الشعور وكذلك استمرار الانتماء، وبالتالي استمرار الخضوع. ولكننا نؤكد أن هذا الشعب يستعد، وبسرعة ملفتة للنظر، للتخلي عن الدكتاتوريات التي انتمى إليها مرغما"، بل والى هدمها بنفس السرعة والاندفاع الذين أظهرهما الشعب في تدعيمها، بشرط واحد إلا وهو تخليصه من شعوره بالضاة، اذن ان شعور اللبناني بأنه قادر على الفعل سيحد من غرور الديكتاتوريات وغرور رموزها وسيجبر رموزها على الاعتدال، لأن تطرف هذه الرموز سيسقطها في ظل الحياة الطبيعية التي يسعى لها كل الشعب اللبناني.

 

حالة الركود

 

* ماذا تعني بحالة الركود التي أشرت اليها كأحد عوامل الأزمات النفسية في مجتمع الحرب اللبنانية؟

- قبل ان نتحدث عن هذه الحالة لا بئس الى الإشارة من عامل (الخوف من الموت) وهو الذي يمس غريزة الحفاظ على الذات (البقاء) العامل الأساسي المحرك للسلوك الانساني. فكثيرا" ما ينسى الانسان هذه الغريزة في فترات الامان... أما في الحرب، فان ناقوس الخطر على الحياة يدق، فيصبح الانسان في حالة استعداد دائمة للدفاع عن حياته، وهذه الحالة (الخوف من الموت) تجعل التفكير مركزا" في نطاق الذات، وتؤدي بالتالي الى شلل جميع النشاطات الانسانية الأخرى، كما أنها تؤدي الى ظهور أعراض أخرى ( خفقان القلب، ضيق في التنفس، غثيان، دوار، صداع، انجراف نحو التدخين والكحول والمخدرات والمهدئات...الخ).

أما (الركود) فهو حالة الشخص الذي يحس بأن الوقت يمضي وهو لا يزال في مكانه دون أن  يستطيع تحقيق آماله وهذا الوضع يجبره على القيام بمراجعات وجدانية مستعرضا" آماله معنفا" نفسه لأنها لم تستطع انجاز طموحاته. وهذه المراجعات الوجدانية خطرة على التوازن النفسي فهي مؤلمة وتؤدي إلى كره الذات وربما إلى إلقاء المسؤولية على المثل والمبادئ. وهذه الحالة كثيرة الانتشار وستصبح احدى أخطر الظواهر الاجتماعية في مجتمع بعد الحرب.

 

تأثير الخسائر المادية والمعنوية

 

* أعتقد أن الخسائر المادية التي مني بها معظم اللبنانيين في الممتلكات والأموال والخسائر المعنوية (فقدان قريب، أو نزوح ...) لها تأثيرها المباشر على ظهور الأزمات النفسية.

- بلا شك ... كما أن آثارها النفسية تختلف تبعا" لاعتبارات عديدة، ومنها ما يتعلق بحجم هذه الخسائر، ومنها ما يتعلق بموقف الخاسر من خسارته – وهذا هو المهم – وكذلك بالاستعداد النفسي لقبول هذه الحخسائر وهذا هو الأهم. ولعل الخسائر البشرية هي أفدح خسائر الحروب عامة، والاحصاءات العالمية التي تنطبق على المجتمع اللبناني تشير إلى خطر هذه المواقف ( وفاة أحد الوالدين أو أبناء أو شريك العمر) وإلى احتمال الاصابة بالذبحة القلبية بنسبة أربعة إلى واحد.

وفي الحقيقة مهما كانت انواع الخسائر وأحجامها، فالخاسر هو انسان مظلوم، أو على الأقل، هكذا يعتبر نفسه، ولهذا فهو يبحث عن الانتقام. وهذا ما يستوجب العلاج في الدرجة الأولى.

 

جميعنا على درجة من الانهيار (الإكتئاب)

 

   * هذا المظلوم ينتقم ممن ؟ والأغلبية الساحقة للبنانيين هم مظلومون في هذه الحرب التي لا يعرف لها قرارا" حتى الآن ‍‍.

- بتعبير أوضح، لنقل أن هذا الخاسر أصبح عدائيا" بعد أن كان سلبيا" في بداية الحرب التي ظن الجميع أنها لن تدوم كثيرا"، ولكن مع استمرار الحرب أجبر معظم اللبنانيين على التعامل معها مأمر واقع، واتخذوا مواقف مختلفة، فحافظ قسم منهم على سلبيته، ولجأ قسم آخر إلى الحلول الهروبية ( سفر، قمار، ادمان) كل حسب إمكاناته وظروفه، كما أن هنالك القسم الذي اتخذ مواقف بدت له إيجابية.

ونحن اليو إذ ننظر إلى هذه المواقف، نرى ان كلا منها يملك من الملابسات والصعوبات ما يكفي لتبرير قولنا بأن اللبنانيين جميعا" يعانون من احدى حالات الانهيار، سواء أكان هذا الانهيار ظاهرا" أو مقنعا" .

 

مظاهر العدائية وأخطارها

 

*ما هي أخطار هذه العدائية وما هي مظاهرها ؟

- لا بد من إعادة التأكيد بأن هذه الحرب التي طالت، قد رسخت قناعة لدى اللبنانيين بأن الحل بعيدا" جدا"، سيما وأنه كلما لاحت لهم تباشير الحل.

 

                                                                    

حول : " الأمراض النفسية وعلاجها – دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية"

د.النابلسي : 70 بالمئة من اللبنانيين يعانون القلق

و 90 بالمئة من المخاوف

الاضطرابات العقلية شملت الجميع وتحولت إلى أشكال مرضية عند البعض

 

 

في الحلقة الأولى من اللقاء الذي أجريناه مع الدكتور محمد أحمد النابلسي حول كتابه " الأمراض النفسية وعلاجها- دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية" أكد المؤلف أن :" ترميم الناس وإصلاح المجتمع أصعب من عملية الإعمار".. وطالب: " بحلول عاجلة للأمراض الجسدية والأزمات النفسية والآفات الاجتماعية ".

وبسبب خطأ فني قطع جواب الدكتور نابلسي في آخر الحلقة الأولى بطريقة شوهت المعنى والموضوع .. وتذكيرا" نعيد ربط الأمور، فنحول سؤال عن الأخطار العدائية لتي بات يشعر بها المواطن اللبناني، ومظاهرها قال الدكتور نابلسي: " لا بد من إعادة التأكد بأن هذه الحرب التي طالت، قد رسخت قناعة لدى اللبنانيين بأن الحل بعيد جدا"، سيما وأنه كلما لاحت تباشير الحل يحصل ما يعكر الأجواء، وتعود المأساة إلى نقطة البداية، الأمر الذي خلق لدى المواطن حالة من التشكيك بالتفاؤل، مما أوجد عنده حالة عدم استقرار نفسي متواصل" ...

وفي الحلقة الثانية اليوم نتابع حوارنا مع الدكتور نابلسي عبر الأسئلة والأجوبة التالية...

 

إحصاءات من الحرب اللبنانية

 

 * ما هي النتائج التي خرجتم بها بعد دراستكم للعوامل المؤثرة في الحرب اللبنانية في الحرب اللبنانية؟

- في الحقيقة، نظرا" لانعدام الاحصاءات في هذا المجال وجدت نفسي مضطرا" للقيام بدراسة ميدانية مصغرة وتوجيه حوالي الثمانين سؤالا" مركزا" لمائة مواطن لبناني تم إنتقاؤهم عن طريق الصدفة المحضة وقد أتت النتيجة على الشكل التالي :

إن 70 في المائة يعانون القلق النفسي، و 90 في المائة من المخاوف (الرهب)، و 82 في المائة من الضغوط النفسية، و 30 في المائة من الأرق، و 36 في المائة من اضطرابات الذاكرة والانتباه، و 25 في المائة من حالات انهيار صريحة، و 56 في المائة من حالات الانهيار المقنع و 62 في المائة من أوجاع عضلية وتشنجات، و 40 في المائة من الصداع، و 80 في المائة من اضطرابات القلب والشرايين، و 50 في المائة من اضطرابات تنفسية، 40 في المائة من اضطرابات هضمية، و 46 في المائة من اضطرابات جنسية.

 

الانهيار الصريح والانهيار المقنع

 

* لفت نظري أن أكثر من 80 في المائة من هذه المينة تشكو من حالات الانهيار. وقد فصلت فيما بينها الى صريح والى مقنع، فما هو الفارق وما هي مظاهر كل منهما ؟

- لا بأس من الاشارة أولا" الى أن الانهيار هو اختلال التوازن النفسي الذي يصيب في الدرجة الأولى مزاج الشخص ومثالياته معرضا" إياه للألم والشقاء. والانهيار على أنواع، وان تعدد الأسباب المؤدية إليه واختلاف الشخصية النفسية من انسان إلى آخر هما السبب في تعدد مظاهر وأنواع الانهيار. والانهيار على أنواعه مرده الى الاضطرابات الوظيفية التي تصيب وظائف الدماغ، والتي تؤدي في كل حالات الانهيار الى المظاهر التالية :

أولا" : اختلال التوازن في حياة المريض الشخصية ( شعور بالتعاسة، تعكر المزاج، كآبة) ويساهم في هذا الاختلال شعور المريض بعدم كفاءته.

ثانيا" : اختلال التوازن في حياة المريض الاجتماعية (الموضوعية) : وهذا يؤدي الى اختلال التحليل العقلاني عنده.

ثالثا" : الاختلال على الصعيد الجسدي والحسي : مثل اختلال الوظائف النفسية من ذاكرة وانتباه كما تؤدي الى اضطراب في الجهاز العصبي السمبتاوي مما يؤدي إلى تسهيل الاحساس الجسدي بالهم والكرب والى دفع المريض أحيانا" الى الاعتقاد بأن أحد أعضائه مريض ( دون أن يكون هذا العضو مريضا" ) والى ظهور وساوس مرضية، واضطرابات هيستيرية تحولية، وقد تتضاءل الحيوية أو تنعدم.

أما عن الفارق بين الانهيار المقنع والانهيار الصريح فإن هذا يتأتى من الاجابة على هذه الأسئلة :

1- هل لديك انطباع بأنك لم تعد قادرا" على التمتع بأشياء صغيرة كانت – ولفترة قريبة – مصدر سعادة لك ؟ 

2- هل تشعر بأنك بحاجة ماسة للحظ أو للمساعدة الالهية لكي تعود لك سعادتك السابقة ؟

3- هل تشعر بأن العوامل المحيطة بك تقيّدك بحيث تعيقك عن اتخاذ القرار ؟

4- هل تعتقد بأن مردود عملك أقل من الجهد الذي تبذله والآمال التي تعلقها عليه ؟

5- هل ينتابك شعور مفاده بأنك لا تصلح لشيء ؟

6- هل تعاني القلق ؟

7- هل تعاني من الأرق ؟

ان الاجابة بنعم على غالبية هذه الأسئلة تشير الى الاصابة بما يسمى الانهيار المقنع، وهو حالة تصيب 56 في المائة من اللبنانيين، أما إذا كان الجواب نعم على كل هذه الأسئلة، فعندها يجب فورا" مراجعة الطبيب لتحديد درجة هذا الانهيار.

 

المظاهر العصابية

 

* اعتقد ان نسبة التوتر العصبي عند اللبنانيين توازي أن لم تتفوق على نسبة المصابين بالانهيار، فما هو رأيك، وهل هذا التوتر هو حالة مرضية ؟

-  بل ان المظاهر العصابية أصابت كل اللبنانيين ، وان لم تتخذ أشكالا" مرضية سوى عند قسم منهم. وأعني بالمظاهر العصابية هو مجموعة الاضطرابات العقلية التي لا يكون سببها عطل في الدماغ. والحقيقة المجردة التي أثبتتها جميع التجارب تفيدنا بأن الضغوط النفسية هي ضرورة حياتية من أجل التقدم شرط أن لا تكون ضاغطة بشكل يؤثر على التوازن النفسي، اذ ان الانسان يعيش حياته في صراع دائم مع ظروفه في محاولات دائبة للتكيف والتكامل مع الشروط والظروف التي يفرضها المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه هذا الشخص مع ما يرافق ذلك من نجاح أو فشل... إلا أن عددا" قليلا" من الناس تقوده هذه الصراعات الى حالة العصاب المرضية، وتلعب الوراثة دورا" مهما" في الاصابة بهذا المرض النفسي، وكذلك طبيعة تكوين الشخص الجسدية والنفسية. والعصاب المرضي على أنواع عديدة لعل منها :

1- النوراستانيا : احساس شديد بالتعب، اضطرابات جسدية وظيفية ( بدون وجود أمراض)، اضطرابات نوم.

2- عصاب الهلوسة : أو عصاب المخاوف والوساوس. ( ويجب التمييز بينه وبين داء انفصام الشخصية) .

3- عصاب القلق : يظهر في فترات الراحة (المساء أو عندما يخلو المرء لنفسه) وتعتري المريض أفكار سوداء.

4- عصاب السوداء(مريض الوهم) : يظهر عند المسنين خاصة، وقد صادفت حالات من هذا النوع لشباب في حوالي الثلاثين من عمرهم، ومظاهره الاهتمام والقلق على الصحة.

ثم هناك عصاب الخلفة العقلي، والعصابات الحركية (تاناة) والعصاب الهيستيري...

وهنا استدرك لأعود فنقول أن المظاهر العصبية التي – وان أصابت جميع اللبنانيين – إلا ان قسما" قليلا" منهم قد تطورت مظاهره العصابية الى حالات مرضية، فليس كل توتر عصبي هو حالة مرضية الا اذا تطورت مظاهره واستمرت أو اتسمت ببعض مؤشرات الأنواع العصابية التي ذكرناها.

 

أمراض جسدية ذات منشأ نفسي

 

* دكتور نابلسي... ذكرت في كتابك عن أمراض الحرب اللبنانية أن هناك أمراضا" جسدية عديدة تضاعف عدد المصابين بها أبان هذه الحرب بسبب عوامل نفسية. فهل توضح هذه النقطة ؟

- ان طبيعة الجسد - كما يقول أفلاطون – لا يمكن تكوين مفهومه ما لم ننظر للجسد ككل. وهذا هو الخطأ الكبير لأطباء عصرنا. اذ أنهم يفصلون النفس عن الجسد عند معالجتهم الجسم البشري. وقد لاحظ أحد العلماء – بنتيجة تجربته على الحيوانات – ان الارهاق كان يؤدي الى أمراض مختلفة مثل ارتفاع الضغط، القرحة، أمراض الشرايين التاجية المغذية للقلب ومنها الذبحة القلبية وكذلك تصلب الشرايين. والحقيقة أن هناك تشابها" كبيرا" بين ردود فعل الحيوان وردود فعل الانسان امام عوامل الارهاق مما دفع بعض العلماء الى القول بأن هذه الأمراض التي ذكرناها هي ذات منشأ نفسي وبالامكان تسميتها بأمراض التكيّف والتلاؤم، وقد توالت الاكتشافات الطبية التي جاءت لتؤكد هذه النظرية والى ظهور ( البسيكوسوماتيك) .

واذا كان الارهاق في أيام السلم العادية هو عبارة عن مجموعة كبيرة من المشاكل الصغيرة (مادية، وظيفية، عائلية، عاطفية،...) وهو ما نسميه بالارهاق المخفف. إلا أن هذا الارهاق اذا تكرر عدة مرات في اليوم طوال سنوات أصبح خطرا". فما بالك بالارهاق الذي أصيب به اللبنانيون في هذه الحرب، والذي تحدثنا عن بعض تأثيراته. ان هذا الارهاق في حالتنا هذه والذي تكرر يوميا"، يجعل ردود الفعل الجسدية ذات خطورة من نوع خاص، لأن تكرارها - كما أشرنا – يؤدي الى ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب، أو القرحة، أو الصداع وحتى الأمراض التناسلية والجلدية، وحسب الأنماط السلوكية والتكوين الجسدي والنفسي لهؤلاء المرهقين، وتطور حالات وفترات ارهاقهم.

 

 

العلاج طبي – نفسي

 

* هنا أريد أن أسأل : هل ان علاج هذه الأمراض العضوية ذات المنشأ النفسي يفترض الغاء الدواء ، واخضاع المريض لجلسات علاج نفسية فقط ؟

- ان علاج الأمراض النفسية ذات المنشأ النفسي بل وحتى الأمراض النفسية البحتة يستوجب أن يتزامن العلاج الطبي(عقاقير..) مع العلاج النفسي والعلاج الوقائي، بدرجات متفاوتة تختلف من حالة لأخرى، ولا يجب عزل أي علاج عن آخر. الا أن ما أحب تأكيده هنا هو انه في الحالات المرضية التي ذكرناها لا يجب الاعتماد على العلاج الطبي فقط، واهمال العلاج النفسي، خاصة اذا ما استمر العلاج الطبي لفترة طويلة دونما أي نتيجة مرجوة.

آفات اجتماعية خلفتها الحرب

              * ننتقل الى الجانب الآخر من حديثنا، وأعتقد انه الأهم، وهو مشكلة الآفات الاجتماعية التي خلفتها الحرب اللبنانية، ما هي أهم هذه الآفات برأيك ؟

- ان معاناة الشعب اللبناني التي بلغت أوجها أثناء الحرب لم تعد مقتصرة على الآثار القريبة لهذه الحرب الحرب كما أشرنا. إذ ان الفترة الزمنية الطويلة التي دامتها الحرب هذه الحرب، اضافة الى ابهام المصير وضبابية الحلول، كان كافيا" لخلق آفات اجتماعية، ظهرت معظ