جربدة اللواء  تحاورر الدكتور النابلسي حول كتابه

 " الأمراض النفسية وعلاجها دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية"

 

د.النابلسي : ترميم النفس واصلاح المجتمع أصعب من عملية الاعمار

المطلوب حلول عاجلة للأمراض الجسدية والأزمات النفسية والآفات الاجتماعية.

 

   عقب صدور كتابه " الأمرراض النفسية وعلاجها-دراسة في مجتمع الحرب اللببنانية أجرت جريدة اللواء مقابلة مطولة مع النابلسي
 حول هذا الموضوع. ونشرت هذه  المقابلة على ثلاث حلقات بتواريخ: 7/1/1986 و 21/1/1986 و 22/1/1986 واليكم

 نص هذه المقابلة

 

 

قد يبدو للوهلة الأولى أن الآثار السلبية للحرب اللبنانية انما تتمثل فقط في الأضرار البشرية ( قتلى، جرحى، مشوهون، مفقودون) والاقتصادية ( دمار في المؤسسات والمرافق والمنازل والمحلات)... إلا أن هناك أضرارا" أخرى هي أعمق وأخطر بكثير من الأضرار البشرية والاقتصادية، ولم تلحظها تقارير قوى الأمن الداخلي أو مجالس الإنتماء أو الاعمار على اختلافها...

انها الأزمات النفسية والآفات الاجتماعية والأمراض الجسدية التي خلفتها هذه الحرب. فتركت آثارها السلبية على النفس الانسانية وعلى المجتمع، فبات اللبناني مع كل اللبنانيين، في مواجهة هذه الحرب بشكل أو بآخر، يعانون من آثارها المدمرة. فليس بالضرورة أن تتمثل هذه الأضرار- كما أشرنا فقط بالمال والممتلكات، فهذه الأضرار أصابت قطاعا" كبيرا" من أبناء هذا الوطن بلا شك، ولا نزال نعني مشقة إعادة إعمار ما تهدم... وقد تسنح الفرصة فتعود الديار وتجني الأموال من جديد ويسلو المحزون، ولكن... مجتمع ما بعد الحرب اللبنانية سوف يقف، بل واقف إيزاء مشكلات أخطر وأعمق قد أصابت المواطن اللبناني بانتكاسات جسدية ونفسية هي ما يجب التنبه له والاعداد لمواجهته والاهتمام بمظاهره وآثاره على النفس والمجتمع الآن وفي المستقبل.

ان الدراسات التي تناولت الحرب اللبنانية قد اعتنت بتشريح الخلفيات السياسية والدينية والاجتماعية لهذه الحرب في معظم الأحيان، وغفلت عن الغوص في الآثار النفسية والاجتماعية لهذه الحرب لسبب أو لآخر...

صحيح أن هناك بعض الأبحاث والمقالات والدراسات التي تناولت جانبا" من هذه الجوانب، إلا أنها لا تزال قاصرة عن الاحاطة بكل مشكلات ما بعد الحرب اللبنانية.

الدكتور محمد أحمد النابلسي الأخصائي بالأمراض النفسية و البسيكوسوماتيك، رصد الظواهر السلبية لهذا المجتمع عياديا" استقصائيا" في كتاب له ظهر منذ أسابيع بعنوان ( الأمراض النفسية وعلاجها- دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية ) صدر عن مكتبة الجامعة في 160 صفحة من القطع الكبير.

حول هذا الكتاب، وعن الآثار السلبية للحرب اللبنانية في النفس والمجتمع، نلتقي الدكتور نابلسي في مكتبه بطرابلس في هذا الحوار المستفيض الذي جرى على عدة جلسات شخصية ومن ملفات العيادة وبعض المستشفيات والتقارير المختصة.

ولا بأس هنا من الاشارة بأن الأمراض التي تناولناها في دراستنا ليست مقصورة على الانسان اللبناني، وإن كانت الحرب تجعله في مقدمة المعرضين للاصابة بها، بل هي يمكن أن تعمم على الانسان العربي أو أي مواطن عايش أجواء حروب مماثلة.

 

 

 أزمات وأمراض

في النفس والجسم والمجتمع

 

* إذا استثنينا الأضرار البشرية والاقتصادية. فما هي المظاهر السلبية الأخرى للحرب اللبنانية؟

- في رأيي، ان الظواهر السلبية لهذه الحرب قد بدأت تلوح قبيل انتهائها، بل أؤكد أنها ضهرت بشكل سافر على عدة أصعدة. فهناك أولا" الأزمات والعقد النفسية التي ما كانت لتنشأ إلا في ظل كذا ظروف، ولعل من أهمها الانهيار والعصاب والكاآبة واضطرابات الذاكرة والرهاب والمخاوف والضعف الجنسي وغيرها. وعلى الصعيد الآخر، فقد أدت معظم  هذه الأزمات النفسية إلى ظهور أمراض عضوية لتلفت الأنظار إلى ازدياد عدد المصابين بها، ومنها أمراض القلب والشرايين والأمراض الهضمية (اضطرابات الهضم القرحة...) والأمراض الجلدية، وأمراض الغدد الصماء (السكري خاصة") والصداع والأمراض النفسية ( العبقة، السل) ...وهي كلها أمراض عضوية ذات منشأ نفسي قد يسهو عن البال الاخصائيين العضويين إن عجز الدواء عن شفاء المريض هو لأن منشأ هذا المرض نفسي بحت، وليس الدواء وحده يشفي الانسان. أما الجانب الثالث من اهتمام دراستنا فقد انصب على الآفات الاجتماعية التي برزت في مجتمعنا وداخل أجواء عائلاتنا، ومنها مشكلة الشباب المحارب الذي سيلقي السلاح عجلا" أم آجلا" ومشكلة الخوف من القانون، والادمان وتعدد المهن، والخلافات الزوجية، والقمار وغيرها..

 

عوامل التأزم النفسي

 

* لو توقفنا عند الأزمات النفسية للانسان اللبناني، ما هي برأيكم أهم العوامل التي دفعت إلى هذا التازم ؟

- لكل أزمة نفسية عوامل ومسببات خاصة بها بشكل أو بآخر، وأن أهم عوامل الأزمة للانسان اللبناني بشكل عام هي : ضالة الانسان اللبناني، والخوف من الموت، وحالة الركود المادي والاجتماعي، والمشاعر العدائية، والجنس. وهي تختلف في حدتها بين انسان وآخر.

 

ضآلة الانسان اللبناني

 

*دكتور نابلسي... حبذا لو نتوقف مطولا أمام هذه العوامل التي ذكرتها وخاصة أمام ما أسميتموه (ضآلة الانسان اللبناني)

- ان مجتمع ما قبل الحرب كان يؤمن للانسان اللبناني فرصا" متعددة لتعويض شعوره بضالة الناتج عن صغر المساحة الجغرافية وقلة عدد السكان، فكان واثقا" من نفسه ومعتادا" بوطنه (سويسرا الشرق) ناعما" بالحرية والديموقراطية. أمل اليوم وبعد سنوات الحرب الطويلة، فقد أحسّ الشعب اللبناني بأنه فقد القدرة على تغيير مجريات الأمور مما دفع به إلى اليأس والاستسلام لما قد تأتي به الحرب.

وهذا الاحساس بالضالة هو طبيعي لدى أي شعب يعيش حياة تتحكم فيها القذائف والسيارات المفخخة والخطف والقنص، مما جعل هاجس الموت مسيطرا"، وجعل خيال اللبناني واسعا" بل ومريضا"، وأصبح كفار المختبر يجري عليه قواد الحرب وصانعوالأسلحة تجاربهم. بهذه الطريقة دفعت الحرب الانسان اللبناني إلى الخضوع، وحولته من معتدل ومتسامح، إلى متطرف سياسي وحزبي وديني، ليس عن قناعة بالتطرف، ولكن عن شعور متزايد بالضالة مما خلق رغبة محمومة بالانتماء، لعله يمسح هذا الشعور بالضالة. واستمرار الحرب اللبنانية يعني بطبيعة الحال استمرار هذا الشعور وكذلك استمرار الانتماء، وبالتالي استمرار الخضوع. ولكننا نؤكد أن هذا الشعب يستعد، وبسرعة ملفتة للنظر، للتخلي عن الدكتاتوريات التي انتمى إليها مرغما"، بل والى هدمها بنفس السرعة والاندفاع الذين أظهرهما الشعب في تدعيمها، بشرط واحد إلا وهو تخليصه من شعوره بالضاة، اذن ان شعور اللبناني بأنه قادر على الفعل سيحد من غرور الديكتاتوريات وغرور رموزها وسيجبر رموزها على الاعتدال، لأن تطرف هذه الرموز سيسقطها في ظل الحياة الطبيعية التي يسعى لها كل الشعب اللبناني.

 

حالة الركود

 

* ماذا تعني بحالة الركود التي أشرت اليها كأحد عوامل الأزمات النفسية في مجتمع الحرب اللبنانية؟

- قبل ان نتحدث عن هذه الحالة لا بئس الى الإشارة من عامل (الخوف من الموت) وهو الذي يمس غريزة الحفاظ على الذات (البقاء) العامل الأساسي المحرك للسلوك الانساني. فكثيرا" ما ينسى الانسان هذه الغريزة في فترات الامان... أما في الحرب، فان ناقوس الخطر على الحياة يدق، فيصبح الانسان في حالة استعداد دائمة للدفاع عن حياته، وهذه الحالة (الخوف من الموت) تجعل التفكير مركزا" في نطاق الذات، وتؤدي بالتالي الى شلل جميع النشاطات الانسانية الأخرى، كما أنها تؤدي الى ظهور أعراض أخرى ( خفقان القلب، ضيق في التنفس، غثيان، دوار، صداع، انجراف نحو التدخين والكحول والمخدرات والمهدئات...الخ).

أما (الركود) فهو حالة الشخص الذي يحس بأن الوقت يمضي وهو لا يزال في مكانه دون أن  يستطيع تحقيق آماله وهذا الوضع يجبره على القيام بمراجعات وجدانية مستعرضا" آماله معنفا" نفسه لأنها لم تستطع انجاز طموحاته. وهذه المراجعات الوجدانية خطرة على التوازن النفسي فهي مؤلمة وتؤدي إلى كره الذات وربما إلى إلقاء المسؤولية على المثل والمبادئ. وهذه الحالة كثيرة الانتشار وستصبح احدى أخطر الظواهر الاجتماعية في مجتمع بعد الحرب.

 

تأثير الخسائر المادية والمعنوية

 

* أعتقد أن الخسائر المادية التي مني بها معظم اللبنانيين في الممتلكات والأموال والخسائر المعنوية (فقدان قريب، أو نزوح ...) لها تأثيرها المباشر على ظهور الأزمات النفسية.

- بلا شك ... كما أن آثارها النفسية تختلف تبعا" لاعتبارات عديدة، ومنها ما يتعلق بحجم هذه الخسائر، ومنها ما يتعلق بموقف الخاسر من خسارته وهذا هو المهم وكذلك بالاستعداد النفسي لقبول هذه الحخسائر وهذا هو الأهم. ولعل الخسائر البشرية هي أفدح خسائر الحروب عامة، والاحصاءات العالمية التي تنطبق على المجتمع اللبناني تشير إلى خطر هذه المواقف ( وفاة أحد الوالدين أو أبناء أو شريك العمر) وإلى احتمال الاصابة بالذبحة القلبية بنسبة أربعة إلى واحد.

وفي الحقيقة مهما كانت انواع الخسائر وأحجامها، فالخاسر هو انسان مظلوم، أو على الأقل، هكذا يعتبر نفسه، ولهذا فهو يبحث عن الانتقام. وهذا ما يستوجب العلاج في الدرجة الأولى.

 

جميعنا على درجة من الانهيار (الإكتئاب)

 

   * هذا المظلوم ينتقم ممن ؟ والأغلبية الساحقة للبنانيين هم مظلومون في هذه الحرب التي لا يعرف لها قرارا" حتى الآن ‍‍.

- بتعبير أوضح، لنقل أن هذا الخاسر أصبح عدائيا" بعد أن كان سلبيا" في بداية الحرب التي ظن الجميع أنها لن تدوم كثيرا"، ولكن مع استمرار الحرب أجبر معظم اللبنانيين على التعامل معها مأمر واقع، واتخذوا مواقف مختلفة، فحافظ قسم منهم على سلبيته، ولجأ قسم آخر إلى الحلول الهروبية ( سفر، قمار، ادمان) كل حسب إمكاناته وظروفه، كما أن هنالك القسم الذي اتخذ مواقف بدت له إيجابية.

ونحن اليو إذ ننظر إلى هذه المواقف، نرى ان كلا منها يملك من الملابسات والصعوبات ما يكفي لتبرير قولنا بأن اللبنانيين جميعا" يعانون من احدى حالات الانهيار، سواء أكان هذا الانهيار ظاهرا" أو مقنعا" .

 

مظاهر العدائية وأخطارها

 

*ما هي أخطار هذه العدائية وما هي مظاهرها ؟

- لا بد من إعادة التأكيد بأن هذه الحرب التي طالت، قد رسخت قناعة لدى اللبنانيين بأن الحل بعيدا" جدا"، سيما وأنه كلما لاحت لهم تباشير الحل.

 

                                                                    

حول : " الأمراض النفسية وعلاجها دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية"

د.النابلسي : 70 بالمئة من اللبنانيين يعانون القلق

و 90 بالمئة من المخاوف

الاضطرابات العقلية شملت الجميع وتحولت إلى أشكال مرضية عند البعض

 

 

في الحلقة الأولى من اللقاء الذي أجريناه مع الدكتور محمد أحمد النابلسي حول كتابه " الأمراض النفسية وعلاجها- دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية" أكد المؤلف أن :" ترميم الناس وإصلاح المجتمع أصعب من عملية الإعمار".. وطالب: " بحلول عاجلة للأمراض الجسدية والأزمات النفسية والآفات الاجتماعية ".

وبسبب خطأ فني قطع جواب الدكتور نابلسي في آخر الحلقة الأولى بطريقة شوهت المعنى والموضوع .. وتذكيرا" نعيد ربط الأمور، فنحول سؤال عن الأخطار العدائية لتي بات يشعر بها المواطن اللبناني، ومظاهرها قال الدكتور نابلسي: " لا بد من إعادة التأكد بأن هذه الحرب التي طالت، قد رسخت قناعة لدى اللبنانيين بأن الحل بعيد جدا"، سيما وأنه كلما لاحت تباشير الحل يحصل ما يعكر الأجواء، وتعود المأساة إلى نقطة البداية، الأمر الذي خلق لدى المواطن حالة من التشكيك بالتفاؤل، مما أوجد عنده حالة عدم استقرار نفسي متواصل" ...

وفي الحلقة الثانية اليوم نتابع حوارنا مع الدكتور نابلسي عبر الأسئلة والأجوبة التالية...

 

إحصاءات من الحرب اللبنانية

 

 * ما هي النتائج التي خرجتم بها بعد دراستكم للعوامل المؤثرة في الحرب اللبنانية في الحرب اللبنانية؟

- في الحقيقة، نظرا" لانعدام الاحصاءات في هذا المجال وجدت نفسي مضطرا" للقيام بدراسة ميدانية مصغرة وتوجيه حوالي الثمانين سؤالا" مركزا" لمائة مواطن لبناني تم إنتقاؤهم عن طريق الصدفة المحضة وقد أتت النتيجة على الشكل التالي :

إن 70 في المائة يعانون القلق النفسي، و 90 في المائة من المخاوف (الرهب)، و 82 في المائة من الضغوط النفسية، و 30 في المائة من الأرق، و 36 في المائة من اضطرابات الذاكرة والانتباه، و 25 في المائة من حالات انهيار صريحة، و 56 في المائة من حالات الانهيار المقنع و 62 في المائة من أوجاع عضلية وتشنجات، و 40 في المائة من الصداع، و 80 في المائة من اضطرابات القلب والشرايين، و 50 في المائة من اضطرابات تنفسية، 40 في المائة من اضطرابات هضمية، و 46 في المائة من اضطرابات جنسية.

 

الانهيار الصريح والانهيار المقنع

 

* لفت نظري أن أكثر من 80 في المائة من هذه المينة تشكو من حالات الانهيار. وقد فصلت فيما بينها الى صريح والى مقنع، فما هو الفارق وما هي مظاهر كل منهما ؟

- لا بأس من الاشارة أولا" الى أن الانهيار هو اختلال التوازن النفسي الذي يصيب في الدرجة الأولى مزاج الشخص ومثالياته معرضا" إياه للألم والشقاء. والانهيار على أنواع، وان تعدد الأسباب المؤدية إليه واختلاف الشخصية النفسية من انسان إلى آخر هما السبب في تعدد مظاهر وأنواع الانهيار. والانهيار على أنواعه مرده الى الاضطرابات الوظيفية التي تصيب وظائف الدماغ، والتي تؤدي في كل حالات الانهيار الى المظاهر التالية :

أولا" : اختلال التوازن في حياة المريض الشخصية ( شعور بالتعاسة، تعكر المزاج، كآبة) ويساهم في هذا الاختلال شعور المريض بعدم كفاءته.

ثانيا" : اختلال التوازن في حياة المريض الاجتماعية (الموضوعية) : وهذا يؤدي الى اختلال التحليل العقلاني عنده.

ثالثا" : الاختلال على الصعيد الجسدي والحسي : مثل اختلال الوظائف النفسية من ذاكرة وانتباه كما تؤدي الى اضطراب في الجهاز العصبي السمبتاوي مما يؤدي إلى تسهيل الاحساس الجسدي بالهم والكرب والى دفع المريض أحيانا" الى الاعتقاد بأن أحد أعضائه مريض ( دون أن يكون هذا العضو مريضا" ) والى ظهور وساوس مرضية، واضطرابات هيستيرية تحولية، وقد تتضاءل الحيوية أو تنعدم.

أما عن الفارق بين الانهيار المقنع والانهيار الصريح فإن هذا يتأتى من الاجابة على هذه الأسئلة :

1- هل لديك انطباع بأنك لم تعد قادرا" على التمتع بأشياء صغيرة كانت ولفترة قريبة مصدر سعادة لك ؟ 

2- هل تشعر بأنك بحاجة ماسة للحظ أو للمساعدة الالهية لكي تعود لك سعادتك السابقة ؟

3- هل تشعر بأن العوامل المحيطة بك تقيّدك بحيث تعيقك عن اتخاذ القرار ؟

4- هل تعتقد بأن مردود عملك أقل من الجهد الذي تبذله والآمال التي تعلقها عليه ؟

5- هل ينتابك شعور مفاده بأنك لا تصلح لشيء ؟

6- هل تعاني القلق ؟

7- هل تعاني من الأرق ؟

ان الاجابة بنعم على غالبية هذه الأسئلة تشير الى الاصابة بما يسمى الانهيار المقنع، وهو حالة تصيب 56 في المائة من اللبنانيين، أما إذا كان الجواب نعم على كل هذه الأسئلة، فعندها يجب فورا" مراجعة الطبيب لتحديد درجة هذا الانهيار.

 

المظاهر العصابية

 

* اعتقد ان نسبة التوتر العصبي عند اللبنانيين توازي أن لم تتفوق على نسبة المصابين بالانهيار، فما هو رأيك، وهل هذا التوتر هو حالة مرضية ؟

-  بل ان المظاهر العصابية أصابت كل اللبنانيين ، وان لم تتخذ أشكالا" مرضية سوى عند قسم منهم. وأعني بالمظاهر العصابية هو مجموعة الاضطرابات العقلية التي لا يكون سببها عطل في الدماغ. والحقيقة المجردة التي أثبتتها جميع التجارب تفيدنا بأن الضغوط النفسية هي ضرورة حياتية من أجل التقدم شرط أن لا تكون ضاغطة بشكل يؤثر على التوازن النفسي، اذ ان الانسان يعيش حياته في صراع دائم مع ظروفه في محاولات دائبة للتكيف والتكامل مع الشروط والظروف التي يفرضها المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه هذا الشخص مع ما يرافق ذلك من نجاح أو فشل... إلا أن عددا" قليلا" من الناس تقوده هذه الصراعات الى حالة العصاب المرضية، وتلعب الوراثة دورا" مهما" في الاصابة بهذا المرض النفسي، وكذلك طبيعة تكوين الشخص الجسدية والنفسية. والعصاب المرضي على أنواع عديدة لعل منها :

1- النوراستانيا : احساس شديد بالتعب، اضطرابات جسدية وظيفية ( بدون وجود أمراض)، اضطرابات نوم.

2- عصاب الهلوسة : أو عصاب المخاوف والوساوس. ( ويجب التمييز بينه وبين داء انفصام الشخصية) .

3- عصاب القلق : يظهر في فترات الراحة (المساء أو عندما يخلو المرء لنفسه) وتعتري المريض أفكار سوداء.

4- عصاب السوداء(مريض الوهم) : يظهر عند المسنين خاصة، وقد صادفت حالات من هذا النوع لشباب في حوالي الثلاثين من عمرهم، ومظاهره الاهتمام والقلق على الصحة.

ثم هناك عصاب الخلفة العقلي، والعصابات الحركية (تاناة) والعصاب الهيستيري...

وهنا استدرك لأعود فنقول أن المظاهر العصبية التي وان أصابت جميع اللبنانيين إلا ان قسما" قليلا" منهم قد تطورت مظاهره العصابية الى حالات مرضية، فليس كل توتر عصبي هو حالة مرضية الا اذا تطورت مظاهره واستمرت أو اتسمت ببعض مؤشرات الأنواع العصابية التي ذكرناها.

 

أمراض جسدية ذات منشأ نفسي

 

* دكتور نابلسي... ذكرت في كتابك عن أمراض الحرب اللبنانية أن هناك أمراضا" جسدية عديدة تضاعف عدد المصابين بها أبان هذه الحرب بسبب عوامل نفسية. فهل توضح هذه النقطة ؟

- ان طبيعة الجسد - كما يقول أفلاطون لا يمكن تكوين مفهومه ما لم ننظر للجسد ككل. وهذا هو الخطأ الكبير لأطباء عصرنا. اذ أنهم يفصلون النفس عن الجسد عند معالجتهم الجسم البشري. وقد لاحظ أحد العلماء بنتيجة تجربته على الحيوانات ان الارهاق كان يؤدي الى أمراض مختلفة مثل ارتفاع الضغط، القرحة، أمراض الشرايين التاجية المغذية للقلب ومنها الذبحة القلبية وكذلك تصلب الشرايين. والحقيقة أن هناك تشابها" كبيرا" بين ردود فعل الحيوان وردود فعل الانسان امام عوامل الارهاق مما دفع بعض العلماء الى القول بأن هذه الأمراض التي ذكرناها هي ذات منشأ نفسي وبالامكان تسميتها بأمراض التكيّف والتلاؤم، وقد توالت الاكتشافات الطبية التي جاءت لتؤكد هذه النظرية والى ظهور ( البسيكوسوماتيك) .

واذا كان الارهاق في أيام السلم العادية هو عبارة عن مجموعة كبيرة من المشاكل الصغيرة (مادية، وظيفية، عائلية، عاطفية،...) وهو ما نسميه بالارهاق المخفف. إلا أن هذا الارهاق اذا تكرر عدة مرات في اليوم طوال سنوات أصبح خطرا". فما بالك بالارهاق الذي أصيب به اللبنانيون في هذه الحرب، والذي تحدثنا عن بعض تأثيراته. ان هذا الارهاق في حالتنا هذه والذي تكرر يوميا"، يجعل ردود الفعل الجسدية ذات خطورة من نوع خاص، لأن تكرارها - كما أشرنا يؤدي الى ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب، أو القرحة، أو الصداع وحتى الأمراض التناسلية والجلدية، وحسب الأنماط السلوكية والتكوين الجسدي والنفسي لهؤلاء المرهقين، وتطور حالات وفترات ارهاقهم.

 

 

العلاج طبي نفسي

 

* هنا أريد أن أسأل : هل ان علاج هذه الأمراض العضوية ذات المنشأ النفسي يفترض الغاء الدواء ، واخضاع المريض لجلسات علاج نفسية فقط ؟

- ان علاج الأمراض النفسية ذات المنشأ النفسي بل وحتى الأمراض النفسية البحتة يستوجب أن يتزامن العلاج الطبي(عقاقير..) مع العلاج النفسي والعلاج الوقائي، بدرجات متفاوتة تختلف من حالة لأخرى، ولا يجب عزل أي علاج عن آخر. الا أن ما أحب تأكيده هنا هو انه في الحالات المرضية التي ذكرناها لا يجب الاعتماد على العلاج الطبي فقط، واهمال العلاج النفسي، خاصة اذا ما استمر العلاج الطبي لفترة طويلة دونما أي نتيجة مرجوة.

آفات اجتماعية خلفتها الحرب

              * ننتقل الى الجانب الآخر من حديثنا، وأعتقد انه الأهم، وهو مشكلة الآفات الاجتماعية التي خلفتها الحرب اللبنانية، ما هي أهم هذه الآفات برأيك ؟

- ان معاناة الشعب اللبناني التي بلغت أوجها أثناء الحرب لم تعد مقتصرة على الآثار القريبة لهذه الحرب الحرب كما أشرنا. إذ ان الفترة الزمنية الطويلة التي دامتها الحرب هذه الحرب، اضافة الى ابهام المصير وضبابية الحلول، كان كافيا" لخلق آفات اجتماعية، ظهرت معظمها في أثناء الحرب، لكنها ستنفجر جميعها في فترة ما بعد الحرب، وبالضبط في اللحظة التي سنطلب فيها من اللبنانيين العودة الى الحياة الطبيعية... وعندها فقط، سندرك هول الهوة التي خلفتها الحرب. إذ أننا سنجد أنفسنا وجها" لوجه امام عدد من المشاكل الاجتماعية التي لن يكون حلها مسألة سهلة.

من هذه المشاكل الاجتماعية مشكلة الشباب المحارب، والخوف من القانون، وتعدد المهن، والخلافات الزوجية، والقمار، والادمان.

حول : " الأمراض النفسية وعلاجها دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية"

د. نابلسي : مشكلة المقاتلين الاجتماعية والنفسية ستظهر بعد انتهاء الحرب.

مطلوب تدخل سريع لانقاذ المجتمع من احتمال تفجير جيل الشباب

 

مشكلة الشباب المحارب

* وهل للشباب المحارب مشاكل بعد انتهاء الحرب ؟ أقصد أليس في انتهاء هذه الحرب نهاية لمشاكل اللبنانيين ومنهم الشباب المحارب ؟

- على العكس تماما" ... ان مشكلة المقاتلين الاجتماعية والنفسية ستظهر عقب انتهاء هذه الحرب... انهم في معظمهم الآن وفي أثناء الحرب وجدوا في أحزابهم المسلحة وسيلة للتمرد والملاذ الوحيدين من حالات الانهيار المقنع التي تحدثنا عنها سالفا"، ومن ضعف الثقة بالنفس ومن شعورهم بالضالة ... . لقد كان معظم المحاربين عاجزين عن ايجاد معنى لحياتهم، فتوهّموا انهم يجدون هذا المعنى عن طريق الحزب المسلح الذي كان يعدهم بايجاد حلول لأزمة انتمائهم.

أضف الى ذلك ان الأحزاب كانت تقوم بتسهيلات عديدة منها :

- اقامة علاقات الصداقة الحميمة.

- تأمين مبلغ من المال لممارسة النزوات.

- تأمين السيطرة والتسلط والشعور بالتفوق.

- تأمين الحماية للشاب كي يمارس الممنوعات ويتحدى القانون.

وقد شهدت الأحزاب المتقاتلة كما نعلم نموا" مرضيا" واتساعا" في فترة قياسية القصر، بحيث استطاعت تنتزع آلاف الشبان وتدفعهم الى التخلي عن أهلهم وأعمالهم. والحقيقة ان استعمالنا لكلمة (الحزب المسلح) هو تعبير نسبي تتحكم فيه عواطفنا وميولنا، اذ أن الحرب اللبنانية قامت في السنوات الأخيرة خاصة باضفاء الطابع الديني على هذه الأحزاب المسلحة. بحيث اننا اليوم اذا ما ذكرنا حزبا" معينا" لعنينا، وبصورة عفوية، جيش الطائفة الفلانية. وهذا الوضع أضفى على الزعماء السياسيين والعسكرببن طابع الزعماء الروحيين، وأعطاهم نفوذ رجال الدين. وما ذلك إلا بسبب ظروف الحرب. هذه الظروف التي أدت الى اقامة العلاقات الوطيدة بين أعضاء التنظيمات المسلحة بحيث بات كل عضو منهم يحس بأنه جزء من كل، ويصعب عليه التخلي عن هذه العلاقات الحميمة مع بقية الأعضاء.

 

مكاسب غير متوافرة بعد الحرب

 * نعني د.نابلسي أن المناخات الملائمة والمكاسب التي يحققها الشاب المحارب من وراء انضمامه الى الحزب المسلح هي التي تغريه وتدفعة الى عدم مفارقة الحياة العسكرية.

- صحيح، كما ان العلاقة التي ذكرناها هي المسؤولة عن انتشار واستفحال الآفات والأوبئة الاجتماعية على أنواعها (تدهور علاقات عائلية، ادمان، اجرام، قمار،...) ومرد ذلك الى عدم التكافؤ والتلاؤم بين مستويات هؤلاء الشبان الذين لا يجمعهم قاسم مشترك سوى حمل البندقية والدفاع بشكل خاطئ عن مبادئ لا يحتاج الدفاع عنها الى كل هذا العنف.

كما ان الميل لممارسة الممنوعات هو ميل طبيعي لدى الشاب، ولكن الحماية والتشجيع يدفعان بهذا الميل ليأخذ طابع الاجرام.

 

تسهيلات مقابلها خضوع

* وماذا تجني الأحزاب المسلحة عندما تقدم لشبابها هذه التسهيلات التي ذكرتها ؟

- ان الأحزاب عندما تقدم كل هذه التسهيلات فلا تطلب من أعضائها كبديل لهذه التسهيلات سوى الخضوع لكافة شروطها التي تقتضي عادة : الطاعة العمياء للقيادة والخضوع للمبادئ والممارسات الفكرية للحزب، والعدائية المرضية للطرف الآخر.

 

ضياع وتطرف

* هل يفترض بالضرورة ان يقبل كل الشباب المحارب على الممنوعات وتحدي القانون، فيما وان نسبة لا بأس بها حملت السلاح عن قناعة فكرية دون أن تتورط بالسلبيات اللاأخلاقية التي تحدثنا عنها ؟

- ان القاعدة العامة لأي انتماء هي ان ممارسة شروط الخضوع للحزب المسلح تؤدي مع الوقت الى انخفاض مقدرة الشاب على الانتباه لما يجري حوله، وذلك نتيجة لتركيز انتباهه على الأهداف الحزبية. كما تؤدي هذه الظروف الى انسلاخ الشخص عن محيطه الطبيعي والحد من علاقاته الشخصية، بسبب اكتفائه بصداقاته ضمن اطار الحزب المسلح. هذه العوامل المجتمعة تؤدي الى التخفيف من قدرة الشخص على تقييم الأمور وتجعله أكثر اندفاعا" لتقبل آراء الآخرين(القيادة) وأقل جرأة على اتخاذ القرار. ومن المعروف ان المنتسبين للأحزاب المسلحة يخضعون لتدريبات مكثفة ترمي الى تطويعهم وتهيئتهم للخضوع العفوي للأوامر. وان الأحزاب المسلحة تصر على هذا الاعداد، ادراكا" منها بأنها قد تحتاج لهؤلاء المحاربين من أجل تنفيذ أهداف تختلف كثيرا" عن الأهداف التي دعت المحارب للانضمام الى الحزب.

ومما يزيد في حالة الضياع الذي يعيشه الشاب المنتسب الى الحزب المسلح هو بعده عن عائلته. وهذا الابتعاد يؤدي الى تكوين المواقف المتصلبة من الأشخاص الذين لا ينتمون الى حزبه. ويعتبر الشاب المحارب نفسه أكثر وفاء" وشجاعة من أي انسان خارج الحزب وهذا ما يؤدي الى التطرف بطبيعة الحال. وكثيرا" ما رأينا كيف كان هذا التطرف ينقلب على زعماء الحزب انفسهم، فاذا حاول هؤلاء التخفيف عن تطرفهم وجدوا معارضة قوية داخل حزبهم، غالبا" ما كانت تؤدي الى انشقاقات أو ظهور رديف له أكثر تطرفا".

 

العودة الى الحياة الطبيعية

* ربما تفسر بالمقابل- انسحاب العديد من الشبان من احزابهم المسلحة وعودتهم الى الحياة الطبيعية ؟

- فعلا"، هناك قسم لا بأس به من المنضمين الى الأحزاب المسلحة يعترفون بأن الحياة العسكرية في الحزب كانت تخيب ظنهم فيها بصورة تدريجية كما أنهم يعترفون بأنهم لاقوا صعوبات جمة في التكيف مع متطلبات الحياة. حتى ان قسما" كبيرا" منهم أدرك الفوارق بين النظرية وبين تطبيقها الفعلي، وهؤلاء ينتهون عادة الى ترك هذه الأحزاب، بعضهم من تلقاء انفسهم، أما غالبيتهم فيحتاجون الى التشجيع لكي يستطيعوا أن يأخذوا مثل هذا القرار. ولا يزال معظم الشباب المحارب تتنازعه الرغبة العميقة في ترك التنظيمات المسلحة، ولكنهم بحاجة قصوى للمساعدة كي يتغلبوا على الضغوط التي يفرضها الحزب وأجواؤه من أصدقاء ومساعدات وتسهيلات، كما أنهم في الوقت ذاته يخافون العودة الى المجتمع خوفا" من رفضه لهم، أو من فشلهم في التكامل فيه.

 

أزمات الشباب المحارب

* لنحدد أكثر لماذا هؤلاء الشباب المحاربون الذين تركوا حياتهم العسكرية، يفشلون في التكامل مع المجتمع الذي يعودون اليه ؟

- ان الأحزاب المسلحة ستترك لنا شبابا" يعاني من أزمات ومشاكل أهمها :

1- شباب متردد، تعود على ان يترك مسألة اتخاذ القرار للزعيم الحزبي وأحيانا" للقضاء والقدر.

2- ضعيف الثقة بالنفس.

3- يعاني فراغا" كانت الحياة العسكرية تملأه.

4- غير قادر على العمل المنتظم .

5- يتقبل الايحاءات وخاصة المتطرفة منها.

6- يعيش في حالة ركود بحيث يشعر بأنه أضاع سنوات عمره هباء" ودون أن يفعل شيئا".

7- يعاني من أوبئة اجتماعية ونفسية خطرة مثل الادمان أو القمار أو الميول العدائية التي تصل لدى البعض الى حد الاجرام.

8- خائف من القانون.

9- متطرف، صعب، عديم المرونة. وتدل بعض الحالات المنفردة على ان فترة تكيف الشاب الخارج من الحزب المسلح مع الحياة العادية لا تقل عن السنة.

10- يعاني من مشاعر الذنب.

11- يعاني من مجموعة وساوس قهرية اهمها حمل السلاح.

* ما هي الخطوات الواجب اتخاذها لمساعدة هؤلاء الشبان المحاربين لاعادة تكييفهم مع الحياة الطبيعية، الآن أو ما بعد الحرب ؟

- لا شك أن مشكلة الشباب المحارب كما قلنا، تطال الألوف من اللبنانيين، وعلاجها يقتضي التدخل السريع والتنفيذ، لأننا أمام شباب عدائي، وقابل للتحول لتفجير عدائيته ضد المجتمع، فإذا لم يتسنى له ذلك، فإنه سيميل الى التخبط في متاهات الوجودية.

واتساع هذه المشكلة يفرض رسم الخطوط العريضة لمساعدة المحارب على الانسحاب الفعلي، وكذلك النفسي، من هذه الحرب، وكذلك تأمين المناخ اللازم لمساعدته في الخطوات التالية :

1- مساعدته على ايجاد التوازن العاطفي والحياة الطبيعية.

2- مساعدته على التخلص من شبح السلاح وتأثيره.

3- مساعدته على ايجاد المرونة والتخلص من التطرف.

4- مساعدته على التخلص من وساوس القهرية.

5- مساعدته على التخلص من مشاعر الذنب.

6- مساعدته على التخلي عن وهم الشعور بأنه منقذ الدين والوطن.

7-  دراسة أنماط الحياة العسكرية التي عاشها من أجل مساعدته.

ولكل خطوة من هذه الخطوات تفصيلاتها المدروسة والعملية التي يمكن أن تعين المسؤولين والمجتمع على الامساك بيد هؤلاء المحاربين للعودة الى حياتهم ومجتمعهم وأهلهم، وقبل كل شيء الى ذاتهم.

 

اقتراحات للمسؤولين

  * دكتور نابلسي ...بشكل عام هل تقترحون خطوات علاجية عامة سريعة قبل الدخول في تفاصيل الاقتراحات التي ذكرتها، وما هي مسؤولية الدولة في هذا المجال ؟

-  هناك خطوات علاجية هامة هي من مسؤولية الدولة بلا شك، وهي جدا" ضرورية من أجل تأمين الأجواء الاجتماعية المناسبة لتكامل الشباب المحارب ولمساعدته ومن أجل تخطي أزمته ، ومن هذه الخطوات :

1- ارساء هيبة القانون، ومصادرة الأسلحة أو على الأقل منع حملها وبسط العدالة دون تمييز.

2- القيام بالاحصاءات الانسانية والاجتماعية والطبية لتحديد وتعريف الآفات والأمراض والأزمات التي تستحق وضعها في جدول الأولويات.

3- اقامة وتشجيع نوادي الشباب الثقافية والفنية والرياضية.

4- تشجيع السياحة الداخلية التي تساهم في كسر الجمود والقساوة التي تكونت في النفوس.

5- تشجيع اقامة الجمعيات الانسانية والاجتماعية ومساعدتها.

6- تأمين الصلاح النفسي للبنانيين الذين خرجوا من الحرب بعاهات نفسية، وفي طليعتها ادمان المخدرات التي يجب أن يكون علاجها مجانيا" وفي مصحات متحضرة.

7- تأمين فرص العمل وحل الأزمات الاقتصادية.

 

الخوف من القانون

 * أشرت الى مشكلة الخوف من القانون، هل هي مشكلة متميزة، أم أنها تتدرج ضمن المشاكل الفرعية للشباب المحارب ؟

- مشكلة الخوف من القانون متميزة، وهي أقل حدة من مشكلة الشباب المحارب ولكنها أكثر انتشارا". لقد أصبح المواطن العادي المسالم نفسه خارجا" على القانون عشرات المرات يوميا" وان لم يحمل السلاح فهو مثلا" يدخن السجائر المهربة ويشتري البضائع المهربة، ويرتكب مخالفات السير ويزور ويغش ويقتني السلاح وان لم يحمله ولا يداوم في وظيفته، ويتقاعس في تأدية واجباته...الخ. فالخروج على القانون أصبح ظاهرة عامة يشارك فيها كل اللبنانيين وبدرجات متفاوتة طبعا". وهذا الوضع يجعل اللبناني يحس بأن عودة القانون هي ضد مصلحته، لذا نلاحظه في قرارة نفسه أن تستمر أجواء الفوضى التي لازمت الحرب ولكن دون استمرار الحرب.

وهنا، على الدولة ان لا تحاول استعمال القوة أو الأمر الواقع في اجبار اللبناني على قبول عودة القانون، بل على اقناعه بأن خروجه على القانون لا يفيده.

ومشاكل أخرى

* هل هناك من آفات اجتماعية أخرى ينبغي الاستعداد لمواجهتها فيما بعد الحرب ؟

- في الحقيقة أرى أن مشكلة الشباب المحارب، ومشكلة الخوف من القانون هما من أهم وأخطر الآفات الت يجب أن نستعد لها جميعا" (مسؤولين، وتربويين، وعلماء نفس، وباحثين) دون ان نغفل بالطبع الآفات الأخرى التي ذكرتها سابقا" والتي يمكن أن ألخصها بهذه الآفات :

1-      الادمان : ويحتاج الحديث عن ظروفه وأنواعه وعلاجه والوقاية منه أحاديث مطولة.

2- تعدد المهن : أو ادمان العمل في أكثر من مهنة لمزيد من كسب الرزق، مما يؤدي الى الغاء فترات الراحة والى الاصابة بالارهاق والمشاكل الزوجية.

3- الخلافات الزوجية : ارتفاع نسبة الهجر والطلاق ويدخل ضمنها المشاكل الجنسية الناتجة عن أزمات نفسية سببتها هذه الحرب.

مشاكل المواطن اللبناني

* دكتور نابلسي .. ما هو الهدف الأساسي من دراستكم حول مجتمع الحرب اللبنانية، وهل هناك من صعوبات اعترضت سبل تنفيذ هذه الدراسة ؟

- في الحقيقة، ان هدف هذا الكتاب هو دراسة المشاكل التي يعانيها انسان الحرب اللبنانية، سواء أكانت نفسية بحتة، أو نفسية عضوية، أو نفسية اجتماعية، وهي بعيدة عن الدراسات السياسية أو التاريخية للحروب، اذ أنها تتوجه للبناني كانسان بالدرجة الأولى، وأحيانا" كمواطن.

ولعل أهم الصعوبات التي واجهتنا في هذه الدراسة هو غياب الاحصاءات والدراسات المهتمة بالانسان اللبناني، وقد استطعنا تخطيها باستقصاءات قمنا ببها بصورة فردية مع ما يصاحب ذلك من صعوبات. ومع ما في مثل هذه الإستقصاءات من قصور.

  العودة الى الرْيسية