النفس المفككة
سيكولوجية السياسة الأميركية

المؤلف: محمد احمد النابلسي
الناشر: مركز الدراسات النفسية

الأصداء الإعلامية للكتاب/ اضغط هنا

 

       بعد كتابيه " النفس المغلولة سيكولوجية السياسة الاسرائيلية" و" النفس المقهورة سيكولوجية السياسة العربية" يصدر الدكتور محمد احمد النابلسي الطبعة الثانية من كتابه الثالث " النفس المفككة سيكولوجية السياسة الاميركية" حيث إقتصر توزيع الطبعة الأولى على أعضاء المركز العربي للدراسات المستقبلية ومشتركيه. وربما رأى مركز الدراسات النفسية ،ناشر السلسلة، ضرورة نشر طبعة شعبية منه بعد الحرب العراقية.

ولهذه السلسلة أهميتها لكونها تقدم قراءة سيكولوجية للسياسات الراهنة بعد أن خلّف سقوط الاتحاد السوفياتي فراغا عالمياً جعل الولايات المتحدة اللاعب الرئيسي في العالم، بما أغرى رئيسها جورج بوش بإطلاق مصطلح النظام العالمي الجديد لتأكيد سطوة الولايات المتحدة وجبروتها العسكري، الذي كرسته حرب الخليج الثانية، التي ذهب بعضهم لاعتبارها الحرب العالمية الثالثة، استنادا إلى عدد الدول المشاركة فيها وإلى كمية الأسلحة المستخدمة خلالها. وعلى الرغم من الإحراجات الدبلوماسية والأخلاقية التي سببها قرار الحرب الأميركي على العراق العام 1991 فان الجبار الأميركي لم يتوقف عن الشكوى. وتركزت شكاويه على الأمور التالية بصورة خاصة:

1- إنه لا يحظى بنفوذ سياسي يتناسب وتفوق قدراته العسكرية، بما يعكس عدم كفايته بالرغم من قدرته على جر دول عديدة إلى تلك الحرب بضغوطات نفوذه وقوته الاقتصادية والعسكرية والسياسية. فقد كانت كل من فرنسا وروسيا تبذلان المستحيل من الجهود لمنع هذه الحرب. ليس فقط لإضرارها بمصالحهما ولكن أيضاً لوعيهما أن هذه الحرب هي حاجة أميركية وليست ضرورة دولية أو إنسانية أو غيرها. علاوة على حرج الدول العربية بالمشاركة في حرب أميركية ضد دولة عربية. خاصة بعد الرفض الأميركي لمحاولة إيجاد مخرج عربي للأزمة.

2- إنه يبحث عن عدو ولا يجده. حتى بدا الأمر وكأنه يطالب العالم بتقديم ضحية ليتسلى الجبار بافتراسها وممارسة جبروته عليها. وفي غياب هذه الضحية راح الجبار يتسلى بالحروب الصغيرة وبالحصارات المتعددة الدرجات ومعها تصنيف دول العالم إلى تابعة ومارقة. وفي ذلك الإعلان عن عدم وجود حالة وسطية.

3- إنه يواجه عقبات في وجه عولمة نظامه القيمي الذي  يرى الجبار الأميركي انه اثبت نجاحه ليصبح سيد العالم دون منازع. فإذا ما فشلت العولمة في مجموعة كبيرة من الدول المتعولمة والمستسلمة لشروط الأمركة رد الجبار هذا الفشل إلى الفساد والتخلف في هذه الدول. وليس إلى عدم صلاحية نظامه للعولمة.

4- إن بعض تطبيقات العولمة تضر بالاقتصاديات الأميركية مما يعطي للجبار الحق بتجاوز العديد من قوانين السوق ومنظمة التجارة العالمية. لكن هذا الحق بالتراجع لا يمتد إلى أية دولة أخرى مهما بلغ شانها وقوتها العسكرية. حتى لو أدى الأمر إلى معاناة شعبها من المجاعة كما حصل في روسيا.

        هذه هي باختصار المظالم الأميركية التي جعلت الولايات المتحدة تبرر تجاوزاتها لمبادئها الليبرالية. لتخوض صراعات مثل حرب كوسوفو ولتفرض الحصار على مئات الملايين من البشر. بل أنها أجبرت الاتحاد الأوروبي على اتخاذ الخطوات الكفيلة بالقضاء عليه وعلى إمكانيات تطويره. وكان ذلك عبر التعديلات الاستراتيجية المدخلة على ميثاق حلف الناتو (الأطلسي). والتي بدأت طلائعها مع إعلان بوش الابن عن إصراره على مشروع "الدرع الصاروخي الأميركي" ولما يمضي شهر على دخوله البيت الأبيض.

هذه المظالم تقودنا إلى السيكولوجيا وإلى الحديث عن العقل الجمعي المنتج لهذه السياسات والمواقف؟. ليصدمنا هذا السؤال بواقع التعددية الأميركي الذي يجعل من المجتمع الأميركي تجمعا أشبه بالموزاييك الذي يتطلب أولاً السؤال عن المواد اللاصقة لأجزائه والجامعة بين جماعاته. وهو السؤال الأصعب!. فعلى الرغم من وجود جواب سهل وجاهز يتمثل بالوفرة الاقتصادية (متوسط الدخل الأميركي 35 ألف دولار سنويا) فإن الموضوعية تقتضي تحري أجوبة أخرى. فالوفرة المادية قد تكون المادة اللاصقة الأساسية للموزاييك البشري الأميركي، إلا أنها ليست الوحيدة فماذا عن بقية المواد؟

إن معرفة المواد اللاصقة الأخرى غير ممكنة بالنظر إلى المجتمع الأميركي من الخارج. إذ إن هذا المجتمع يختلف بصورة كلية عندما ننظر إليه من داخله عنه عندما ننظر إليه من الخارج. ففي الداخل الأميركي رفاهية نفسية تضاعف الأثر اللاصق لتلك المادية. فالحرية الأميركية لا تقف عند حدود ممارسة القناعات الخاصة بل تتعداها إلى التحرر من قيود الآخر لدرجة اللامبالاة به. وذلك على عكس المجتمعات التقليدية حيث يكون الفرد أسيراً لرأي الآخر ومقيدا بالنظم الرمزية للجماعة وقيمها. بما فيها تلك التي تتعارض مع قناعاته ورغباته. بما يجعل الفرد يحس أحيانا بالاغتراب داخل جماعته. أما المجتمع الأميركي فيقدم للفرد حرية شخصية في حدودها القصوى. وهذا ما يعطي للمجتمع الأميركي قدراته التذويبية الفائقة التي تصهر المزيج الأتني والثقافي الهائل التنوع في موزاييك المجتمع الأميركي. فإذا أردنا أن نعطي مثالا على اللامبالاة والتحرر من قيود الآخر فإننا نأخذ المقابلة التي أجريت مع الرئيس بوش الابن عندما كان مرشحا. ففي تلك المقابلة الشهيرة كان بوش نموذجا للمواطن الأميركي العادي الذي لا يهتم بما لا يعنيه. ومن هنا فشله في الإجابة على أسئلة من بديهيات السياسة. وهو فشل فضائحي بالنسبة إلى مرشح لرئاسة القطب العالمي الأوحد. ومن الأمثلة أيضاً ذلك الإحصاء الذي بين أن 80% من الأميركيين يعتقدون أن باكستان وإيران هي دول عربية! وقس عليه.

في المقابل لابد من السؤال عن "الحنين إلى الأصول" وهو حنين من طبيعة الجنس البشري. والجواب اختصارا هو أن عوامل انتصار البراغماتية الأميركية عقائديا والوفرة المادية وخمود القوميات كانت عوامل مذوبة كبتت هذا الحنين، الذي عاود ظهوره بقوة تتنامى مع تنامي انبعاث القوميات. وهو ردة الفعل الطبيعية أمام خمود الأيديولوجيات (ويقال سقوطها). وهذا ما يجعل دراسة المجتمع الأميركي الراهن أكثر تعقيداً. فهل نقسمه وفق انتماءاته العرقية والقومية؟ أم نتبع التقسيم البراغماتي الذي يصنف الناس في أنماط وقوالب سلوكية بغض النظر عن شخصياتهم ولا وعيهم الفردي والجماعي؟.

ويبدأ الكتاب بفصل عنوانه "الشخصية الأميركية" يخصصه المؤلف لمحاولة تقديم الأجوبة على الموزاييك الأميركي وعن نموذج الأمة فاقدة التراث في كيفية تحديدها لمعايير الانتماء ومدى جدية هذا الانتماء.

أما الفصل الثاني فهو مخصص لتعريف القارئ باللعبة السياسية الأميركية. وهي لعبة تجعلها البراغماتية (سياسة المنفعة والمصالح) لعبة بدون قواعد. ويحمل هذا الفصل عنوان "مدخل إلى السياسة الأميركية". حيث محاولة إيجاد هذا المدخل عبر عرض الكتاب لقراءات قائمة من أهم الكتب المتعلقة بالسياسة الأميركية. وهي عروض نقدية كان النابلسي قد نشرناها في قنوات إعلامية مختلفة.

بالانتقال إلى الفصل الثالث وعنوانه " فوضى النظام العالمي ونهاية العولمة" وفيه عرض للفوضى العالمية المنعكسة على سياسة الولايات المتحدة بفقدانها للتوجه ولاعتماد استراتيجية واضحة. وصولا" إلى مخالفتها الصريحة لشروط العولمة وقوانينها. فهي تعادي العولمة إن تعارضت مع مصالحها.

أما الفصل الرابع فهو مخصص لمحاولة تبين المتغيرات التي يحملها ووكر بوش معه إلى السياسة الأميركية. ومدى مرونة رؤاه ومشاريعه للتكيف مع متغيرات اللحظة السياسية الاقتصادية الراهنة مضافا" إليها تركة كلينتون والتزاماته. ويحمل الفصل عنوان " الولايات المتحدة في عالم متغير".

ونأتي إلى الفصل الخامس الذي يتم في التركيز على العلاقات الأميركية-الصينية. حيث تمثل الصين مصدر الخطر المستقبلي على الولايات المتحدة، مما يجعل علاقات البلدين على درجة كبيرة من الأهمية والحساسية. لكن هذا التركيز لا يمكنه أن يكون بمعزل عن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة المتاخمة للحدود الصينية، والتي يطيب لبريجنسكي تسميتها بالحزام الأوراسي. ويحمل هذا الفصل عنوان " الولايات المتحدة والحزام الأوراسي". حيث يعرض أيضاً للمواقف الأميركية من اليابان واستراليا وأندونيسيا وروسيا.

وننتقل إلى العلاقات العربية-الأميركية في الفصل السادس وعنوانه " السياسة الأميركية في الشرق الأوسط". وفيه عرض للدور المركزي الذي يلعبه النفط في تحديد أبعاد هذه العلاقة، والإصرار الأميركي على السيطرة على النفط العربي كخطوة على طريق السيطرة العالمية.

ولكن ماذا عن الداخل الأميركي؟ وكيف تبدو أميركا من الداخل؟ وما هو نوع التغيرات في الداخل الأميركي وفي أيّ الاتجاهات تسير؟ ...إلى غيره من الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها في سياق الحديث عن سيكولوجية السياسة الأميركية. حيث رأى المؤلف في انتخابات العام 2000 خير نموذج لتجسيد هذه التغيرات. ويحمل هذا الفصل السابع عنوان "الولايات المتحدة من الداخل".

وبذلك نصل إلى الموضوع الأهم والأكثر إلحاحا وهو موضوع "مستقبل الولايات المتحدة الأميركية". إذ يبين علم المستقبليات أن الإمبراطوريات متعددة القوميات تموت موتا بطيئا و موجعاً وجالباً للكوارث ومريقاً للدماء. فهل تشذ الولايات المتحدة عن هذه القاعدة المستقبلية المتعارف عليها؟.

إن المواطن الأميركي اليوم فاقد للتوجه. إذ يتنازعه الحنين للأصول ( الآريون الأميركيون واللوبي اليهودي والتجمعات العرقية والدينية المختلفة) ومتعة اللامبالاة والذوبان، مما افقد الموزاييك الأميركي دعم الوفرة المادية بنشوة الحرية الشخصية التي تبدت مثاليتها ولا واقعيتها في الزمن الصعب، حيث اشتكى الآريون من سيطرة اليهود على الحكومة الفيديرالية. وحيث اشتكى الزنوج من تدني دخلهم واستمرارية التمييز العنصري ضدهم. وحين اتهم ذوو الأصول العربية بانفجار أوكلاهاما وغيرها من المواقف التي غذت الحنين إلى الأصول وهي في طريقها لإلغاء متعة اللامبالاة بالآخر. هذا الإلغاء الذي يترك الموزاييك الأميركي قائما على الوفرة المادية وحدها. وهكذا يتوضح تدريجيا عجز الذات الأميركية عن مكاملة وتركيب مجموعاتها الدينامية. إذ يزداد بروز عوامل الاختلاف بين هذه المجموعات حتى ينفجر مع أول أزمة اقتصادية أميركية قادمة. وعندها ستتبدى الفوارق بين هذه المجموعات على الأصعدة المختلفة ( العرقية واللغوية والدينية والمذهبية والقومية ...الخ). حتى أمكن القول إن انفجار أوكلاهوما وقبله حوادث ليتل روك ولوس أنجلوس وبعدها حوادث سينسيناتي لم تكن سوى مظاهر لبداية تفكك الذات الأميركية، على طريق تحويلها إلى فتات من الأقليات المتنافرة. إنّها النفس الأميركية المفككة...

يقع هذا الكتاب في 305 صفحات من الحجم الوسط وهو صادر عن مركز الدراسات النفسية والنفسية الجسدية. ولعل ما يلفتنا فيه هو إبتعاد المؤلف عن إقحام نوبة هياج 11 أيلول في تحليله للشخصية الأميركية. إذ أن التحليل النفسي بنظر لهذا الهياج على أنه تنفيذ هوامي للرغبات المكبوتة. هذه الرغبات التي يلاحقها النابلسي ويتتبعها بالرصد والتحليل.

     جريدة الأنوار في         الدكتور عبد الرحمن العيسوي

      العودة الى الصفحة الرْيسية                                                                استاذ علم النفس / جامعة الاسكندرية