البحوث والمؤتمرات

 

قائمة مقالاته المنشورة على شبكة الانترنت / اضغط هنا

البحوث السابقة بحوث جديدة

 

بحوث جديدة

  قناة الجزيرة مقابلة قناة الجزيرة حول التعذيب الأميركي
 مناقشة في فضائية العربية نت الإنتخابات اللبنانية محمد النابلسي
  مؤتمر عام على إحتلال العراق تداعيات الحرب العراقية على الساحة السياسة العربية
  مؤتمر عام على إحتلال العراق الكوميديا العراقية
 منتدى مستقبليات / انترنت لماذا يهرب الأميركيون يا سعادة السفير؟
 منتدى مستقبليات / انترنت الإنقلابات الإستراتيجية الأميركية 
ندوة المركز العربي للدراسات المستقبلية قراءة سيكولوجية في ظاهرة الذعر الاميركي
ندوة المركز العربي للدراسات المستقبلية المكارثية الجديدة في أميركا
 منتدى مستقبليات / انترنت قراءة سيكولوجية لخطاب بوش في بريطانيا
ندوة المركز العربي للدراسات المستقبلية التداعيات المستقبلية لإحتلال العراق
 منتدى مستقبليات / انترنت طهرانية بوش وكاثوليكية كيري
  لقــاء المنتدى الثقافي

المعارضة اللبنانية أزمة تصنيف  أم توصيف؟.

  مؤتمــر بــاحث للدراسات رؤية سيكولوجية للموقف الإسرائيلي من  التسوية
  مركز باحث للدراسات قراءة مستقبلية في الانتخابات الأميركية
  منتدى الباحث على الانترنت فضائح بوش والإنتخابات القادمة
 منتدى الشبكة العربية للعلوم النفسية سيكولوجية الجندي الأميركي في العراق
 ندوة ممانعة الأمركة 9 /12 / 04 المنطلقات الجيوسياسية لأمركة الشرق الأوسط
 معهد العلوم الحكمية محاضرة حول الانثروبولوجيا الثقافية اليهودية  - بيروت في 4 / 2 / 2003
كلية الطب - صفاقس    قراءة نقدية للتصنيف الاميركي لاضطرابات الشدة التالية للصدمة
 جمعية الاطباء النفسيين - تونس واقع العلوم النفسية في الوطن العربي  
ندوة مركز الباحث 7 / 6 / 2003 الرؤية السيكولوجية الاسرائيلية للتسوية
ورقة في منتدى الباحث  " قراءة مستقبلية في الانتخابات الأميركية القادمة "
منتدى الالف الثالث 15 / 8 / 2003 اليمين الاميركي والمخابرات

 مركز الدراسات 17 / 11 2003.

السيكومورفولوجي / دورة تدريبية.
  مركز الدراسات 3 / 11 / 2003 سيكولوجية الشائعة / دورة تدريبية    
 مكتبة الأسد في 3 / 1 / 2003

  انبعاث القوميات

اللاذقــية- إتحاد الكتاب العرب محاضرة الواقع العربي وآفاقه المستقبلية

ندوة باحث دمشق

الإنقلابات الإستراتيجية الأميركية وأثرها على القضية الفلسطينية

  مؤتمر جامعة دمشق فرضيات التموقع العربي في الفضاءات العالمية
حلقة نقاشية   4 مايو 2003 " انعكاسات الحرب العراقية على القضية الفلسطينية" - اتحاد الكتاب العرب
أسبوع دار الفكر 19-24 ابريل  " إغتراب الطفل العربي " 
اللاذقية في 8 يونيو 2004 المشهد السياسي العربي بعد قمة تونس /  اتحاد الكتاب العرب
 دمشق في 23 / 4 / 2005 نــدوة عالم بلا عنف /الأسبوع الثقافي السادس لدار الفكر
ندوة دمشق 27 /12 /2004 رؤية مستقبلية لمشروع الشرق الأوسط الكبير

 

 

 

 

 

 

البحوث السابقة

   

  المؤتمر العالمي للطب النفسي / أثينا 1989

إختبار رسم الوقت في أوضاع الكارثة
Represantation du temps dans le desastre

  مؤتمر المثقفون والإنصهار الوطني / طرابلس 1987

الأمن الإجتماعي والإنصهار الوطني
 
La Securite Sociale et Nationale au Liban

المؤتمر العالمي لعلم النفس الفيزيولوجي / بودابست 1990  بسيكوسوماتيك الحرب 
Psychosomatique de la guerre    
  مؤتمر الجمعبة العالمية لإمراضية التعبير / بودابست 1997 تطبيق اختبار رسم الوقت في السيكوسوماتيك
 Le test du temps en Psychosomatique     
  مؤتمر الجمعبة العالمية لإمراضية التعبير / بودابست 1999 الكاريكاتير والفكاهة في رسوم المرضى النفسيين
 مؤتمر الإتحاد العربي للعلوم النفسية / مصر واقع الطب النفسي في الوطن العربي
 مؤتمر الإتحاد العربي للعلوم النفسية / مصر العرب بين الارهاب والبحث العلمي
   مؤتمر كلية التربية بجامعة دمشق العام 1998. الشخصية العربية والوفرة الاقتصادية
  مؤتمر الآثار النفسية للغزو العراقي للكويت العام 1994 مقابلة مقترحة لفحص المصدومين العرب
  مؤتمر الإتحاد العربي للعلوم النفسية / مصر حول مستقبل العلوم النفسية في العالم العربي
  مؤتمر الاتحاد العالمي للصحة النفسية في القاهرة 1994 السياسة واخلاقيات الطب النفسي
  مؤتمراالجمعية الإسلامية العالمية للصحة النفسية 1994. الاسلام والطب النفسي الوقائي
  مؤتمر "نحو علم نفس عربي"  1992 رئيس مؤتمر "نحو علم نفس عربي"  1992
  مؤتمر "مدخل إلى علم نفس عربي" لبنان 1994.    رئيس مؤتمر "مدخل إلى علم نفس عربي" لبنان 1994.  
  المؤتمر العالمي "الشباب والصحة النفسية" 1996.    رئيس المؤتمر العالمي "الشباب والصحة النفسية" لبنان 1996.     
  مؤتمر اتحاد الكتاب العرب  1998 .         نهاية اسرائيل واستمرار لعبة الأمم
  مؤتمر كلية التربية بجامعة دمشق  1997.  الشخصية العربية في عالم متغير
   ندوة الجمعية السورية للطب النفسي   1997 الوقاية من اضطراب الشدة المصاحب للصدمة
  المؤتمر الأول لرعاية الشيوخ جامعة حلوان  2000.   دورات التنويم كعنصر داعم  للتشخيص السيكاتري للمسنين
   مؤتمر  الخدمات النفسية و الأمن الخليجي الكويت،2000   مقومات الأمن الاجنماعي في المجتمع الخليجي
  مؤتمر اتحاد الاطباء النفسيين العرب/تونس 2001 تناذر الضرة معاناة إمرأة تزوج زوجها بأخرى
   مؤتمر الاتحاد العربي للجمعيات غير الحكومية لمكافحة الادمان2001.   نحو رؤية تكاماية لموضوع الإدمان في العالم العرب -   القاهرة
  مؤتمر حوادث السير في دول الخليج /الكويت ،مارس 2002 علاقة حوادث السير بتشويه الدفاعات النفسية
 منتدى حياتنا النفسية معاداة العلاج النفسي على الطريقة العربية

  ذكرى وفاة عبــد الناصـر

تحليل قصيدة قتلناك يا آخر الأنبياء لنزار قباني
 منتدى حياتنا النفسية سيكولوجية العنف والجريمة
  ندوة عرض كتاب قراءة في كتاب سيكولوجية الارهاب السياسي
منتدى حياتنا النفسية الإستجابة للعلاج الخادع/ البلاسيبو  Placebo
  المؤتمر الدولي الثالث للصحة النفسية  الكويت العام 2000. الوساوس المرضية وانتشارها الوبائي في مجتمعات الكوارث
  المؤتمر العربي الثامن لعلم النفس

الطب النفسي والعولمة

ندوة المركز العربي للدراسات المستقبلية اسرائيل وحقوق الانسان
منتدى الشبكة العربية للعلوم النفسية

خصوصية الضغوط النفسية المرافقة للانتفاضة

  منتدى مستقبليات / انترنت قراءة في الكارثة الأميركية وانعكاساتها

 دورة تدريبية الديوان الأميري/ الكويت

العلاج النفسي الاسري وتياراته

ندوة حول كتاب النفس المغلولة

تحليل قصبدة عابرون في كلمات عابرة/ محمود درويش

ندوة المركز العربي للدراسات المستقبلية

الإنقلابات الإستراتيجية الأميركية 
منتدى مستقبليات / انترنت فضائح بوش والإنتخابات القادمة
  مؤتمر الجمعية العالمية للطب النفسي مدريد 1996 . Cross cultural Expriences with Rudolph s Test and Essay of Standardization

العودة الى الصفحة الرْيسية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

معاداة العلاج النفسي

على الطريقة العربية

الدكتور محمد أحمد النابلسي

أستاذ الطب النفسي ، أمين عام الاتحاد العربي للعلوم النفسية / طرابلس لبنان

ceps50@hotmail.com

       يمتاز المجتمع العربي بنظراته الخاصة ومفاهيمه المميزة للعلاج النفسي . ولا يمكن لأي شخص ( أو مدرسة أو مجموعة ) أن يتنكر لخصائص مجتمع ما حتى ولو كانت هذه الخصائص وليدة تفسير خاطئ وغير منطقي للحقائق . ولكن المجتمعات الراغبة في التطور لابد أن تتخلص من شوائب الإشاعات وأن تقضي على غابات الجهل الكثيفة التي تحول دون التعامل مع الواقع بالموضوعية اللازمة . هذا إذا كانت هذه المجتمعات راغبة فعلاً في التطور . فإذا رفضته أو خافت منه فإنها تلجأ إلى الحيل لإيجاد تبريرات " منطقية " للواقع تمهيداً لقبوله دون أي تغيير . والواقع الذي نود مناقشته هو واقع عجز الفرد ( العربي ) عن الإفادة من العلاجات النفسية المتوافرة ، ويتضح لنا حجم الخسارة الناجمة عن هذا العجز ، من خلال مراجعتنا لتعريف أهداف الطب النفسي المعاصر(1) .

 فهو " يهدف إلى مساعدة الشخص على بلوغ المستوى الذي يؤهله لأن يعيش المستوى الأفضل لسعادته ولأن يكون في المستوى الأفضل الذي يتيح للمجتمع الإفادة من قدراته ومساهماته " . فمن خلال هذا التعريف تتضح أمامنا الخسائر التي تلحق بالمجتمع عندما يتخلف أفراده عن العلاج . فالمضطرب نفسياً هو في الواقع إنسان مشلول من الناحية الاجتماعية . إنه من ناحية يعيش حياته بعيداً عن السعادة ومن ناحية أخرى يفقد فعاليته الاجتماعية وحتى الأسرية . ولعلنا ندرك ، بصورة أكثر جلاء ، حجم هذه الخسائر إذا ما عرفنا أن 10% من السكان يحتاجون إلى زيارة العيادة النفسية ، وذلك وفق إحصاءات منظمة الصحة العالمية التي تؤكد أن المشكلة أكبر حجماً في الدول النامية منها في الدول المتقدمة ولكن ما هي الأسباب المؤدية إلى هذه الخسائر ؟ ..

       تتداخل الأجوبة المبررة لهذه الأوضاع وتلامس مواضيع غاية في الدقة والحساسية حتى يتفجر من خلالها نقاش يختلف فيه المحاورون عما إذا كانت هذه النقاط أسباباً أم نتائج ! وفيما يلي سنحاول استعراض هذه الأسباب :

أ- الشائعات الكاذبة : تطول قائمة هذه الشائعات بحيث يصعب مجرد تعدادها ، حتى إن بعضها بات متداولا وكأنها حقائق ثابتة لا تقبل الجدل . وفيما يلي عينة منها :

-   يمكن شفاء حالات الجنون دون دواء .

-   الأدوية النفسية تسبب الجنون .

-   يمكن للعلاج النفسي ( دوائي أو غير دوائي ) أن يلحق الضرر بالمريض .

-   الأدوية النفسية سموم يجب الابتعاد عنها .

-   كل زوار العيادة النفسية هم من المجانين .

-   تستطيع العلاجات التقليدية أن تحل الأزمات والأمراض النفسية كافة .

-   المرض النفسي ينجم عن السحر أو الكتابة أو هو من أعمال الشياطين .

ونكتفي بهذا القدر لننتقل إلى السبب التالي ..

ب- القساوة النفسية : لطالما أشدنا ، ولا نزال ، بترابط الأسرة العربية وبالأدوار النفسية والاجتماعية الخاصة التي يلعبها النظام الأسري العربي . ولكن هذا النظام ، مثله مثل سائر الأنظمة ، لا يخلو من ثغرات يمكنها أن تتحول إلى مآزق ومشاكل جدية في حال تجاهلها وعدم الحيطة لها . ولنأخذ مثلاً موقف العائلة العربية في حال إصابة أحد أفرادها بالمرض النفسي ، ولنقارن بين هذا الموقف وموقفها في حال إصابة أحد أفرادها بالمرض الجسدي . ( أنظر جدول المقارنة بين المرضين الجسدي والنفسي ):

المرض النفسي

المرض الجسدي

1- يتردد الأهل كثيرا قبل اللجوء إلى الطبيب .

2- يحاولون التهرب من تنفيذ التعليمات .

3-    يفضلون مراجعة أكثر من طبيب

4-    يحيطون التشخيص بالشك .

5- يحاولون إخفاء نبأ المرض حتى عن المقربين  .

6-    عدائية غير ظاهرة أمام المعالج

7- محاولة إنهاء العلاج بأقصى سرعة ممكنة ( حتى قبل أوانه ) .

8- الميل إلى اعتباره موضوع سيىء (لدرجة محاولة التخلص منه معنوياً)

9-    الشعور بالجروح النرجسية .

10-   توجيه انتقادات مكثفة إلى المريض .

11-        مشاعر خوف .

12-        مشاعر قابيلية تجاه المريض .

13-   يحاولون إخفاء أو إغفال بعض العوارض .

1- يستدعى الطبيب بشكل فوري .

2-    تنفذ تعليمات الطبيب بدقة .

3-    يثقون بالطبيب .

4-    يقبلون التشخيص .

5- يكون المرض  مناسبة اجتماعية للزيارات

6-    الامتنان للمعالج .

7- الرغبة في متابعة العلاج لغاية الشفاء التام .

8- الميل إلى التماهي بالمريض (لدرجة ظهور علائم انهيارية ) .

9-    التعاطف مع مظاهر المرض .

10-        معايشة مع مظاهر المرض

11-        مشاعر عطف

12-        مشاعر هابيلية تجاه المريض .

13-        يسردون أعراض المرض بدقة

ج- انخفاض مستوى  الوعي الصحي : لسنا في مجال تعداد الآثار السلبية لواقع انخفاض هذا المستوى إذ يكفينا أن نذكر بمحاولات التهرب من حملات التلقيح . وفي هذا المجال يهمنا انخفاض مستوى الثقافة النفسية بحيث نلاحظ زيادة في نسبة ولادات الأطفال المشوهين ، إضافة إلى المواقف السلبية الأخرى المؤدية إلى رفض العلاج النفسي عامة والطبي النفسي خصوصاً .

د- المرض النفسي والخيال الشعبي : إستناداً إلى العوامل المذكورة أعلاه يحاط المريض النفسي العربي ( ومعه المرض ) بهالة من الغموض  ، فتنسج حوله الحكايات ومنها ما هو في غاية الطرافة بحيث يمكنها أن تتحول إلى نكات ناجحة لولا اللهجة فائقة الجدية التي تروى بها هذه الحكايات . ويتجسد هذا التصور في أدبنا القصصي ( خاصة عند نجيب محفوظ ) بشخصية الشحاذ المجنون الذي يلازم مقهى الحي في الغالب .

هـ العجز الطبي : في هذا المجال ، علينا أن نقرر حقيقة واقعة ومفادها أن العجز الطبي يلعب الدور الأهم في نشوء هذه الإشكالات ، فلو راجعنا قائمة الأمراض التي يدعي المشعوذون معالجتها ، والتي تنسج حولها الحكايات ، لرأينا أن هذه القائمة تضم إلى جانب الأمراض النفسية جميع الأمراض التي لا يزال الطب عاجزاً أمامها . هذا في حين تغيب عن هذه القائمة كامل الأمراض التي يملك الطب علاجاتها الشافية . ومما تقدم يجب ألا نفهم هذا العجز على أنه عجز مطلق ، إنما مجرد ثغرات يدخل منها المشعوذون إلى ميدان الشفاء . فعلى صعيد الطب النفسي تحديداً ، فإنه بات اليوم قادراً على التحكم بمختلف المظاهر المرضية كما بات قادراً على شفاء القسم الأكبر من الأمراض النفسية المعروفة .

و- الخطأ الطبي : تتميز مناقشة هذا الموضوع بحساسية كبيرة . لذلك نكتفي بالتذكير بتلك الفوارق في تشخيص الفصام واختلاف نسبه باختلاف المدارس . فالمريض نفسه يمكن أن يكون فصامياً لدى أحد الأطباء وغير فصامي لدى غيره . أضف  إلى ذلك مساهمة بعض الأطباء في تدعيم " رهاب العيادة النفسية " لدى مرضاهم  ، فنرى بعض أطباء الاختصاصات الأخرى يصفون المهدئات لمرضاهم ويحذرون من تلقيها من الاختصاصي ! .

* الثقافة العربية النفسية :

       (أ) الطب النفسي والرواية : عندما نتكلم عن الرواية فإننا نتكلم عن السينما ضمناً ، ذلك أن غرابة مشاعر المريض النفسي وصعوبة فهمها من قبل الجمهور تشكل عوامل تجعل من الصعب اختصارها في قصة قصيرة ( خلا بعض الحالات) . وعليه فإننا نلاحظ وجود علاقة أكيدة بين الطب النفسي والرواية لم تعد خافية بل إنها باتت مقسمة بوضوح إلى عدة فروع هي :

1- الرواية التي تعرض لحالة ولحالات مرضية نفسية ( الأبله ، الذهان(2) ) الخيط الرفيع ، ومن فضلك أعطني هذا الدواء ، إلخ ..) .

2- الرواية التي تعرض طريقة العلاج النفسي وتنتقدها ( البرتقالة المعدنية ، مجانين ، ليتك كنت هناك الخ ) .

3- الرواية التي تعرض موقف المريض النفسي من العلاج ( سيبيل ، برسونا ، السراب ، ..الخ ) .

4- الرواية التي تعرض مواقف الطبيب النفسي وانفعالاته ( هارولد ومود وبيت الألعاب الناس العاديون ، الخ ..) .

5- الرواية التي تعرض لتجارب وأمراض نفسية خاصة ( طيران فوق عش الكوكو ، السراب ، الناس العاديون الخ .. ) .

6- الروايات التحليلية التي تعرض عقدة نفسية أو أكثر وانعكاساتها على حياة حامل العقدة وسلوكه ( الناس العاديون ، المناوئون ، الخ) .

(ب) دور الرواية في الثقافة النفسية : يملك الأسلوب الروائي ( خاصة عندما يتحول إلى فيلم سينمائي ) الجذب والتأثير .لذلك فالرواية النفسية هي في رأينا الوسيلة المثلى لنشر الثقافة النفسية ، وتعديل المواقف الخاطئة من العلاج النفسي ، ووضع الحدود لممارسات الشعوذة . ولذلك أيضاً شروط :

1- أن يملك الروائي ثقافة نفسية واسعة ويستند إلى وقائع ثابتة .

2- أن يطلب عقلنة الرواية من قبل اختصاصيين .

3- أن يكون على علاقة مباشرة مع شخصية المريض ( كأن يعايش المرض ويرى تأثيره ومظاهره على المرضى أو أن يكون هو نفسه مريضاً كما كانت حال دوستويفسكي ) .

4- أن يستبعد جميع الشائعات والحكايات التي لا تستند إلى حقائق عملية  .

5- أن يتجنب الإسقاطات غير المأمونة مما قد يجعل من روايته مصدرا آخر للشائعات .

6- عدم إصدار الأحكام المطلقة .

7- عدم وضع النهايات الجازمة ، وخاصة التخلي عن محاولات إقناع القارئ بالنهاية . فللقارئ حقه في تخيل مبررات هذه النهاية ، خاصة وأنه لا يمكن لأي مؤلف أن يدعي إحاطته بمختلف الأسباب المؤدية إلى النهاية . ويكفينا في هذا المجال اعتراف فرويد(3) بعجزه عن الإحاطة بجميع مدلولات " أحلام مريضته دورا " .

ولدى مراجعتنا لأكثرية الروايات  النفسية العالمية نجد أن غالبيتها العظمى لم تلتزم بهذه الشروط باستثناء روايات دوستويفسكي .

(ج) الأموات الأحياء : في هذه الفقرة نتكلم عن التحفة الأدبية " لحظات اليقظة " التي ألفها طبيب الأعصاب أوليفر ساكس ، الذي بدأ تجربته ، المدونة في هذه القصة ، في العام 1966 ، حين دخل إلى أحد عنابر مستشفى " مونت كارمل " السري . ويصف ساكس ما شاهده في هذا العنبر قائلاً : " وجدت هناك عدداً من وجوه البشر الأموات . كأنهم تماثيل من لحم ودم .. كانت لهم نظرات زائغة وابتسامات بلا معنى لقد كانوا أناساً من حجر وقد انفطر قلبي لهذه المناظر المأسوية ولم أستطع نسيانها إلا بعد فترة طويلة .. وهؤلاء المرضى ( الأحياء الأموات ) الذين يصفهم ساكس في لحظات اليقظة كانوا مصابين بأغرب أمراض القرن العشرين على الإطلاق ، وهو المرض الذي يصيب حامله بالنوم الأبدي إذ ينام المريض لسنين طويلة فلا هو بالحي ولا هو بالميت . ولقد ظهر هذا المرض فجأة في العام 1920 ولم يلبث أن اختفى فجأة (  كما ظهر ) بعد عشر سنوات حاصداً خمسة ملايين مريض . ومن حينه تم عزل مئات الألوف من هؤلاء المرضى في مستشفيات سرية . وفي العام 1967 ( أي بعد ما يراوح بين 37 و 47 سنة على نوم هؤلاء ) ظهر عقار جديد مضاد للشلل الرعاشي ( باركنسون ) فكان بارقة أمل لهؤلاء المرضى إذ يظن الأطباء أن لمرضي النوم الأبدي وباركنسون منشأ مشتركاً . ويصف لنا المؤلف تردده قبل تجربة هذا الدواء على مرضاه النيام ، ثم يصف تغلبه على التردد وقراره باستخدام الدواء . فماذا كانت النتيجة ؟

       تحركت التماثيل واستبدلت النظرات الزجاجية الجامدة بنظرات حية معبرة . لقد دبت الحياة في هؤلاء المرضى وانطلقت ضحكاتهم بعد حوالي نصف قرن على خمودها . ولكن المأساة لم تلبث أن تفجرت إذ تحولت البهجة إلى صدمة ومن ثم إلى كآبة . والكتاب يصف هذا التحول بلهجة تجمع بين المعايشة الإنسانية والملاحظة الطبية الدقيقة . ومن القصص التي يعرضها الكتاب " قصة روز  " وهي ملهمة الكاتب المسرحي الإنجليزي الشهير هارولد بنتر في مسرحية شيء مثل ألاسكا . لقد أصيبت روز بالمرض وهي في الواحدة والعشرين ، وعندما استيقظت من نومها ( الذي لم تحس بطوله ) نظرت في المرآة لتجد نفسها فجأة عجوزا في الثانية والستين . لقد غاب الوجه المتألق المتفجر بالحياة وظهرت مكانه أخاديد وتجاعيد وعيون ذابلة من كثرة النوم . وعندها صرخت روز : " من الذي سرق عمري ؟ " ثم تهاوت في أعماق الكآبة . إن قصص هذا الكتاب تضع مؤلفها في منصب ريادة الرواية النفسية العلمية . خاصة وأن أعماله لم تقتصر على هذا الكتاب حيث كتب في مواضع عديدة أهمها : الصداع النصفي ، والمرضى غير القابلين للشفاء ، ومرض كورساكوف .

* الرواية النفسية العربية :

       قد لا يمكننا الكلام على رواية نفسية عربية ، ولكن ذلك لا يعني أبداً غياب المعرفة النفسية والمعايشة الإنسانية من رواياتنا . وفيما يلي نورد اختصاراً بعض الأمثلة :

أ‌-   أهل الكهف ( توفيق الحكيم ) ، وهي تلامس كتاب ساكس في نقاط عديدة .

ب‌-  زقاق المدق ( نجيب محفوظ ) ، وقد سبق أن ذكرنا أننا ، عندما نراجع شخصية " صاحب الوكالة " نجد أن نمطه السلوكي هو من النوع (أ) ، وهو النمط المعرض للإصابة بالذبحة القلبية حتى إن دقة الوصف السلوكي تجعلنا نجزم دون أي شك يكون هذه الشخصية واقعية وبأن نجيب محفوظ قد تعامل مع هذه الشخصية عن قرب . فليس من الممكن أن تصل المصادفة إلى حدود الوصف الدقيق لعلائم هذا النمط السلوكي .

 ج -حديث الصباح والمساء ( نجيب محفوظ ) ، وفيها سرد متتالٍ للانفعالات والمواقف اللاواعية والاضطرابات الشخصية . فمن موقف قاسم أمام موت ابن أخته أحمد إلى الأثر الذي تمارسه بعض الشخصيات حتى بعد موتها ، إلى النواحي النفس اجتماعية التي تخلق بنية هيكلية تحدد اتصالات الناس ببعضهم حتى ولو كانوا أقارب . ولكن الوصف الأدق كان لقاسم عمرو وإذ وصف محفوظ اضطراب شخصيته الناجم عن إصابته بالصرع الخفيف . ومن مظاهر هذا الاضطراب تحوله نحو الإفادة من الغموض المرافق لهذا الاضطراب . وتبقى في هذه الرواية مميزات أهمها طريقة العرض التي استخدمها المؤلف ، إذ قام بتعريفنا إلى كل شخصية على حدة . وفي سياق هذا التعريف كان يطلعنا على علاقة هذه الشخصية بباقي شخصيات الرواية . ولدى مراجعتنا لهذه التعريفات نرى أن محفوظ يتبع للمرة الأولى منهجية نفسية حقيقية في روايته . فيذكر لنا الأحداث المؤثرة في بنية الشخصيات التي يعرفنا إليها فقد صدم قاسم بوفاة ابن مطرية ( أحمد ) صدمة أثرت على كامل شخصيته ، وكذلك أثر الصرع على شخصيته . وكانت لكل شخصية نقاط تثبيتها وصدماتها التي عرضها الكاتب ليدعم رسمه لها .

* الاقتباسات العربية :

       غالباً ما تكون هذه الاقتباسات على شكل سيناريو لبعض  الأفلام العربية . ويتم الاختيار بشكل عشوائي أو تجاري بحيث تؤدي هذه الأفلام دوراً بالغ السلبية له آثار خطرة من شأنها أن تدعم العوامل التي تشوه حقائق العلاج النفسي وحقيقة ما يدور في العيادة أو في المستشفى النفسي ، بل إن هذا التشويه يطاول أحياناً شخصية المعالج نفسه . وفيما يلي عرض لبعض الوجوه السلبية لهذه الاقتباسات والإعدادات وبعض المسماة تأليف .

1-  الاقتباس السيئ : يمارس المعالج النفسي العربي عمله في أجواء خاصة هي  الأجواء العربية(4) التي تفرض على المعالج الالتزام بعدد من الشروط ، بحيث يجد نفسه عاجزاً عن ممارسة الأساليب التي تعلمها . فمن غياب بعض الآلات والفحوصات والأدوية إلى معاداة العلاج النفسي ، يجد المعالج العربي نفسه في وضع جديد يضطره إلى اعتماد تكييفات خاصة لممارسته . فٍإذا أضفنا إلى ذلك كون المدارس الغربية انعكاساً لفلسفات الغرب ، المتناقضة مع الأسلوب الحياتي العربي ومع بعض تقاليده ، فإننا ندرك أن هذا التغيير النوعي في أسلوب الممارسة ومحتواها هو تغيير عميق .. مما يجعل من غير المنطقي أن ننظر إلى المعالج العربي وفق مقاييس نظرتنا ذاتها إلى المعالج الأجنبي أو حتى إلى المعالج العربي الذي يعمل في بلد أجنبي . ومن أمثلة الاقتباس السيئ تلك الاقتباسات المعادية للطب النفسي ( علناً أو ضمناً ) . ذلك أن هذه الروايات أو المواقف المعادية لا تمارس أي تأثير سلبي في المجتمع الأميركي حيث خبر الجميع تجربة العلاج النفسي واقتنعوا بفائدتها . وعليه ، فإن هذا العداء هو نوع من الترف والرغبة في الأفضل بالنسبة للأميركيين ، أما في بلادنا  العربية فإن اقتباس هذه المواقف يؤدي إلى مالا تحمد عقباه .

2-  النهايات السيئة : في أحد الأفلام العربية(5) تنتهي الرواية بموت البطلة انتحاراً لأن معالجها رفض أن يقيم  معها علاقة عاطفية . وهذا الفيلم يوحي للمشاهد بأن للعلاج النفسي نتيجة من اثنين ، فإما أن يؤدي إلى قيام علاقة بين المعالج ومريضاته ، وإما أنه لا يعطي أيه نتيجة فتموت المريضة . وعليه فإننا لا ننتظر أن يتوجه مشاهدو مثل هذا الفيلم إلى العلاج وهذا مجرد مثال .

3-  شخصية الطبيب النفسي : تتراوح هذه الشخصية ، في هذه الاقتباسات ، بين الأقطاب التالية :

أ‌-   الطبيب المعتوه أو المغفل .

ب‌-  الطبيب الذي يستغل المهنة لأسباب سياسية أو مادية أو غيرها .

ج- الطبيب الذي يعامل مرضاه وكأنهم آلات .

د- الطبيب الذي يحاول أن يسيطر على مرضاه .

هـ- الطبيب / النجم الاجتماعي .

       والواقع أن هذه الشخصيات ، الموجودة في الأفلام العربية والأجنبية على حد سواء ، ليست سوى انعكاس لآراء المرضى في أطبائهم ( حتى بعد الزيارة الأولى ) . وهذه الآراء تتضخم إما بحكم المرض وإما بحكم الجروح النرجسية . والواقع كذلك أن الرواية ( خاصة المنتجة سينمائياً ) تتغلغل إلى حد بعيد في لا وعي الجمهور الذي  يتحول مع الوقت إلى مؤمن بها وكأنها من المسلمات .ومما يزيد الأمور تعقيداً أن المشاهد العربي بات مطلعاً على الأفلام الأجنبية ومتأثرا بها على نحو كبير . وهي ، كما رأينا لا تمارس تأثيراً خطراً على المشاهد الأجنبي في حين أنها بالغة الضرر بالمشاهد العربي . وتحصيناً لهذا المشاهد فقد آن الأوان لإنتاج الأفلام التي تظهر الأمور على حقيقتها دون تعريضها للتشويه .

4- اقتباسات صحافية : تقتبس صحافتنا عدداً من الأنباء والمواقف والمقالات مع بعض التحوير . ومن هذه الاقتباسات ما يتعلق بعلم النفس ، فترى في صفحاتها أمثالا متكررة لمساوئ الاقتباس الذي لا يراعي الواقع . ومن المؤسف أن بعض هذه الاقتباسات بات يكون الخلفية النفسية الثقافية لعدد لا بأس به من المثقفين العرب ( ومن ضمنهم الروائيون وكتاب القصص ) . وهنا نكرر التالي :

-   يمكن للمجتمع الأميركي ، الذي يقود أبحاث الطب النفسي في العالم ، أن يتقبل فكرة معاداة الطب النفسي . إلى حد أن هذه المعاداة قد تبدو على جانب من  الموضوعية في الظروف الأميركية . ولكن ظروفنا العربية لا تسمح لنا بقبول فكرة معاداة فرع نحن بأمس الحاجة إليه وخاصة عندما نقرأ فقط عن معاداة الطب دون أن تتاح لنا فرص الاطلاع على إنجازاته .

-   من المبرر أن يستنفر الأوروبيون أمام واقعة استهلاك مجتمعاتهم لملايين  بل عشرات الملايين من وصفات العقاقير المهدئة ، وهم يحاولون الحد من هذه الظاهرة سواء عن طريق إعادة النظر في جهاز القيم لديهم أو عن طريق محاولة الحد من الضغوطات النفسية الناجمة عن المجتمع الصناعي أو عن طريق المقالات التي تحذر من المبالغة في استخدام المهدئات دون إشراف الطبيب . ثم نأتي نحن لنترجم إحدى هذه المقالات التي تحذر المبالغة في استخدام المهدئات دون إشراف الطبيب . ثم نأتي نحن لنترجم إحدى هذه المقالات ولنعتبرها مرجعنا الأول والأخير في الميدان . ونعرض الآن لإحدى هذه الترجمات الخطرة كما وردت بنصها الحرفي ..

لقد اختفت المنومات من الصيدليات  . أطباء النفس اليوم يعلمون أن  القلق في الواقع هو مصدر الإنهيار العصبي وقد أوجدوا طريقة لمعالجة  المدمنين من أصحاب الاضطراب العصبي .

  ترى أحدهم منهكا بآلاف الهموم التي تصادفه في حياته اليومية ، ودائما في جيبه أو على مكتبه زجاجة صغيرة  تحوي حبوباً مهدئة وعند أول هزة عصبية تراه يبتلعها ، ثم يعود بعد هدوئة إلى ممارسة حياته اليومية بشكل عادي .

  لقد نجحت مهدئات الأعصاب بشكل فعال . الفرنسيون يستهلكون  المسكنات أربع مرات  أكثر من باقي سكان الدول الصناعية . وبينهم نسبة كبيرة من النساء المعزولات ، الأشخاص المسنين وكل الذين يعانون من أوجاع مؤلمة .

  والسؤال : هل يصبح الفرنسيون  تحت تأثير الضغط والإرهاق الأكثر إدماناً على تناول المهدئات بين سائر الشعوب ؟

الشيء الوحيد  الممكن استنتاجه هو أنه في البلدان الفرانكوفونية عموماً ، وفي بلجيكا وسويسرا وكندا يبتاعون كثيرا المهدئات . الكيبيك مثلا التي تؤلف ثلث الشعب الكندي تستهلك فقط نصف الأدوية المسكنة المباعة كل سنة في هذا البلد .

  في فرنسا أصبح استعمال المهدئ من " الموضة " ، وفي عملية  إحصاء لآلاف العمال في أحد المصانع ، ظهر أن 18% يأخذون مرة على الأقل بنزديازبين وهو من المسكنات الأكثر انتشارا في   الأشهر الثلاثة الماضية .

  وقد شمل الإحصاء الفئات الشابة بين سن العشرين والخمسين ومن  هم بصحة جيدة .  إن 18% يعتبر رقما كبيرا علما أن الكثير من الناس يأخذون الحبوب المهدئة ، إما في المساء للنوم أو بالنهار .

لماذا هذه الكثافة في الاستعمال ؟

  البعض يشعرون بالقلق وبالإرهاق النفسي أو يعانون من ارتفاع في الضغط لقد جرت الأبحاث حول العلاقة بين استعمال المهدئات وظروف العمل الشخصية .

   وأمام النتائج المذهلة والمتصاعدة أبدى وزير الصحة الفرنسي بعد جلسة لمجلس الوزراء دهشته حيال هذه النسبة المرتفعة فقدم مشروع قانون يقضي بحصر بيع المسكنات والطلب إلى الأطباء تحديد الوقت لتناول هذا العلاج .

  لماذا هذا التضييق من قبل الوزير ومن  قبل الصحافة ، ولماذا التركيز  على سوء استعمال المسكنات . لماذا هذا العقاب الظالم ضد هذا النوع من الأدوية التي تلبي الحاجة ، وهل يستطيع أحد التخلص من المهدئات ؟؟؟

العلاج الوحيد للكآبة .

قبل ظهور بنزديازبين في الستينات كان الدواء المنوم هو  العلاج الوحيد للكآبة . الأطباء كان عليهم دائماً معالجة مآسي مرضاهم خصوصا عندما تتخطى درجة الكآبة ، وتدخل في الحياة  الفردية الاجتماعية  وتصبح دون مفعول سواء على الصعيد الجسدي كالأرق وبعض الاضطرابات القلبية  ، الإحساس بالاختناق وغيره ، أو على الصعيد الأخلاقي خوف مرعب ، قلق ، مرض  نفسي .

  وكان لابد من الانتظار عدة سنوات لاكتشاف أن هذه الأدوية المهدئة تبرز عدة محاذير ، اضطرابات عقلية قد تؤدي إلى الجنون لأن  تناولها في البدء يكون بسبب تخطي أزمة مستعصية وصعبة وتصبح فيها بعد من قبيل الإدمان ولا يمكن التخلي عنها فيكون الأرق والكآبة سيدي الموقف .

   ومهما يكن  فهناك شروط بديهية لاستعمال المسكن كتحديد الوقت المعين  لاستعماله ومن ثم تعيين الكميات  اللازمة .

  وعلى الطبيب المعالج عند وصفه المسكنات لمريضه لفترة طويلة أن يشرح له النتائج التي يلمسها كالأرق والكآبة ونرى مرضى الأعصاب يساعدون من هم في وضعهم العصبي والنفسي دون أي إرشادات طبية دقيقة .

   وأمام  الكآبة نعطي إحساساً بالقلق النفسي المتواصل وبأرق معبر عن ثورة في النفس وبانهيار عصبي سلبي ينصح أطباء النفس باستعمال وسائل أخرى غير المسكنات .

    أحد الأطباء يقول : " وعندما تبدأ حالة  الكآبة الأكثر انتشاراً خصوصاً في حالة الانهيار العصبي يجب محاولة التقريب بين أسبابها ونتائجها .

   وعليه فإن حالة القلق ليست إلا سببا لانهيار الأعصاب بطريقة أو بأخرى  ومعالجة حالة الانهيار بأدوية  مضادة لها تؤدي إلى اختفاء  حالة القلق والكآبة وعندما تكون الكآبة هي السبب الأول لاضطرابات فعلية يجب البدء بمعالجتها. كل هذه المعالجات بالمهدئات تحارب الحالات التالية : الحزن والانكفاء والاضطراب العقلي .

  لكن متى لا يؤدي القلق إلى درجة الانهيار العصبي ؟

    لم تكن مقبولة طريقة " السمع المركز " من بعض الأخصائيين والتي تؤدي في بعض الأحيان إلى إزالة الحزن عن وضع ما . أما اليوم فهناك تقنيات حديثة ظهرت وتساعد على تفادي حالة الانهيار . فتشخيص حالة المريض وتصرفاته  تعطي نتائج إيجابية  وتؤدي إلى التخفيف من الاضطرابات وتكون فعالة في الأمراض العصبية من كل الأنواع وغيرها من المعالجات التي تركز على الوضع العقلي والتي تساعد بالسيطرة على المريض المتشنج الأعصاب .

   وبالمطلق إذا كانت المهدئات مناسبة لبعض الحالات فهي لا تعطي أي فعالية  بالنسبة لحالات عصبية متدهورة ومهما يكن من أمر يجب على الجميع أن ينتفض ويرمي المسكنات في سلة المهملات .

   في اليابان العلاج الوحيد ضد الكآبة هو الكحول ، الويسكي والبيرة  وخصوصاً في السهرات المسائية وبعد يوم طويل يقضيه  الياباني في المصنع 500 ألف ياباني فقط يتناولون المهدئات كي يتمكنوا من متابعة أعمالهم اليومية في المصانع ، والبعض الآخر يستشير بصورة دورية الطبيب النفسي الموجود في مركز العمل .

    مئات الآلاف من علب المهدئات تباع سنوياً في فرنسا وهي تتخطى في هذا المجال الولايات المتحدة وألمانيا أو أي بلد صناعي آخر . لكن البعض يبرر ذلك بأن الفرنسيين هم الأكثر استهلاكا لمعظم أنواع الأدوية في  العالم .  

من الملاحظات التي نسجلها على مثال هذا المقال - العينة نذكر التالية :

1- إنه مترجم عن مجلة شعبية يمكنها اعتماد مبدأ التهويل والترهيب .

2- إن كاتبه غير اختصاصي ، وكذلك مترجمة .

3- إن المنومات لم تختف من الصيدليات بل إننا لا نزال نشهد ظهور أصناف جديدة منها .

4- إن أحداً لا يعلم بأن القلق هو مصدر الانهيار العصبي . فالانهيار العصبي يمكنه أن يعود إلى جملة من الأسباب التي لا علاقة لها البتة بالقلق ، وإن كان القلق يرافق الانهيار في الغالب ولكن دون أن يكون مسببه .

5- يتساءل الكاتب لماذا هذا التركيز على سوء الاستعمال؟ وتأتي الترجمة بالجملة مبتورة ! إن المقصود بإساءة استعمال المواد هو استعمالها دون استشارة  طبيب وبكميات تتجاوز تلك التي ينصح بها الأطباء لمدد طويلة . وهكذا فإن هذا التركيز ليس بالجديد وهو لا يتعلق فقط بالأدوية النفسية ولكنه يتخطاها إلى جميع الأدوية حيث يجب الالتزام بحدود الجرع التي يحددها الطبيب ، حيث يمنع استخدام الأدوية عشوائياً وبدون وصفة طبية .

6- يقول الكاتب : " قبل ظهور البنزوديازبين في الستينات كان الدواء المنوم هو العلاج الوحيد للكآبة الخ" وهذا الكلام غير صحيح ، فمضادات الانهيار والمهدئات العظمى الفاعلة في علاج الانهيار كانت معروفة في الخمسينات وكانت مستخدمة في علاج الكآبة " .

7- نلفت النظر إلى أن البنزوديازيبين هي من فصيلة المهدئات مضادة للقلق وليست مضادة للإنهيار .

8- يقول الكاتب إن المهدئات تؤدي إلى الجنون ! فهل يقصد المخدرات ؟ نحن نوافقه بتحفظ إذا قصد هذا ، أما إذا كان قصده أن المهدئات البسيطة يمكنها أن تؤدي إلى الجنون فنؤكد له عدم صحة معلوماته وضرورة تنبيهه إلى خطورة إدعاءاته .

9- يقول الكاتب : " على المعالج أن يشرح للمريض  النتائج التي يلمسها كالأرق والكآبة إلخ " ، مع أنه يقول في مقدمة المقال إن هذه المهدئات هي علاج الكآبة . ونحن هنا لا نعرف ما إذا كان الخطأ من الكاتب أو المترجم . ولكن على أية حال فإن علائم الاضطراب إنما تظهر لدى إيقاف استعمال هذه المهدئات دون إشراف طبي .

10-   يقول الكاتب : " ومهما يكن من أمر ، يجب على الجميع أن ينتفض ويرمي المسكنات في سلة المهملات الخ " . وهنا نقول بأنه لو كان ثورياً إلى هذا الحد فلماذا لا يدعو إلى إغلاق شركات الأدوية المنتجة لهذه الأصناف وإلى إلغاء اختصاص الطب النفسي وإصدار قانون يمنع من التوجه إلى العيادات النفسية فبذلك يتمكن  من حل المسألة بشكل جذري !!

وإذا كان زملاؤنا الفرنسيون يتغاضون عن مثل هذه المقالات استناداً إلى ثقافة الفرنسي التي تجعله صعب الإنقياد للتضليل واستناداً إلى خبرة هذا الإنسان وتجربته في العيادة النفسية .. وإذا كان هؤلاء الزملاء يرون في هذا المقال ترهيباً ( وإن يكن كاذباً ) فمن شأنه أن يحد من إساءة استعمال المواد في مجتمعهم ، فإننا لا نستطيع أن نقبل بمثل هذه الترجمات الرديئة لمقالات بمثل هذه الخطورة بالنسبة لمجتمعنا . فحبذا لو يعلم هذا المترجم كم من الأفراد يستقي ثقافته من الصحافة اليومية وهو يقدس الكلمة المكتوبة . وحبذا لو يعلم كم من الصعوبات والعوائق تنتج عن مثل هذه الترجمات . فإذا كان هدف العلاج النفسي الوصول بالفرد إلى المستوى الأفضل لسعادته ولكي ينفع مجتمعه ، فإن إعاقة هذا العلاج بنشر مثل هذه الإشاعات ( التي ربما تكون نافعة في مجتمعات أخرى ) لهي مسئولية كبيرة ، وبخاصة عندما تقترن بسوء الثقافة وسوء الترجمة وانعدام القدرة على الاستيعاب .

* الوجه الاجتماعي للمرض :

       ثمة وجه آخر من الوجوه التي يهملها أدباؤنا وكتابنا  الثقافيون ، ونقصد به موقف مجتمعنا من هذه الأمراض ، وهو موقف متمايز تبعا لنوع المرض ، بحيث نلاحظ إلصاق صفة الجنون بمجموعة متنوعة من الاضطرابات النفسية التي لا علاقة لها بالجنون ، في حين ينجو مجنون البارانويا من وصمة الجنون كما ينجو معه مريض الفصام العظامي والسلوك التشردي الفصامي . بل إن مجتمعنا يحيط بعض هؤلاء المرضى أحياناً بهالة من الغموض والماورائية . وهنا أجد من الضروري العودة إلى مؤلفات نجيب محفوظ وإشاراته المتكررة إلى هذه الحالات وموقف المجتمع منها ، ففي روايته حديث الصباح والمساء ، يتطرق محفوظ إلى كيفية إحاطة قاسم عمرو عزيز بهالة من الغموض والتصوف نتيجة لمواقفه (الناجمة أساساً عن إصابته بمرض الصرع ) الغامضة والمبهمة . بل إن محفوظ يصف لنا قدرة هذا المريض على استغلال هذه الوضعية استغلالاً مادياً جعله من المحظوظين مادياً في محيطه العائلي . وتتكرر هذه الإشارات في مؤلفات محفوظ فيعكس بعضها شخصية " مجنون الحي " وبعضها التفسيرات الشعبية لأسباب جنون بعض الشخصيات . ولكن هذه الإشارات بقيت ذات مستوى سطحي في تحليلها لهذه الشخصيات . كما يهمنا في هذا المجال مناقشة محاولة مميزة لمحفوظ ، عنينا بها همس الجنون ، حيث يوجه إدانة خفية إلى المجتمع وإلى  بنيته .. وهو يطرح إشكالية الجنون بقالب يشبه إلى حد بعيد قالب المدرسة المعادية للطب النفسي كما أنها تقترب في بعض جوانبها من وجهات نظر الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو ، وبالرغم من عدم موافقتنا على هذه الطروحات فإننا نسجل سبقاً لمحفوظ وهو تحويره لصورة المجنون من إنسان مرعب مخيف وخطر إلى إنسان ذي خلفية صالحة وفكر قويم وضحية من ضحايا الفساد الاجتماعي . على أن هذا التحوير أصبح اليوم مدعما بعدد من الروايات والقصص والأفلام والمقالات والكتب التي باتت تتناول هذا الموضوع بطريقة أقرب إلى الواقع والحقيقة ، وإن كانت حمل في طياتها العديد من المغالطات بالنسبة لبقية  الحقائق المتعلقة بالعيادة والممارسة النفسية  كما أشرنا أعلاه .

ولكن ما هي الحلول التي يمكن اقتراحها أمام هذه الوقائع والمغالطات ؟ إنها ليست بالسهلة وهي تقتضي مشاريع ثقافية موسعة سنحاول عرضها في الفقرة التالية :

* الاقتراحات والحلول :

       تلقى  مسؤولية هذا الوضع على  عاتق الثقافة العربية ككل . ومن هنا فإن مجمل الحلول التي يمكن اقتراحها تبقى ناقصة مالم تتكامل في  مشروع ثقافي عربي . فالمشاكل المعروضة في هذا الفصل لها معادلاتها في الميادين الأخرى ويكفينا هنا الإشارة إلى أننا نختار من الكتب العملية  ما يلائم نزعاتنا ومن أمثلة ذلك ترجمة  كتاب ليس في جيناتنا(6) التي أتت بعد سنوات طوال على صدوره بالإنجليزية ، ظهر خلالها من البراهين العلمية ما يدحض العديد من طروحات الكتاب وما يكفي للتأكيد على أثر الكتاب على أثر الجينات وأهميتها . مما يعني أنه " في جيناتنا " وليس " ليس في جيناتنا " . والمثقف العربي يقرأ اليوم هذا الكتاب على أنه الحقيقة ( أو حتى الحقائق ) العلمية المطلقة . وفيما يلي نعرض تباعا للاقتراحات التي نراها مناسبة لتخطي هذا الواقع ونبدأ بـ :

1- ضرورة قيام المدرسة العربية لعلم النفس والطب النفسي .

2- تشجيع تيار النقد النفسي في الأدب العربي .

3- استقاء الأمور من مصادرها . وهنا نذكر بأن فلوبير كتب رائعته مدام بوفاري انطلاقا من قراءته لنبأ انتحارها في إحدى الصحف ، فانطلق يدرس الحالة ويعاين الأمكنة حتى توصل إلى إخراج هذه التحفة التي خلدته .

4- ضرورة تدعيم المكتبة العربية وسد ثغراتها .

5- ضرورة العمل على إخراج التراث النفسي العربي إلى النور ، فهذا التراث إنما يحمل في طياته  عناصر لا وعينا الجماعي وهويتنا النفسية  التي نكاد  نفقدها في بحر المشاكل المشار إليها أعلاه .

6- العمل على إصدار " سلسلة الرواية النفسية " التي تعمل على ترجمة الروايات النفسية الأجنبية والتعليق عليها بشكل يسمح للقارئ أن يفيد منها ولكن دون أن يقع في حبائل النقل العشوائي ومساوئه .


(1) مجلة الثقافة النفسية ، المجلد الأول ، العدد الثاني ، 1990

(2) مثلث في ثلاثة أفلام سينمائية هي psycho 1,11,111

(3) بسيكوسوماتيك الهيستيريا والوساوس المرضية ، بيروت ، دار النهضة  العربية  1990

(4) مقالة نحو ضرورة قيام المدرسة العربية للطب النفسي ولعلم النفس " مجلة الثقافة النفسية ، العدد  الأول 1990 .

(5) فيلم " من فضلك أعطني هذا الدواء .

(6) ترجمة سلسلة عالم المعرفة ، عنوانه الأصلي هو Not in Our Genes   .

" من كتاب : نحو سيكولوجية عربية ، 1995 للمؤلف "
 

 

سيكولوجية العنف والجريمة

          لدى دخولي إلى جامعة بوردو في بداية دراستي الجامعية تعرضت وبعض الزملاء لاختبار نفسي أذكر من أسئلته سؤالين كان لهما الأثر في حياتي المهنية لاحقاً . الأول : ترى إمرأة تركب سيارة رجل ما ( غير زوجها ) يومياً ، ما هي برأيك العلاقة بينهما ؟  وكان جوابنا جميعا على السؤال بأنها على علاقة به . ومما لا شك به أن محلل الاختبار قد وضعنا يومها في خانة الهوس الجنسي لأنه لم يراع البيئة التي قدمنا منها حديثاً في حينه .

          أما السؤال الثاني فكان : يقسم الناس إلى طيبين وأشرار فهل توافق على هذا التصنيف ؟ أيضاً أجبنا جميعاً بنعم ! ومما لا شك به أن المحلل قد وصفنا بأننا من أصحاب الميول المحافظة .

          بعد نهاية دراستي . عاودتني ذكرى هذا الاختبار وسرعان ما وجدتني أفكر بأن الناس صنفان ، صنف يعتقد بأن الناس يقسمون إلى طيبين وأشرار ، وصنف لا يعتقد بأنهم يقسمون إلى طيبين وأشرار ، وأنا أصبحت من الصنف الثاني . فقد علمنا الاختصاص بأن الإنسان ذاته يمر بحالات عقلية مختلفة يصل اختلافها أحياناً لدرجة  حدوث انقلابات سلوكية متطرفة . فها هي الأحداث تشير إلى ارتفاع نسب الجريمة لدى المرأة أثناء فترات الحيض . وها هي الأبحاث تشير إلى اختلافات المزاج وتقلبه لدى الإنسان بحسب أيام الشهر ( دورة بيولوجية ) كما تشير الأبحاث نفسها إلى إمكانية إجراء تعديلات سلوكية جذرية لدى أي شخص عن طريق تعكير إيقاعاته البيولوجية اليومية ) مثل حرمانه من النوم أو من الضوء أو من السمع .الخ) . دون أن ننسى التغيرات السلوكية المتطرفة التي تصاحب حالات السكر والإدمان على أنواعه . ويكفيك لذلك أن تراقب مدخناً نفذت سجائره .

          في المقابل نرى أبحاثاً أخرى تشير إلى إمكانية استغلال هذه المعارف لتربية أطفال عباقرة وتدريب رجال من نوع السوبرمان .

غير المتخصصين يمكنهم مشاهدة فيلم " البرتقالة المعدنية " الذي يشرح استخدام التقنيات السيكلوجية لعلاج المجرمين أي لتحويل المجرم إلى إنسان مسالم . فإذا ما تمت مشاهدة الفيلم فإن المشاهد يخرج بإنطباع مفاده ضرورة الإبقاء على المجرم مجرماً وعدم علاجه ، فهذا العلاج وإن كان يقوم الإنحراف إلا أنه يعتدي على إنسانية الشخص حتى يكاد يفقده إياها . وبالتالي فإن العقاب ، مهما بلغت قسوته ، يبقى أكثر إنسانية من هذا العلاج .

          فهل يستحق المجرم الشفقة ؟  القانون من جهته يقر مبدأ الأسباب التخفيفية . أما الطب النفسي فإنه يقدم عرضاً للأسباب البيولوجية والنفسية المسؤولة عن دفع الشخص لارتكاب الجريمة . ولكننا في كلتا الحالتين نلاحظ الغموض في تحديد هذه العوامل . الأمر الذي يجعل الجمهور يطرح أسئلة متكررة حول هذا الموضوع وهذه الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها فيما يلي :

1-  ما هي علاقة الوراثة بالسلوك الإجرامي ؟

- لقد تمت ملاحظة زيادة السلوك العدواني لدى أشخاص يعانون من اضطرابات عضوية معينة كمثل السلوك الإنفجاري لدى مرضى الصرع ونوبات الهياج الفصامي وبعض الإضطرابات الكروموزومية وخصوصاً تعدد كروموزومات الذكورة . كما بينت أبحاث الهندسة الوراثية عدة تشوهات كروموزومية متصاحبة مع مظاهر السلوك العدواني . ولكن تجدر الإشارة إلى أن وجود هذه الإضطرابات لا يعني ضرورة ظهور المظاهر العدوانية فهناك حاملين لها دون مظاهر .

2-  هل يلد المجرم مجرماً ؟

- قام الباحث الفرنسي " ترويا " بدراسة شجرة عائلة الأديب ديستيوفسكي فوجد فيها تعاقب مجرمين وقديسين فكان بعض أسلافه قديسين والبعض الآخر مجرمين ( حتى إن عمته قتلت زوجها بالسم ) .

- ولقد استند عالم النفس ليوبوك سوندي إلى هذه الملاحظة وشبيهاتها ليجزم بهذا التعاقب وليطرح فرضية مفادها أن الأساس البيولوجي هو واحد في كلتا الحالتين . وإنما الفرق في الخيارات القدرية التي يختارها الشخص . فالتطرف المزاجي في عائلة ديستيوفسكي كان يسخر حيناً لخدمة المثاليات فينتج قديساً وحيناً آخر ضدها فينتج مجرماً لكن هذه الفرضية تدفعنا للقول باحتمال أن يكون الشخص عينه قديساً ومجرماً في آن معاً .

3- بين المجرم والقديس ؟

          يجيب سوندي على التساؤل المطروح أعلاه بالقول بأن قابيل قتل أخاه هابيل وبأننا جميعاً أولاد قابيل لذلك فإن نزعة العنف والرغبة بإلغاء أعداءنا (أي الرغبة في القتل واعية أم لا واعية ) موجودة لدينا جميعاً لكن قسماً منا يسمو بغرائزه وبهذه النزعة فيكون هابيلياً وقسم آخر منا يستسلم لمشاعره السلبية ( حقد ، ثار غضب ، كراهية .الخ ) فتتعذى لديه الميول القابيلية .

          ويخلص سوندي إلى القول بأن البذور الهابيلية موجودة لدى المجرمين كما أن الميول القابيلية موجودة لدى القديسين .

4-  إيذاء الذات ( الانتحار ) ..

كثيرون يفهمون وجود دوافع تشجع الشخص على ممارسة العنف ضد الغير لكنهم لا يفهمون بحال ممارسته هذا العنف على ذاته . لذلك فإنهم يميلون إلى اعتبار العنف الموجه نحو الذات نوعاً مختلفاً من العنف التقليدي الموجه ضد الغير . لكن هذا الاعتبار خاطئ . فإيذاء الذات يقع في لحظة لا يكون فيها الشخص راضيا عن نفسه . وبعنى آخر فإنه يكون عرضة للإنشطار بين الأنا وبين الذات المعنوية  والجسدية . وهذا الإنشطار يحول الذات آخر مرشح لأن يتلقى غرائز الأنا العنيفة .

في العودة إلى الأديان تجد تركيزاً على تحريم إيذاء النفس ( خاصة الانتحار) حيث  الروح أمانة الخالق وليست ملكاً لصاحب الجسد لذلك نجد من المفيد أن نعرض التصنيف السيكاتري لحالات إيذاء الذات وهو التالي :

أ‌)  سلوك عدواني محدد تجاه الذات ( مثل تعذيب الذات رفض الطعام .. الخ) .

ب‌) سلوك انتحاري  - تمثيلي ( بهدف جلب الأنظار وتعويض عدم الاهتمام ) .

ج) الحالات نظيرة الانتحارية ( عندما يكون الانتحار غير مقصود مثل التسمم اللاارادي وغيره ) .

  د) حالات الانتحار كنوع من أنواع التضحية بالذات لأسباب مثالية .

  ه) حالات الانتحار الفعلية .

5-حالات العنف من وجهة الطب النفسي :

يصنف الطب النفسي حالات العنف في الخانات التالية :

أ‌-  حالات عنف صريحة وتقسم إلى :

  عنف جسدي (  كدمات رضوض . تكسير .. الخ ) .

  عنف معنوي ( كلامي شتائم .. الخ )

  سلوك هجاني مصاحب للأذى .

  مواقف سلبية مؤذية ( رفض الطعام أو الكلام )

ب‌- حالات عنف مستترة وتقسم إلى :

  عنف مستتر بمحاولات السخرية والتحقير .

  عنف مستتر بمحاولات الحماية .

  عنف مستتر يصعب استشفافه ويظهر فجأة .

6- العنف لدى المرضى النفسيين :

          صحيح أن احتمال ارتكاب أعمال العنف يرتفع عند المرضى النفسيين لكن هذا الإرتفاع لا يصل إلى درجة خوف الجمهور من هؤلاء المرضى . ولدى هؤلاء أيضاً نلاحظ تقسيماً سيكاتريا لحالات العنف وهذا التقسيم بحسب رأينا هو :

أ‌-   حالات  عنف صريحة :

  الرغبة في الشجار والعراك الجسدي .

  هوس المحاكم ( يميل مرضى البارانويا إلى رفع الدعاوى القضائية لأتفه الأسباب ) .

  محاولات إيذاء الذات .

  محاولات إيذاء الآخرين .

ب‌-  حالات عنف مستترة :

  اتهامات هذيانية موجهة للمحيط والمتعاملين مع المريض .

  رفض الفحص والعلاج ( عدوانية تجاه المعالج )

  محاولات السخرية والتحقير .

ج- حالات عنف متوقعة في الأمراض التالية :

  السلوك الصرعي الإنفجاري ( إيذاء الذات والغير ) .

  النوبات الفصامية الحادة ( إيذاء الذات والغير ) .

  النوبات الإكتئابية ( إيذاء الذات غالباً ) .

  اضطرابات الشخصية الحادة ( عنف معنوي غالباً ) .

           بهذا نأمل أن تكون قد اختصرنا موقف الاختصاص من موضوع العنف والجريمة لكننا لم نتطرق إلى الأبعاد الأخلاقية للموضوع . فقد تعرض اتباع الديانات السماوية لممارسات عنيفة متنوعة منذ ظهور هذه الديانات وكان من الطبيعي أن يقاوم هؤلاء  الأتباع العنف الموجه ضدهم بأساليب صريحة أو مستترة حتى بات مبرراً طرح السؤال عن تصنيف إنساني للعنف .. بمعنى آخر هل ترفض الإنسانية العنف رفضاً كلياً ؟ أم أنها تبرره في حالات معينة ؟ وما هي هذه الحالات ؟

المراجع للتعمق

1- الثقافة النفسية ( مجلة ) لقاء مع واضع نظرية القدر في التحليل النفسي ليوبولد سوندي . المجلد الأول العدد الرابع 1990 .

2- الثقافة النفسية ( مجلة  ) لقاء مع البروفسورة إليزابيث موسون . المجلد الأول 1990.

3- الثقافة النغفسية ( مجلة ) الأسس الإحيائية للسلوك ( ملف) العدد الثالث عشر المجلد الرابع 1994 .

4- الثقافة النفسية ( مجلة ) تربية الأطفال العباقرة المجلد الأول العدد الأول 1990.

5- الثقافة النفسية ( مجلة ) اختبار سوندي المجلد السابع . العدد السادس والعشرين 1996.

6- الثقافة النفسية ( مجلة ) السياسة وأخلاقيات الطب النفسي المجلد الخامس العدد العشرين 1992 .

 

 

 

 

الهارب الى ضوء الشموع

التحليل النفسي لقصيدة قتلناك يا آخر الأنبياء

الشاعر نزار قباني وعودته إلى الأوديبية

 

الدكتور محمد أحمد النابلسي

  ceps50@hotmail.com  

          في ذكرى وفاة الشاعر نزار قباني  وعودته إلى الأوديبية نتذكر أبا توفيق يرثي إبنه فيقول : ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وأنت غائب ... وينتقل إلى سيارة ابنه ليناجيها في  نكوص شعري جامح  يذكرنا بوقوف الشاعر الجاهلي على الأطلال !!

          في هذه الذكرى تلوح لنا معالم قصائده ودواوينه بديلة لسيارة ابنه . فهل نقف على أطلالها ؟ أو نترك ذلك لجيل تعلم الحب على يديه أو نسخ عشقه أغاني يرددها المطربون ؟ وبغض النظر عما يفعله هؤلاء وأولئك ، أليس حرياً بنا السؤال عما أمسى عليه شعره بعد وفاته ، نشعر نزار كان مرتبطاً بشخصه بصورة عضوية وهو خسر كثيراً بوفاة الشاعر .

          إلى هذه الخسارة تضاف خسائر أخرى أبرزها أن مجمل الأعمال الإبداعية لا تملك ذات مستوى الحصانة تجاه الزمن . فقصائد الشاعر نفسه تتفاوت في مستواها الإبداعي وفي حدثيتها وقدرتها على الاستمرار . ولا شك في أن قصائد نزار المغناة تكتسب زاداً إضافياً يدعم استمراريتها ولكن هل يقتصر إبداع نزار على الغزل وهل يقنع بعد وفاته ببقائه شاعر المرأة . وهو لقب اكتسبه لدوافع سيكولوجية أكثر منها إبداعية فقصائده الغزلية تتضمن رصداً لسيكولوجية المرأة ودراسة معمقة لأحاسيسها ومعايشة لأفكار حميميتها. وهذا الطابع السيكولوجي يضفي على غزليات نزار صفة القدرة على اجتياز عواطف المرأة وتشجيع اسقاطاتها لتصبح هي الحبيبة أو لتتمنى أن تكونها  . إلا أن قباني لم يهرب إلى ضوء الشموع إلا بعد أن أحرقه ضوء الشمس فهو تعاطى السياسة في حياته وفي شعره حتى اليأس . وهو لم يلجأ إلى المرأة إلا كملاذ  وكلحظة كان يود أن يجمد الزمن عندها . فلحظة المرأة في شعر نزار هي لحظة تمرد أرادها نزار خارج الزمن المعيوش فأحوال الأمة لا تسر ومستقبلها ينذر بالأسوأ ومثقفوها موزعون بين عضوية ناقصة في حاشية السلطة وبين فقر الخروج من دائرة السلطة والعمل على رضائها ، وبين باحثين عن الحلول لأوضاع أمتهم واقعين في فخ البحث عن حلول لأزماتهم الشخصية متورطين في اتجاهات بعضها يبدو مأمونا وبعضها لايبدو كذلك .لكن أحداً لا يعرف إذا كان ظاهر هذه الإتجاهات يعكس خلفياتها ؟ وربما كان هذا الغموض هو دافع نزار قباني للهجرة إلى عالم المرأة .

          لكن المهاجر كان يعود من مهجره إلى موطنه في الأحداث المفصلية وغصة في حلقه . إن هذه الأحداث كانت كلها مأسوية .. فانتجت بكائيات .. ويوم وفاة عبد الناصر عاد من مهجره ليبكي الزعيم وكانت عودته أوديبية في هذه المرة ...

          إذ يعود أوديب ليفقأ عينيه إنتقاما من ذاته قاتلة الأب إنه محور مسرحية أوديب ملكاً ومرتكز العقدة الأوديبية الذي بنى عليه فرويد نظريته في التحليل النفسي حيث يؤكد فرويد بأن مأساة أوديب حاضرة دائماً في اللاشعور . ويأتي يونغ ليؤكد حضورها في اللا شعور الجمعي . فرغبة الطفل باختفاء الأب والاختفاء معادل للموت في وعي الطفل تعادلها رغبة المثقف بالتمرد على السلطة . لكن المأساة تجتاح الشعور وتحتله وتشل اللاشعور وعناصره .. فالشعور بالخسارة ينسينا مكاسب المرض ويدفعنا لمواجهة واقع قاس وطاغ وغير ممكن التجنب .

          لقد مات الزعيم فجأة من دون أن يترك لنا فرصة القلق على صحته ، أو تصور كارثتنا من دونه ، أو تخيل الفراغ ومن يملؤه لقد مات الزعيم فعاد أبناؤه الضالون يمزقون عيونهم في جنازته ومن بينهم صرخ ابن شديد الضلالة وعميق الابحار في بحور النساء صرخ نزار قباني : " قتلناك يا آخر الأنبياء " .

          وهذا الضليل المصدوم هو ابن بيت دمشقي عريق ومحافظ  . وفي ذاكرة نزار مشاهد من طفولته تترجم هذه المحافظة المألوفة تزمتاً . وصدمته الأولى كانت وفاة أخته ، فجاءت صدمة وفاة الزعيم لتحرك كوامن الصدمة القديمة ولتريح نزار من عبء كان يحمله على صدره وينغص عليه سعادته وتوازنه . فالزعيم هو رمز السلطة بالنسبة للبالغ أما رمزها لدى الطفل فهو الأب وهذا ما يجعل الزعيم بديلاً للأب . فإذا كانت الصورة الهوامية للأب سيئة ( و هي حالتها لدى نزار الذي يحمّل أباه ذنب وفاة أخته المحبوبة ) فإن التوافق مع السلطة ومع الزعيم يتدنى بالتوازن مع سوء صورة الأب ويتبدى خفض هذا التوازن مع مدى سوء صورة الأب . ويتبدى خفض هذا التوافق عبر مواقف التمرد النرجسي . حيث معاكسة السلطة تبقى في حدود التمرد على بعض ثوابتها . فالتمرد  النرجسي يمكنه أن يبلغ حدود الثورة . فهو يمثل الجانب غير الناضج من الشخصية ، وكان هذا الجانب عاطفياً لدى نزار الذي بقي عاشقاً مراهقاً حتى مماته.

          لكن الصدمات والرضوض النفسية تؤدي إلى وقف سيرورة التمرد وإبدالها بسيرورة النكوص النرجسي أيضاً التي تفجر العواطف الإيجابية وتلغي رغبات التمرد . وبهذه الطريقة يقوم النكوص بإصلاح الصور الهوامية السيئة محولاً الموضوعات من سيئة ( بدرجات مختلفة ) إلى حسنة ( بدرجات مختلفة أيضاً ) .

          لكن صدمة نزار بوفاة عبد الناصر لم تكن صدمة عادية أو محتملة . ونستدل على ذلك من خلال عنف عملية النكوص التي ترتبت عليها . فقد قاد النكوص بشاعرنا إلى بدايات العروبة وينابيعها الأولى ، فرأى أننا اعتدنا إيذاء ذاتنا واغتيال رموزنا منذ السنوات الأولى لحضارتنا العربية الإسلامية .

ليس جديداً علينا

 اغتيال الصحابة والأولياء

 فكم من رسول قتلنا

 وكم من إمام ..

ذبحناه وهو يصلي صلاة العشاء

 فتاريخنا كله محنة

وأيامنا كلها كربلاء

هكذا يراكم قباني فجائع الفقدان في تاريخنا بدءاً بسيدنا عمر عليه السلام مروراً بسيدنا الحسين عليه السلام وبالأئمة والصالحين وصولاً إلى عبد الناصر . حتى يبدو الأمر في ذهن الشاعر وكأنه فجيعة من فصول متعاقبة  تبرر وتفسر خسائرنا التاريخية من الأندلس وحتى فلسطين .

          وعلى غرار ما يجري في كافة الأحداث الصدمية نجد أن قباني يعاني مشاعر الذنب لدى الناجين من الكارثة ، فسجل مقطعاً من الاعترافات التي تبرئ الضحية وتذنب الناجين ( المقطع الثاني من القصيدة ) :  

تركناك في شمس سيناء وحدك

أما المقطع الثالث من القصيدة فيخصصه نزار لمحاولة تعقيل الحدث الصدمي . وهذا التعقيل يتم عادة باسترجاع الملابسات والظروف التي تسببت بالصدمة في محاولة للإقتناع بأنها كانت النتيجة الطبيعية لهذه الملابسات والظروف . وهذا التعقيل يهدف في الغالب لمواجهة الميل إلى عدم تصديق الحدث . ومن هذا المقطع :

رميناك في نار عمان . حتى احترقت

أريناك غدر العروبة حتى كفرت

ويتبدى الميل الأوديبي لفقء العينين ، بعد اكتشاف ارتكاب جريمة قتل الأب من دون معرفة في المقطع الرابع من القصيدة ومنه :  

وكنت أبانا

وحين غسلنا يدينا . اكتشفنا

بأننا قتلنا منانا

وبذلك نصل إلى المقطع الخامس والأخير من القصيدة وفيه يحاول قباني إظهار حزنه عله يستنفذه فيقوى على مواجهة الحدث بعد أن أقنع نفسه بتصديقه . وهكذا يظهر الشاعر عواطفه وراء الفقيد فيطلق العنان لمشاعر الحزن والخسارة والفقدان ويتحول إلى رثاء الراحل عبر انفعالات متداخلة تتكامل فيها وتتكثف كل أوليات وسيناريوات المقاطع السابقة حيث تتبدى آلية النكوص في قول الشاعر :

كل الأساطير ماتت .

بموتك وانتحرت شهرزاد .

أما مشاعر الذنب فيبديها نزار بقوله :

وهذا يريق الدموع عليك وخنجره ، تحت ثوب الحداد .

وهذا يجاهد في نومه

وفي الصحو

يبكي عليه الجهاد

          أما تعقيل كارثة الفقدان فيتبدى في الأبيات الأخيرة حيث يقول قباني :

أنادي عليك أبا خالد وأعرف أني أنادي بواد

وأعرف أنك لن تستجيب

وأن الخوارق ليست تعاد .

          وتسلسل الآليات اللاشعورية بمثل هذا الإنتظام إنما يدل على صدق معاناة قباني وعلى الطابع الذاتي الصدمي للحدث ذلك أن تعاقب النكوص والفجيعة ومشاعر الذنب والتعقيل والحزن الحاد بهذا الترتيب هو تعاقب لا شعوري وهو يقع خارج صنعة الشعر ومهاراتها . فهذا الترتيب هو عينه ما يسمى " التنظيم "  بلغة التحليل النفسي وعملية مثل هذه لا يمكن للشخص ترتيبها حتى على محتوياته الشعورية من دون مساعدة  محلل نفسي . أما عندما تنتظم محتويات اللاشعور وفق المبادئ الدقيقة للتنظيم ( بمفهومه التحليل نفسي ) فإن ذلك لا يمكنه أن يأتي إلا عن طريق صدق العاطفة ، بما في هذا الصدق من خضوع لمبادئ التداعي الحر للأفكار والمشاعر وتحريرها من الرقابات على مختلف مستوياتها ولو أراد محلل ما تنظيم هذه المشاعر وفق المبادئ التحليلية فإنه سيجد نفسه مضطراً لإطلاقها من حيز اللاشعور إلى حيز الشعور قبل أن يحاول الشروع بتنظيمها .

          لقد كان فقدان عبد الناصر صدمة قومية كبرى وقاسية لقد كان الحدث الذي حمل معه مرارة الفقدان وأيقظ تجاربه في الوجدان . وعند نزار وفي وجدانه حوادث الفقدان متراكمة وطاغية فمن انتحار أخته الحبيبة إلى موت ابنه . ورثائه له عبر سيارته التي ناجاها في قصيدة ذكرى  مرور سنة على وفاة ابنه .  عداك عن كوارث الفقدان المعنوية التي زادت صورة الأب- السلطة تشويهاً في وعي نزار حتى راح يهجوها ويهجوها إلى اللحظة . فماضي نزار مملوء بالصدمات والرضوض العاطفية ومستقبله خال من " أنا مثالية " . لذلك لم يبق أمامه سوى معانقة اللحظة . والحب أفضل رفيق لهذه المعانقة ،  فالحبيبة تهرب من ماضيك لأنه قد يحمل ذكرى غيرها وتفضل أن  تتخيل المستقبل على أنه مجرد استمرار للحظة . وإذا أردت تعويضاً نرجسياً فإن الحب يصبح هو الحدث فيكفيك مؤونة النكوص التثبيت وبالتالي تفجير ألغام الماضي وأحزانه . كما هو  يجنبك قلق المستقبل وهكذا فإن نزار لم يكن شاعر المرأة ، حتى وصفه بعض السوقة بالقواد لكنه كان شاعر اللحظة الحدث . وفراغ لحظاته جعل من المرأة حدثه المفضل فراح يعرض معايشاته للحظاته بأسلوب اللحظة وهو أسلوب يفهمه معاصرو اللحظة بسهولة فائقة . لكنه يصبح أكثر صعوبة كلما ابتعدنا عن اللحظة . لذلك تجد أن اللحظة معذبة بدورها فهي غير مستقرة وأحداثها متمردة فهي سرعان ما تتحول إلى ماض في اللحظة التالية . لكن العيب الأكبر في اللحظة هو عبوديتها للحدث . فقد يهيأ لنا أننا قادرون على إلباس لحظتنا الثوب الذي يناسبنا وعندها نكون في غيبوبة تنسينا أننا ولدنا في لحظة ونموت في لحظة ونستفيق في لحظة . ولقد أفاق نزار في لحظة موت الزعيم فكانت هذه القصيدة ومن بعدها العجز عن الاستمرار في وهم صناعة اللحظة . والعجز استتبع تفجر قلق المستقبل . وبعد الزعيم بدا أن نزار يكرر نفسه وينمطها حتى الملل بل حتى وفاته .