الدكتور محمد النابلسي : دراسات نفسية

مبررات الأسباب وصعوبات التكوين


الشاعرة والصحافية ناديا نصار نشرت هذه الكلمة الرقيقة في جريدة الأنوار الصادرة يوم 9/8/ 1990 بعد صدور العدد 3 من الثقافة النفسية المتخصصة

يقول الفيلسوف كارل يسبرز: ان علم النفس هو تحضير للخطوط العامة لايضاح الوجود، لانه لم يفهم من علم النفس مجرد الدراسة التجريبية لوقائع الحياة النفسية وقوانينها، بل هي المقام الأول لدراسة امكانيات النفس، ابتغاء معرفة ماهية الانسان ؟ وماذا نستطيع أن نكون وماذا نستطيع ان نفعل ؟

 

من هذا المنطلق يطل علينا الدكتور محمد احمد النابلسي من خلال مجموعة من مؤلفاته ودراساته واصداره مجلة " الثقافة النفسية" ، ضمن اطار علمي عبر اختصاصي ، ولقد ذكرني أسلوبه هذا بأسلوب الأب العام يوسف يمين المبسط وكتبه في علم الذرة. وكم نحن بحاجة الى هذه النوعية من المؤلفين والباحثين لانهم جسر التواصل بين الجهل والمعرفة. وخاصة، في مجال علم النفس، فالكثير من الناس في مجتمعنا الحاضر يرفضون الطب والعلاج النفسي رفضا" دفاعيا" يهدف الى الاحتفاظ بهويتهم الذاتية وحقهم بالمعايشة الذاتية. لذلك أراد الدكتور النابلسي أن يؤكد على معارضة معاداة الطب النفسي. وشرح لنا وجهة نظره حول ضرورة قيام المدرسة العربية للطب النفسي ولعلم النفس. وهذه الدعوة أعتبرها دعوة هامة وحضارية في مجتمع مختلف، وهي تبعد الانسان كل البعد عن مظاهر التمرد النرجسي وتحول دون هذه الخاصية للانسان العربي ودون حالة الاستسلام والارتخاء الذهني.

 

هناك بعض المبررات والأسباب الموضوعية التي تدعم الشعور بضرورة قيام المدرسة النفسية العربية، وكما يقول الدكتور نابلسي أن صعوبات تكوين عناصر التعريف بالشخصية الانسانية لا يتوقف فقط على العاملين في ميدان علم النفس، وانما يتعدى الاهتمام الى العديد من العلوم الانسانية. ويذكر لنا قول للشاعر غوته : " ان المعرفة العلمية للنفس الانسانية هي أرقى حدود المعرفة. وتتراوح المواقف بين تشاؤم نيتشه وبين اكسيولوجية بروتاغوراس، اذ يعتبر نيتشه بأن الانسان هو حيوان لن نصل يوما" الى معرفته أو تعريفه. في حين يقول بروتاغوراس ان الانسان هو المقياس في جميع الأعمال.

 

من هذه المواقف المختلفة يتبع السؤال : كيف يمكن قياس ما لا يقاس ؟

ولكن جهود العلماء والمفكرين استطاعت ان تتصل لوضع بعض مبادئ تعريف الشخصية التي تتألف من مجموعة عناصر مختلفة المنشأ. ثم وجود اختلاف بين تصرف الانسان الغربي المضطرب سلوكيا" وأخلاقيا"، من جهة تعاطي الخمر مثلا" أو بسبب التفكك العائلي. قد نجد نفس السلوك المضطرب عند الانسان العربي ولكن لأسباب اقتصادية وأمنية واجتماعية واعني الانسان اللبناني بالذات. اذ لو أخذنا المقاييس الأجنبية لتعريف الشخصية العربية لما خرجنا بنفس النتيجة. لذلك جاء الوقت لوضع أسس المدرسة العربية الكفيلة بوضع الحدود للاتهامات حول الفوارق الاجتماعية والدينية والاتنية.

 

أولا" : اختلافات المدارس الغربية القائمة : بعيدة عن الصعوبات التي تصادفها العيادة العربية النفسية بسبب الملكية أو التقنية. وهناك فوارق وعوامل عديدة ادت الى محاولة ايجاد تصنيف دولي للأمراض النفسية. ولقد وجد مدرستين كبيرتين تتسابقان في سبيل تحقيق الأهداف هما:

أ – تصنيف منظمة الصحة العالمية.

ب- تصنيف الجمعية الأميركية للطب النفسي.

تعتمد الأولى على الربط بين المرض النفسي و الفعلي.

وتعتمد الثانية على مراقبة المظاهر المرضية وأسبابها.

 

ان الجواب على قيام المدرسة العربية النفسية يقتضي مراعاة الظروف الاجتماعية والعرقية والدينية والتي تراعي في أساليبها العلاجية مبادئ اللاوعي الجماعي العربي. والأهم من ذلك هو تثقيف المواطن العربي ودفعه للتوجه الى العلاج. ويصف الدكتور النابلسي الممارسات العربية في العلاج النفسي ولو كانت بدائية أو مختلفة لا يستطيع أن ينفي فعاليتها العلاجية كالايحاء والعلاج عن طريق الأعشاب، وسماع الموسيقى، والتأمل، والصوفية...الخ، أما الانسان الغربي فقد يهزأ بهذه الممارسات ولو أخذناها من موقف التقييم العلمي  الموضوعي، نشك في عدم ثبات هذه الممارسات. أما الأخطار والخسائر الناجمة عن غياب المدرسة النفسية العربية فعديدة وهامة منها:

1- الترجمات الضارة.

2- ترجمة ما لا يترجم.

3- التبعية للمدارس الغربية.

 

ثم هناك عوائق للمريض العربي النفسي، اذ غالبا" ما يعجز عن اجراء الفحوصات الطبية المتطورة وكثرة التكاليف. ان دعوة الدكتور نابلسي لقيام المدرسة النفسية دعوة مفتوحة للحوار والمساهمة. ولقد وضع لنا في العدد الثاني من مجلة " الثقافة النفسية " موضوع الخطوات العملية نحو قيام المدرسة العربية.

 

الخطوة الأولى كانت اصدار مجلة " الثقافة النفسية " عنمركز الدراسات النفسية. ولآن صدر ثلاثة أعداد فصلية. وهي مجلة ترضي الباحث والمتلقي معا".

أولا" : ان الدعوة هذه هي دعوة انسانية علمية تهدف لترسيخ أسس التفاهم مع مريض بحاجة للمساعدة ومع انسان طبيعي، الى جانب احترام مقاييس الآخرين وطرق عيشهم وتفكيرهم.

ثانيا" : قراءة كتاب " فرويد والتحليل النفسي الذاتي " للدكتور محمد النابلسي، يساعد على علاج العديد من الأمراض الجسدية والنفسية، ولقد بادرت امرأة من أشهر المحللين الانجلوساكسوتيين وهي (كارن هورني) بنشر كتاب " التحليل الذاتي" الذي ترجم الى عدة لغات. وهذا النوع من التحليل هو موضوع كتاب الدكتور النابلسي.

 

لقد استطاع التحليل الذتي تخطي صعوبة استعمال التعابير التحليلية، وخاصة هؤلاء الذين يملكون ثقافة تحليلية واسعة. ولقد أعطانا الدكتور النابلسي شرحا" مبسطا" لمبادئ التحليل الذاتي وكيفية تطبيقه.

والكتاب يقسم الى عدة أقسام:

1- فرويد والتحليل الذاتي.

2- مبادئ التحليل النفسي.

3- تطبيقات التحليل الذاتي.

من خلال عطاء الدكتور النابلسي وتجاوز كونه فقط الطبيب النفسي واهتمامه في البحوث والطروحات المستقبلية. سد ثغرة كبيرة في المكتبة العربية وخاصة في مجال العلوم الانسانية نتمنى لو كل انسان لديه الطاقة العلمية والمادية ان يسخر طاقاته في سبيل نهضة الانسان وحضارته. ويكون حجر الزاوية في بناء الانسان بدلا" أن يكون حجرا" للمنفعة الشخصية. نشكر جهود الدكتور نابلسي وجهود الاخصائيين المساهمين في " مجلة  الثقافة النفسية " .