مـجــلة الأســـبوع العـــربي تقابل النابــلســـي
حول كتابه:
النفــــس المقهــــورة - سيـكــولــوجيـــة السيــاســة العـــربيــة
  قابله : اسكندر داغــر  

 

 

     صدرت الطبعة الثانية من كتاب " النفس المقهورة – سيكولوجية السياسة العربية " للدكتور محمد احمد النابلسي. والكتاب جزء من ثلاثية المؤلف: النفس المغلولة (الاسرائيلية) والنفس المفككة ( الاميركية) والنفس المقهورة (العربية). وفيها يتخطى النابلسي عيادة الأمراض النفسية الى حقل الطب النفسي السياسي. وهو حقق إستناداً الى إختصاصه جملة رؤى مستقبلية سرعان ما وجدت تحقيقها مع تسلم الرئيس ووكر بوش للسلطة الأميركية. ومع ذلك أصدر المؤلف هذه الطبعة الثانية بدون زيادات تراعي متغيرات الأوضاع. وكان لنا مع النابلسي اللقاء التالي:

    حدث جلل مثله إحتلال العراق والفوضى الجيوسياسية المرافقة له ومع ذلك نجد الطبعة الثانية من النفس المقهورة بدون أية إضافة!. فهل إنتهى القهر أم نفذ؟.

النابلسي: الطبعة الأولى من الكتاب جاءت إستقرائية تحذيرية. ولم يعد ينفع التذكير بالتحذيرات الواردة فيها لذلك فضلنا ترك الكتاب على حاله في طبعته الثانية. وهذا لا يعود طبعاً الى تجاهل المستجدات الخطيرة وإنعكاساتها المهددة بمزيد من القهر. فالقهر لا يتبدد ولا ينفذ ولا يضيع في الزمان والمكان.

    ألم يكن ذلك أدعى لإضافة الجديد الى هذه الطبعة؟.

النابلسي: خلال هذه الفترة أصدرت كتاب " الحرب النفسية في العراق " وضمنته الجديد الذي كان يمكن إضافته الى هذه الطبعة الثانية. كما إحتوى كتابي النفس المفككة " جديداً كان يمكن إلحاقه بهذه الطبعة. وهذا ما جعلني افضل تركها على حالها. وهذا يعطي طروحاتها المستقبلية مصداقية أكبر.

    يضم الكتاب مقالة بعنوان " قضية الأخلاق في السياسة الأميركية " وهي منشورة بتاريخ 27 ديسمبر 1997 وفيها تقول بالنص: ".... مع بداية القرن المقبل ستدخل الولايات المتحدة في حقبة زمنية شديدة الصخب ... إن حظ كلينتون ينقذه من ولاية ثالثة...". ما هي المعطيات المتوافرة لك آنذاك لمثل هذه الرؤية التي تتحقق اليوم؟.

النابلسي: تتمة المقالة تقول بأن الولايات المتحدة تقود العالم نحو عولمة تعود على الاقتصاد الأميركي بكوارث. وثبتت صحة هذه الرؤية عندما قام كلينتون بدعم صناعة الصلب الأميركية في العام التالي لنشر المقالة (1998). لكن الإعلان عن الخروج النهائي من العولمة تم على يد بوش بطلاقه التام للعولمة.

     نقرأ في الكتاب معارضة ونقد مبدئي لأول تقارير التنمية البشرية في العالم العربي. وهو مؤرخ بتاريخ اوكتوبر 1992 فهل ما زلت على موقفك من هذه التقارير؟.

النابلسي: هذه التقارير لا تزال تعتمد على العوامل الإحصائية الأساسية ذاتها. وبالتالي فإن مآخذي عليها لم تتغير. أنا لا أقول مثلاً أن المواطن العربي يعيش في جنة أرضية فهو يعاني دون شك. لكن معاناته هي مسؤولية مشتركة بين الفساد المحلي وبين التسلط الأجنبي. فالإصلاح الداخلي لا يحل وحده مشاكل هذا المواطن. فكيف ندعو لإدخال المعلوماتية الى دول تعاني المجاعة أو ندعو للحد من زيادة السكان في بلد لا يتجاوز معدل الأعمار فيه الأربعون عاماً!. إنها دعوة للإبادة وليس للتحضر.

     ما هي العوامل التي تعترض عليها في تقارير التنمية البشرية؟.

النابلسي: أنا لا أعترض على عوامل بعينها بل على المنطلقات النظرية لهذه التقارير. فقد أثبت الطب النفسي واقعة ،أعلنها رئيس جمعيته الدولية مطلع الثمانينيات، مفادها أن التعاسة والإكتئاب لا تتأثران بالظروف المحيطية بقدر تأثرهما بعوامل بيولوجية داخلية. فإذا ما أصرينا على تحري عوامل التعاسة فإننا نسأل عن عوامل غائبة عن هذه التقارير كمثل: نسبة الإنتحار ونسبة تعاطي الكحول والمخدرات والأدوية النفسية... الخ من العوامل. التي إذا ما أضيفت فهي تثبت أن مواطني الدول الغنية ليسوا بأفضل حالاً من الفقراء. ولذلك يتم نغييب هذه العوامل وتجاهلها.

    لكن هذه التقارير تسهم في تحسين مستوى معيشة وسعادة الفقراء؟.

النابلسي: المسالة هنا تتعلق بالرؤية الشخصية للسعادة. فالأشخاص الميالون للإستهلاك يجدون في تحسين إمكانيات الرخاء هدفاً يسعون له. لكن الآخرين يرون أن الرخاء هدف لكنه مشروط. فالعراقيون يقراون اليوم مئات الصحف ويعبرون عن بعض آرائهم ولكن تحت الإحتلال. بعضهم لا يريد حرية الصحافة في ظل الإحتلال وبعضهم يريدها. والمسألة شخصية ذاتية.

   هل هو مظهر من مظاهر الديمقراطية مثل هذه الحرية في التفضيل؟

النابلسي: بعضهم يعتبرها كذلك لكنه جهل بثقافة المنطقة بل ربما هو جهل بعلم الإناسة (الأنثروبولوجيا) فالشعوب لا تقبل الإستعمار مهما كانت إغراءاته وهي تناضل ضده. أما أن يقبل البعض حرية المستعمر والرخاء في ظله فإن لذلك إعتبارات أخرى. ربما كان أبسطها الإستفادة المباشرة من الإحتلال.

    في الكتاب إشارة الى إنتقال الولايات المتحدة من سياسة الإحتواء المزدوج الى سياسة التفتيت العنقودي ورأيت أنه تحول ضار بكل المصالح الأميركية.

النابلسي: إنها الرغبة الأميركية في الحصول على نفوذ يعادل القوة العسكرية الأميركية. وهي رغبة كبتها كلينتون وفجرها بوش بل وهو يمارسها بتهور وإندفاع.

    لكنك تشير الى وجود هذه النية لدى كلينتون في كتابك؟.

النابلسي: كان كلينتون موضوع ضغوط عنيفة في هذا الإتجاه من داخل إدارته. لكنه قاوم هذه الضغوط وخاصة في العام 1998 عندما إكتفى بعملية " ثعلب الصحراء " ورفض المضي في الحرب على العراق.

     هنالك من يقول ان كلينتون تقصد أن يترك الأزمات لخلفه عن طريق تأجيلها وعدم إيجاد الحلول لها؟.

النابلسي: كان كلينتون مدركاً لمزاج الجمهور الأميركي في التغيير ولثقل حملة بوش الإنتخابية. فكان متأكداً من فوز بوش مسبقاً. لكن ضحالة حضور بوش وثقافته غيرت المعادلة أثناء حملة 2000 الإنتخابية. لهذا لا يمكن نفي تهمة تأجيل كلينتون للمواجهات المعقدة إلا أن الإنصاف يقتضي أن سياسة كلينتون كانت تقوم على مبدأ رفض دفع أية أثمان إستراتيجية. فهو خاض حروب كوسوفو وثعلب الصحراء وأفغانستان ومعمل الشفاء السوداني وغيرها بصواريخ التوما هوك ولم يتجاوزها. و لا ذنب له إذا إنقلب بوش على هذا المبدأ ودفع كل الأثمان الإستراتيجية التي وفرها كلينتون. والنتيجة كانت عجزاً في الميزانية بقيمة 455 مليار دولار في مقابل فائض لكلينتون بقيمة 115 مليار دولار.

     هل تعتقد أن هذه المقارنة بين سياسات بوش وكلينتون ستكون فاعلة في الإنتخابات الأميركية القادمة؟.

النابلسي: أعتقد ذلك على الرغم من الخوف الاميركي الداخلي من الارهاب. فالأوضاع الإقتصادية الأميركية ليست تحت السيطرة. وإن نجحت الإدارة لغاية الآن بتدعيم المؤشرات الإقتصادية بصورة مطمئنة للجمهور الأميركي. لكن أبواب المفاجآت لا تزال مفتوحة ومنها الإرتفاع غير الملحوظ لأسعار النفط.

    في الكتاب حديث عن الشخصية العربية وعن تعرض الدول العربية لسياسة إفقار مدروسة ومنظمة. أين هي هذه السياسة اليوم؟.

النابلسي: مارس كلينتون هذه السياسة بطريقة الطلب فهو تدخل شخصياً لإقناع الدول لشراء البوينغ والأسلحة الأميركية وغيرها. وهو زار أوستراليا ليطلب منها تنشيط علاقاتها مع أميركا كما زار أفريقيا بحثاً عن موارد تدعم افقتصاد الأميركي. أما بوش فهو يمارس السياسة ذاتها ولكن بالإجبار بدل الطلب والدبلوماسية.

    أوردت في كتابك تبرير هذه السياسة فالجمهوريون كانوا يرون في كلينتون رئيساً تنقصه قدرة المواجهة. وهم يريدون رئيساً مواجهاً مثل بوش؟.

النابلسي: ولكن هل تعني المواجهة التورط؟. لقد تمكن كلينتون بمرونته من تحقيق المصالح الأميركية والحفاظ عليها. في حين أن سلوك الإدارة الحالية رفع نسبة العداء لأميركا حنى في أوروبا نفسها. وهو جعل المصالح الأميركية والداخل الأميركي ذاته في وضعية تهديد.

     عرضت في الكتاب لسيطرة اللوبي الصهيوني وتأثيره في السياسة الأميركية. وكان ذلك أيام إدارة كلينتون التي كانت يهودية في غالبيتها. فهل تستمر هيمنة اللوبي الصهيوني في ظل إدارة بوش التي يغيب فيها اليهود؟.

النابلسي: تأثير اللوبي والعلاقة مع إسرائيل لا يرتبطان بعدد اليهود المشاركين في الإدارة. وبوش لم يحصل إلا على أعداد ضئيلة من الأصوات اليهودية. بل ربما كانت هذه الأصوات هي سبب خسارته للصوت الشعبي ووقوعه في ازمة الفرز في فلوريدا. المسألة أن بوش يرفض الشراكة الإستراتيجية مع أية جهة كانت. وهو يريد علاقات تبعية لأميركا. بحيث تفوم الدول الأخرى بتنفيذ الأوامر الأميركية ورعاية المصالح. وهي تبعية تمرد عليها الأوروبيون وقبلها الإسرائيليون. لذلك دخلت العلاقات الاميركية الاسرائيلية في شهر عسل جديد.

      ماذا عن مستقبل المنطقة على ضوء الرؤى المطروحة في الكتاب وما تحقق منها لغاية اليوم؟.

النابلسي: لقد فشل الأميركيون في إيجاد قرضاي عراقي وفشلوا في تحقيق فرز من نوع فيتنام أو كوريا الجنوبية ولم يبقى أمامهم سوى اللعب على الفرز الطائفي او الإنسحاب. وفي رأيي الشخصي أن شروط إمداد الفرز الطائفي مقطوعة لذلك يبقى الإنسحاب الحل الوحيد. مع إستبدال الوجود الأميركي بوجود عربي برعاية دولية.

    هذا يعارض الطرح الأميركي القائل بتوسعة الشرق الأوسط والمضي في نشر الديمقراطية وتحرير دول المنطقة ومحاسبتها؟.

النابلسي: الهروب الى الأمام هو أحد السياسات المطروحة لكنها نادراً ما تكون ناجحة وفاعلة. وهي تستخدم عادة كوسيلة ضغط للتفاوض ولتحقيق مكاسب تفاوضية. مما يعني العودة الى السياسة وتطليق الحروب والقوة. وفي حال العكس فإن على الأميركيين أن يفكروا جيداً بإمكانية مواجهتهم لكل العالم دفعة واحدة. إذ أن سياسة القوة دفعت بعلاقاتهم الأوروبية نحو الطلاق حتى كادت أميركا تفقد كل اصدقائها دفعة واحدة. فهل هي تملك من الحكمة ما يكفي لتصويب هذه الوضعية؟. أم أنها تتابع فورانها العسكري؟. إنها مسألة تقبل النقاش!. وربما حسمتها نتيجة الإنتخابات الأميركية القادمة.

    هل يعني هذا أن السياسة الخارجية الأميركية عرضة للتغيير بتغيير الرئيس؟

النابلسي: حرب العراق هددت المصالح الأميركية في المنطقة بحيث لم يعد ممكناً الرجوع الى معادلة ما قبل تلك الحرب. وعليه فإن إختلاف السياسة الخارجية بين رئيسين يتمحور حول التكتيك المعتمد لتأمين هذه المصالح. ولا شك أن الأميركيين سيرددون قريباً عبارة " سقى الله أيام كلينتون" وهم كانوا قد نصبوه أهم رئيس بعد الحرب العالمية الثانية لجهة الإقتصاد. ومما لا شك به أن بوش سيحظى بلقب الرئيس الأسوأ في هذا المجال.